الإسراء · الآية 4

﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا

«وَقَضَيْنَا إِلَىٰ»: قَضاءٌ يَبلُغُ، لا قَضاءٌ يَقَعُ فَوقَ

لم يُقَلْ «قَضَينا عَلى». قيلَ «قَضَينا إلى»، و«إلى» حَرفُ انتِهاءِ الغاية. والقَضاءُ في ق-ض-ي فَصلٌ مُحكَمٌ يَمضي حتّى يَتِمّ. فإذا عُدِّيَ بِـ«إلى» صارَ أمراً قد فُرِغَ منه ثُمَّ أُبلِغَ إلى مَن يَعنيه. المَقضِيُّ تامٌّ قَبلَ أن يَصِلَ، والواصِلُ إلى القَومِ هو الخَبَرُ بِه.

وفي الآيةِ التّاليةِ حَرفٌ آخَر: «بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ». هُناكَ «على» ونُزولٌ فَوقَ الرُّؤوس، وهُنا «إلى» وبُلوغٌ إلى الأسماع. الكَلِمةُ تَصِلُ إلَيك، والعاقِبةُ تَنزِلُ عَلَيك. حَرفانِ يَفصِلانِ بَينَ إنذارٍ يُسمَعُ وحُكمٍ يَحُلّ.

«فِي الْكِتَابِ»: لِلقَضاءِ مَوضِعٌ مَكتوب

لم يُقَلْ إنَّ القَضاءَ قيلَ، بل إنَّه في الكِتاب. فلَه مَوضِعٌ مَحفوظٌ يُرجَعُ إلَيه، لا مَجرى صَوتٍ يَنقَضي بِانقِضائِه. والألِفُ واللّامُ في «الْكِتَابِ» تُشيرُ إلى مَعهودٍ عِندَ المُخاطَبين. والإشارةُ جُزءٌ من الآية، وأمّا المُشارُ إلَيهِ فمَعرِفةُ قارِئِه. ما وَراءَ ما نَصَّتْ عَلَيه الآيةُ لا تَحمِلُه الآية.

«لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ»: قَسَمٌ مَعدود

نَزَلَ المَقضِيُّ في صيغةِ يَمين: لامٌ في صَدرِ الفِعلِ ونونٌ ثَقيلةٌ في آخِرِه. لا يُقالُ «سَتُفسِدون» ولا «رُبَّما»، بل يُقسَمُ عليه. وهو خِطابٌ لِمُواجَهٍ لا لِغائِب، مَوصولٌ بِالخِطابِ الذي بَدَأَ في «أَلَّا تَتَّخِذُوا».

و«فِي الْأَرْضِ» لا «الأرضَ». الفَسادُ يَقَعُ داخِلَ الأرضِ لا عَلَيها: هي ظَرفُه لا مَفعولُه. والفَسادُ في ف-س-د انفِراطُ البِنيةِ من داخِلِها ثُمَّ ثُبوتُه فيها، كالثَّمَرةِ تَتَجاوَزُ نُضجَها فتَتَغَيَّرُ من جَوفِها وقِشرَتُها على حالِها. الأرضُ تَبقى أرضاً ويَفسُدُ ما يَجري فيها.

و«مَرَّتَيْنِ» تَثنِية. والمَرَّةُ من م-ر-ر جَوازٌ يَمَسُّ ثُمَّ يُفارِق، فالمَرَّتانِ جَوازانِ لا حالٌ مُتَّصِلة. والعَدَدُ هُنا يُنشِئُ بِناءَ الآياتِ بَعدَها: «أُولَاهُمَا» في الخامِسة، و«الْآخِرَةِ» و«أَوَّلَ مَرَّةٍ» في السّابِعة. عُدَّتِ المَرّاتُ ولم يُؤَرَّخْ لَها؛ ما عَدَّتْهُ الآيةُ مَعدود، وما لم تُؤَرِّخْهُ يَبقى بِلا تاريخ.

«وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا»: الطَّرَفُ الثّاني من اليَمين

قَسَمٌ ثانٍ بِلامٍ ونونٍ كالأوَّل. والعُلُوُّ في ع-ل-و بُروزٌ من أسفَلَ يَمتَدُّ صاعِداً ويَتَّصِلُ فيَدوم. ثُمَّ يُؤَكَّدُ بِمَصدَرِه «عُلُوًّا» ويُوصَفُ بِـ«كَبِيرًا»، فيُثَقَّلُ الوَصفُ مَرَّتَين.

والمَقضِيُّ إذَنْ شَيئان: فَسادٌ يَنزِلُ في الجَوف، وعُلُوٌّ يَصعَدُ فَوقَ الحَدّ. أحَدُهُما يَتَحَلَّلُ إلى الدّاخِل، والآخَرُ يَشمَخُ إلى الخارِج، وهُما في يَمينٍ واحِدةٍ لِأنَّهُما حَرَكةٌ واحِدةٌ يُنظَرُ إلَيها من وَجهَين. وهذا العُلُوُّ عَينُه يَرجِعُ في السّابِعة: «مَا عَلَوْا».


حَصيلة

قَضاءٌ فُرِغَ منه ثُمَّ بُلِّغَ: «قَضَينا إلى» لا «على»، فهو خَبَرٌ يَصِلُ لا ثِقلٌ يَنزِل. ومَوضِعُه «فِي الْكِتَابِ»، مَحفوظٌ لا عابِر. ثُمَّ يُصاغُ في يَمينَينِ مَعدودَتَين: فَسادٌ «فِي الْأَرْضِ» يَعمَلُ في جَوفِها ولا يَنالُ اسمَها، ومَرَّتانِ تُثَنّيانِ الجَوازَ فتَفتَحانِ العَدَّ الذي سَتَجري عليه الآياتُ بَعدَها، وعُلُوٌّ يُؤَكَّدُ بِمَصدَرِه ويُوصَفُ بِالكِبَر. عُدَّتِ المَرّاتُ ولم يُسَمَّ لَها زَمان؛ ومَن عَدَّ ولم يُؤَرِّخْ فقد وَضَعَ حَدّاً وأبقى البابَ.