البقرة · الآية 255
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«اللهُ لا إلَهَ إلّا هو»: جُملةُ الحَصرِ بِالنَّفيِ والاستِثناء
الآيةُ تَبدَأُ بِلَفظِ الجَلالةِ «الله» مُبتَدَأ، ثُمَّ «لا إلَه إلّا هو» جُملةٌ تَخبُرُ عَنه. والجَذرُ (أ ل ه) في اللِّسانِ العَرَبيِّ القَديمِ يَحمِلُ مَعنى التَّحَيُّرِ والتَّعَلُّق. فَالإلَهُ هو المَعبودُ الذي تَتَعَلَّقُ بِه النُّفوسُ وتَتَحَيَّرُ عِندَه. وصياغةُ «لا إلَه إلّا هو» بِأداةِ النَّفيِ العامِّ «لا» ثُمَّ الاستِثناءِ «إلّا» تُفيدُ حَصرًا قَطعيًّا. أُلاحِظُ أنَّ هَذِه الصِّياغةَ لَم تَقُل «واحِد» فَحَسب، بَل نَفَت كُلَّ مَعبودٍ قَبلَ أن تُثبِتَ المَعبودَ الحَقّ. فَهي قِسمةٌ عَقليَّةٌ تُسقِطُ كُلَّ ما يُتَصَوَّرُ مَعبودًا ثُمَّ تُبقي واحِدًا فَقَط.
(ح ي ي) و(ق و م): الحَياةُ الذّاتيَّةُ والقِيامُ القَيُّوميّ
«الحَيُّ» مِن الجَذرِ (ح ي ي)، والحَياةُ هُنا لَيسَت كَحَياةِ المَخلوقِ المُقَيَّدةِ بِبِدايةٍ ونِهاية. إنَّها حَياةٌ ذاتيَّةٌ لا تَحتاجُ إلى مُغَذٍّ خارِجيّ. و«القَيُّوم» مِن (ق و م) صيغةُ مُبالَغة، تَدُلُّ عَلى القائِمِ بِذاتِه والمُقيمِ لِغَيرِه. أؤَكِّدُ أنَّ الصِّفَتَين مَعًا لا يُمكِنُ فَصلُهما: الحَيُّ الذي لا يُقيمُ غَيرَه ليسَ إلَهًا، والقائِمُ بِدُونِ حَياةٍ ذاتيَّةٍ ليسَ إلَهًا. فَالتَّلازُمُ بَينَهُما هو تَعريفٌ عَقليٌّ لِلأُلوهيَّةِ الحَقيقيَّة.
(و س ن) و(ن و م): تَدَرُّجُ النَّفيِ في آلاتِ الغَفلة
«لا تَأخُذُه سِنةٌ ولا نَوم». و«السِّنة» مِن (و س ن) وهي النُّعاسُ الذي يَسبِقُ النَّومَ العَميق. و«النَّوم» هو الغَيبوبةُ الكامِلة. أُلاحِظُ أنَّ القُرآنَ بَدَأَ بِالأضعَفِ «السِّنة» ثُمَّ انتَقَلَ إلى الأقوى «النَّوم»، نَفيًا لِأيِّ شائِبةٍ مِنَ الغَفلة. فَحَتّى النُّعاسُ الذي هو بِدايةٌ صَغيرةٌ لِلغَفلةِ مَنفيٌّ عَن الله. وهَذا رَدٌّ عَقَديٌّ عَلى لاهوتٍ قَديمٍ كانَ يَتَصَوَّرُ الإلَهَ كائِنًا مُتَعَبًا يَستَريحُ. والجَذرُ (أ خ ذ) يَدُلُّ عَلى القَبضِ بِقُوَّة، والمَعنى أنَّ السِّنةَ والنَّومَ لا يَستَطيعانِ القَبضَ عَلى الله، لا أنَّه لا يَنامُ بِإرادَتِه.
«لَه ما في السَّماواتِ وما في الأرض»: المِلكُ الكَونيّ
اللّامُ في «لَه» لامُ المِلكيَّة. و«ما» المَوصولةُ العامَّةُ تَشمَلُ كُلَّ المَوجودات. فَالمِلكُ هُنا لا يَقتَصِرُ عَلى المَخلوقاتِ الواعِيةِ بَل يَشمَلُ كُلَّ «ما»، الحَيَّ وغَيرَ الحَيِّ، المَحسوسَ والغَيبيّ. وأُبَيِّنُ أنَّ ذِكرَ «السَّماواتِ» بِالجَمعِ و«الأرضِ» بِالإفرادِ ليسَ اعتِباطًا: السَّماواتُ طَبَقاتٌ مُتَعَدِّدةٌ لا يَراها الإنسانُ بِعَينِه المَعتادة، والأرضُ واحِدةٌ مَعروفةٌ لَدَيه. والقُرآنُ يَبدَأُ بِما يَفوقُ إدراكَه ثُمَّ يَنزِلُ إلى ما يَلتَمِسُه.
(ش ف ع) و(أ ذ ن): الشَّفاعةُ المُقَيَّدة
«مَن ذا الذي يَشفَعُ عِندَه إلّا بِإذنِه» استِفهامٌ إنكاريّ. و(ش ف ع) أصلُه الضَّمُّ، و(أ ذ ن) أصلُه الإعلامُ والإباحة. فَالشَّفاعةُ عِندَ اللهِ ليسَت مُلغاةً كَما في الآيةِ 254 لِيَومِ القِيامة، بَل مُقَيَّدةٌ بِإذنِه. وأُشيرُ إلى الفَرقِ الدَّقيقِ بَينَ الآيَتَين: الآيةُ السّابِقةُ تَنفي الشَّفاعةَ يَومَ لا بَيعَ، وهَذِه تُثبِتُها بِإذنِ الله. فَالتَّكامُلُ بَينَ الآيَتَين يُعطي تَعريفًا واضِحًا: الشَّفاعةُ بِاستِقلالٍ مُلغاة، والشَّفاعةُ بِإذنٍ قائِمة.
(ع ل م) و(ي د ي) و(خ ل ف): عِلمُ الله مُحيطٌ بِالحاضِرِ والغائِب
«يَعلَمُ ما بَينَ أيديهم وما خَلفَهم». «بَينَ الأيدي» اصطِلاحٌ قُرآنيٌّ لِما هو حاضِرٌ أمامَ الشَّخصِ مَرئيٌّ لَه، و«ما خَلفَهم» ما غابَ عَنه إلى الخَلف. والجَذرانِ (ي د ي) و(خ ل ف) يَصنَعانِ ثُنائيَّةً مَكانيَّةً تَشمَلُ كُلَّ المَحيطِ البَشَريّ. أؤَكِّدُ أنَّ الآيةَ لا تَحصُرُ عِلمَ اللهِ في الزَّمَنِ فَقَط (ماضي ومُستَقبَل)، بَل في المَحيطِ كُلِّه: ما يَدرَكُه الإنسانُ بِحِسِّه وما يَغيبُ عَنه. فَهو عِلمٌ كامِلٌ بِالحالِ والمَآلِ والبيئة.
(ح و ط) و(ش ي أ): الحُدودُ العَقليَّةُ لِلبَشَر
«ولا يُحيطونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِه إلّا بِما شاء». و(ح و ط) أصلُه الدَّوَرانُ حَولَ الشَّيءِ حَتّى إدراكِ نِهاياتِه. أي أنَّ البَشَرَ لا يَقدِرونَ عَلى الإحاطةِ بِأيِّ جُزءٍ مِن عِلمِ اللهِ إحاطةً كامِلةً مِن كُلِّ الجِهات. والاستِثناءُ «إلّا بِما شاء» يَفتَحُ بابًا ضَيِّقًا: ما عَلِمَه البَشَرُ مِن عِلمِ اللهِ هو بِمَشيئةِ اللهِ لَهم، لا بِاكتِسابٍ ذاتيٍّ مِن أنفُسِهم. وهَذا يَضَعُ كُلَّ عِلمٍ بَشَريٍّ في مَوقِعِ الهِبةِ لا الغَنيمة.
(و س ع) و(ك ر س): سَعةُ الكُرسيِّ
«وَسِعَ كُرسيُّه السَّماواتِ والأرض». الجَذرُ (و س ع) يَدُلُّ عَلى الاتِّساعِ المَكانيِّ والقُدراتيّ. والكُرسيُّ (ك ر س) لُغَةً المَقعَدُ ذو القَوائِم، وفي الاستِعمالِ القُرآنيِّ هُنا يَدُلُّ عَلى مَقامِ الحُكم. واللَّفظُ في تَركيبِه يَحتَمِلُ الثَّلاثةَ مَعًا: الكُرسيُّ الذي يَسَعُ السَّماواتِ والأرض، سَواءٌ عَلى مَعنى العِلمِ أو المَقامِ أو السُّلطة، كُلُّها مَعانٍ مُتَكامِلة لا مُتَنافية.
(أ و د) و(ح ف ظ): الحِفظُ بِلا تَعَب
«ولا يَؤودُه حِفظُهما». الجَذرُ (أ و د) أصلُه الثِّقَلُ والإرهاق. و(ح ف ظ) أصلُه الإبقاءُ عَلى الشَّيءِ كَما هو دونَ تَغَيُّر. فَالمَعنى: لا يُرهِقُه ولا يُثقِلُ كاهِلَه أن يَحفَظَ السَّماواتِ والأرضَ مِن التَّلاشي. وأُبَيِّنُ أنَّ هَذا الوَصفَ مُقابِلٌ لِلوَصفِ الأوَّلِ «لا تَأخُذُه سِنةٌ ولا نَوم». في الأوَّلِ نَفيٌ لِلغَفلةِ، وفي الثّاني نَفيٌ لِلإرهاقِ. فَالصِّفَتانِ مَعًا تُثبِتانِ أنَّ الاستِمرارَ الإلَهيَّ في الحِفظِ ليسَ ذا تَكلِفةٍ عَلَيه.
(ع ل و) و(ع ظ م): الخاتِمةُ المُرَكَّبة
«وهو العَليُّ العَظيم». (ع ل و) يَدُلُّ عَلى الارتِفاعِ المَكانيِّ والرُّتبيّ، و(ع ظ م) أصلُه ضِخامةُ العَظم، ويُعَمَّمُ لِكَبيرِ القَدرِ والشَّأن. والجَمعُ بَينَهُما في الخاتِمةِ يُعطي مُرَكَّبًا دَلاليًّا: عُلوٌّ مَوقِعيٌّ فَوقَ كُلِّ شَيء، وعَظَمةٌ في القَدرِ فَوقَ كُلِّ مَقدار. أؤَكِّدُ أنَّ الآيةَ لَم تُختَم بِـ«اللَّطيفُ الرَّحيم» مَثَلًا، بَل بِـ«العَليُّ العَظيم»، لأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعظيمٍ وإثباتِ عُلوٍّ، لا مَقامُ تَقريبٍ لِلعِبادِ. فَكَأنَّ الآيةَ صَعِدَت مِنَ «اللهُ لا إلَه إلّا هو» إلى «العَليُّ العَظيم» في قَوسٍ مُتَصاعِد.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الحَياةِ الذّاتيَّةِ والقَيُّوميَّةِ والحِفظِ بِلا تَعَب» يَسبِقُ كُلَّ لاهوتٍ يَتَصَوَّرُ إلَهًا يَنامُ أو يَتعَبُ أو يَحتاجُ شَفيعًا، ودَورُ «الإذنِ في الشَّفاعة» يَسبِقُ دَعوى استِقلالِ الوَسائِطِ بِسُلطَتِها الخاصَّة.
حَصيلة
تَنزِلُ آيةُ الكُرسيِّ في حَركاتٍ مُتَدَرِّجةٍ تُعيدُ تَعريفَ السُّلطةِ والحَياةِ والعِلمِ والوَساطة. تَفتَتِحُ بحَصرٍ قاطِع: «الله لا إلٰه إلّا هو». لا تَقولُ «اللهُ واحد» فَتَضَعَ الاسمَ في صَفِّ المَعدودات، بل تَنفي بـ«لا» كلَّ إلٰهٍ مُحتَمَل ثُمّ تَستَثني بـ«إلّا هو». ثُمّ اسمانِ مُتَلازِمانِ لا يُفصَلان: «الحَيُّ القَيُّوم». الحياةُ في جذرِها (ح-ي-ي) سَريانٌ حارٌّ ذاتيٌّ لا يُنزَعُ بنَزعِ سَبَبِه، والقَيُّومُ من (ق-و-م) القائمُ بذاتِه المُقيمُ لكلِّ ما سِواه. الحَيُّ الذي لا يُقيمُ غَيرَه ليس إلٰهاً، والقائمُ بلا حَياةٍ ذاتيّةٍ ليس إلٰهاً. ثُمّ نَفيٌ مُتَدَرِّج: «لا تَأخُذُه سِنةٌ ولا نَوم». السِّنةُ (و-س-ن) النُّعاسُ الخَفيف، والنَّومُ الغَيبوبةُ الكامِلة. وفِعلُ «الأَخذ» قَبضٌ من خارج: النَّومُ لا يَستَطيعُ القَبضَ عليه. ثُمّ المِلكيّةُ الكُلِّيّة: «لَه ما في السَّماواتِ وما في الأَرض»، «ما» المَوصولةُ تَستَوعِبُ الحَيَّ وغَيرَ الحَيّ. ثُمّ الشَّفاعةُ بقَيد: «مَن ذا الذي يَشفَعُ عندَه إلّا بإذنِه». الشَّفاعةُ (ش-ف-ع) ضَمُّ الواحدِ إلى الواحدِ، فلا شَفيعَ يَستَقِلُّ؛ وهذا يُكَمِّلُ ما نَفَته الآيةُ السابقة (2:254). ثُمّ العِلمانِ المُتَقابِلان: «يَعلَمُ ما بَينَ أيديهم وما خَلفَهم» يَجمَعُ الحاضِرَ والغائبَ، و«لا يُحيطونَ بشَيءٍ من عِلمِه إلّا بما شاء»، والإحاطةُ (ح-و-ط) دَوَرانٌ حَولَ الشَّيءِ حتّى نِهاياتِه؛ فَعِلمُ البَشَرِ هِبةٌ لا غَنيمة. ثُمّ سَعةُ الكُرسيّ تَحتَمِلُ مَقامَ الحُكمِ والعِلمِ والسُّلطانِ مَعاً. ثُمّ النَّفيُ المُقابِل: «ولا يَؤودُه حِفظُهما». كانَ النَّفيُ الأَوَّلُ للغَفلةِ في أعلى السَّيرِ، وهذا للإرهاقِ في أَسفَلِه: لا تَسَلُّلَ من فَوق، ولا ثِقَلَ من تَحت. وتُختَمُ بقَوسٍ صاعِد: «وَهو العَليُّ العَظيم»، لا «اللَّطيفُ الرَّحيم»: مَقامُ تَعظيمٍ لا تَقريب. والآيةُ حِوارٌ صامتٌ مع كلِّ لاهوتٍ سَبَقَها: إلٰهٌ يَنام، يَتعَب، يَحتاجُ شَفيعاً، يَعجَزُ عن الإحاطة. تَنفيها بإثباتِ الضِّدّ.