الإسراء · الآية 7

﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا

«إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ»: الجَوابُ هو الشَّرطُ بِلَفظِه

عُدِلَ في الجَوابِ عن نَحوِ «إن أحسَنتُم أُثِبتُم» إلى «أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ»، فالفِعلُ الواحِدُ يُقالُ مَرَّتَين، مَرّةً شَرطاً ومَرّةً جَواباً، ولا يُستَحدَثُ لِلجَزاءِ لَفظٌ سِواه. ولا أجرَ يُذكَرُ ولا مُقابِلَ يُسَمّى، فالإحسانُ نَفسُه هو الجَزاء، وقد أُعيدَ تَوجيهُه فقَط.

والذي تَغَيَّرَ هو المُتَعَلَّق: «لِأَنفُسِكُمْ»، واللّامُ لِلمِلكِ والاختِصاص، فالإحسانُ الذي صَدَرَ مِنكُم قد وَقَعَ لَكُم، وأنتُم تَصنَعونَه فيَرجِعُ إلى العُنوانِ الذي خَرَجَ منه، ولَستُم تَصنَعونَ جَميلاً في الخارِجِ ثُمَّ تُكافَؤونَ عَلَيه من مَكانٍ آخَر. ومَن أحسَنَ فقد وَضَعَ في بَيتِه ما ظَنَّ أنَّه أخرَجَه منه.

«وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا»: لامٌ حَيثُ كانَ يُنتَظَرُ «عَلى»

وهُنا مَوضِعُ الوُقوفِ الطَّويل، فقد أُعيدَ الشَّرطُ ولم يُعَدِ الجَوابُ فِعلاً، وجاءَ «فَلَهَا»: حَرفٌ وضَميرٌ لا غَير. والحَرفُ هو اللّامُ نَفسُها التي في «لِأَنفُسِكُمْ»، وقد أوثِرَت على «فعَلَيها».

وقد بَيَّنَتِ السّورةُ قَبلَ آيَتَينِ ما تَفعَلُه «على»: «بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ»، «الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ»، فهي حَرفُ نُزولٍ يَقَعُ فَوقَ الرَّأسِ ويُثقِل. فلَمّا جاءَ مَوضِعُ السَّيِّئةِ عَدَلَتِ الآيةُ عن الحَرفِ الذي كانَت تَستَعمِلُه لِلوُقوع، واختارَتِ الحَرفَ الذي استَعمَلَتْهُ لِلمِلك، فالسَّيِّئةُ لا تَنزِلُ على صاحِبِها من فَوق، وهي لَه كما كانَتِ الحَسَنةُ لَه.

واللّامُ لا تُخَفِّفُ ولا تُحَسِّن، وعَمَلُها العَنوَنة، فهي تَدُلُّ على أنَّ ما عَمِلَه المَرءُ مِلكٌ كُتِبَ بِاسمِه، وليسَ حِملاً وُضِعَ عَلَيه من خارِج. والحِملُ يُمكِنُ أن يُوضَعَ عن صاحِبِه، وأمّا المِلكُ فيَتبَعُ صاحِبَه.

ثُمَّ الضَّمير، فقد جاءَ في الأوَّلِ «لِأَنفُسِكُمْ» جَمعاً، وجاءَ في الثّاني «لَهَا» مُفرَداً مُؤَنَّثاً، فتَتَفَرَّقُ الأنفُسُ في الإحسان، وتَرجِعُ نَفساً واحِدةً حينَ يُقالُ لَها ما لَها. وكذلك ذُكِرَتِ الحَسَنةُ بِفِعلٍ مَرَّتَين، وذُكِرَتِ السَّيِّئةُ بِفِعلٍ مَرّةً ثُمَّ سُلِّمَت، فالجُملةُ تَنكَمِشُ عِندَها انكِماشاً، ولا يُزادُ عَلَيها شَيء، فهي تُقَيَّدُ وتُمَرَّر.

«فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ»: الإطارُ يَتَكَرَّرُ والعَدَدُ يَتَقَدَّم

وهذا هو المَطلَعُ نَفسُه الذي في الآيةِ الخامِسة: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا»، وقد تَبَدَّلَتْ كَلِمةٌ واحِدةٌ فقَط، فصارَت «الْآخِرَةِ» مَكانَ «أُولَاهُمَا». والتَّثنِيةُ التي وُضِعَت في «مَرَّتَيْنِ» هي التي تُعطي هذه الكَلِمةَ مَعناها هُنا، أي الآخِرةُ من المَرَّتَين.

ومِمّا لم يُقَلْ هُنا أنَّ جُملةَ «بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ» لم تُعَدْ، فقد جاءَ الشَّرطُ ولم يُصَرَّحْ بِجَوابِه، وانتُقِلَ رَأساً إلى ثَلاثِ لاماتٍ تُبَيِّنُ الغاية: «لِيَسُوءُوا»، «وَلِيَدْخُلُوا»، «وَلِيُتَبِّرُوا». فالمَرّةُ الثّانِيةُ يُذكَرُ ما كانَت إلَيه، ولا يُذكَرُ لَها إرسالٌ ولا مُرسَل. وإذا كانَ الأوَّلونَ قد وُصِفوا بِوَصفَينِ بِلا اسم، فهؤُلاءِ لم يُوصَفوا أصلاً، والمَذكورُ فِعلُهُم وَحدَه. ومَن سَمّى مَن لم تَصِفْهُ الآيةُ فقد كَتَبَ في الفَراغِ الذي تَعَمَّدَتْ تَركَه.

«لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ»: الجِذرُ يَرجِعُ بِلَفظِه

وقد أُسيءَ في أوَّلِ الآية: «وَإِنْ أَسَأْتُمْ»، ويُساءُ في آخِرِها: «لِيَسُوءُوا»، والجِذرُ س-و-أ نَفسُه على الطَّرَفَين، مَرّةً فِعلاً مِنكُم ومَرّةً فِعلاً فيكُم، والقانونُ الذي نُطِقَ بِه في صَدرِ الآيةِ يُنَفَّذُ في عَجُزِها بِالحُروفِ نَفسِها. والآيةُ تُجري قاعِدَتَها ظاهِرةً لِقارِئِها، ولا تَشرَحُها.

وأصلُ السّوءِ في جِذرِه أثَرٌ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَنطَبِقُ عَلَيه ويَقطَعُ ما كانَ فيه من سَلامة، ولذلك وَقَعَ على «الوُجوه»، إذ الوَجهُ ما يُقابِلُ بِه الإنسانُ غَيرَه، وهو الظّاهِرُ منه، وما أخرَجَه المَرءُ من باطِنِه يُكتَبُ في المَوضِعِ الذي لا يُغَطّى.

«وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ»: مَوضِعُ الخَفضِ يُدخَلُ مَرَّتَين

و«الْمَسْجِدَ» مُعَرَّفٌ بِأل، غَيرُ مُسَمّىً بِاسم. والمَسجِدُ من س-ج-د، وهو مَوضِعُ الانحِدارِ الثّابِت، حَيثُ يُخفَضُ أعلى ما في الإنسانِ حتّى يَستَقِرَّ في أدنى مَوضِع. وقد جاءَ في الرّابِعةِ «وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا»، فيُقرَأُ المَوضِعانِ مَعاً: بَيتُ الخَفضِ يُدخَلُ في زَمَنِ الارتِفاع.

و«كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ» تُثبِتُ دُخولاً أوَّلَ لم تُصَوِّرْهُ الآيةُ الخامِسةُ ولا وَصَفَتْه، فقد ذُكِرَ هُناكَ جَوسٌ في الفُرَج، ويُذكَرُ هُنا أنَّ ثَمَّةَ دُخولاً أوَّل، فالآيةُ تُثبِتُ الواقِعةَ ولا تَبني لَها مَشهَداً. و«أَوَّلَ مَرَّةٍ» تَعودُ إلى «مَرَّتَيْنِ»، فالعَدُّ الذي فُتِحَ في الرّابِعةِ يُغلَقُ هُنا.

«وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا»: العُلُوُّ المَقضِيُّ هو العُلُوُّ المُفَتَّت

والتَّتبيرُ من ت-ب-ر، وهو تَفتيتٌ مُتَكَرِّرٌ حتّى يَصيرَ الشَّيءُ فُتاتاً لا يُجمَع، وقد جاءَ هُنا على وَزنِ فَعَّلَ فيَتَوَزَّعُ على المَحالِّ ويَتَكَرَّرُ فيها، ثُمَّ أُكِّدَ بِمَصدَرِه «تَتْبِيرًا».

و«مَا عَلَوْا» تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَكونَ «ما» مَوصولةً، فيَكونُ المُفَتَّتُ هو الذي عَلَوا عليه واستَولَوا، وأن تَكونَ «ما» مَصدَرِيّةً ظَرفِيّة، فيَكونُ المَعنى أنَّهُم يُفَتِّتونَ مُدَّةَ عُلُوِّهِم، والوَجهانِ قائِمانِ في اللَّفظِ ولا مُرَجِّحَ فيه. وكذلك ضَميرُ «عَلَوْا» يَحتَمِلُ الدّاخِلين، ويَحتَمِلُ المُخاطَبينَ الذينَ خوطِبوا بِـ«وَلَتَعْلُنَّ». وأيّاً ما كانَ، فالجِذرُ الذي قُضِيَ بِه في الرّابِعةِ هو الجِذرُ الذي يُفَتَّتُ في السّابِعة.


حَصيلة

في نِصفِ الآيةِ قانونٌ تامّ: الفِعلُ يُعادُ بِلَفظِه جَواباً لِنَفسِه، فالإحسانُ هو الأجر، ثُمَّ تَبقى اللّامُ على الطَّرَفِ الآخَرِ حَيثُ كانَ يُنتَظَرُ حَرفُ النُّزولِ الذي استَعمَلَتْهُ السّورةُ مَرَّتَينِ قَبلَ آيَتَين. وجاءَ «فَلَهَا» دونَ «فعَلَيها»، فما عَمِلَه المَرءُ لَه لا عَلَيه، مِلكاً لا حِملاً. ثُمَّ يُعادُ إطارُ الوَعدِ بِكَلِمةٍ واحِدةٍ مُبَدَّلة، ويُحذَفُ الإرسالُ فلا يُذكَرُ إلّا ما كانَ إلَيه: سَوءٌ في الوُجوهِ يَرُدُّ إلى القارِئِ جِذرَ «وَإِنْ أَسَأْتُمْ» من شَطرِ الآيةِ الأوَّل، ودُخولٌ ثانٍ لِمَوضِعِ الخَفض، وتَفتيتٌ لِما ارتَفَع. والآيةُ تُجري قانونَها في نَفسِها ولا تَشرَحُه، فما خَرَجَ مِنكُم عادَ إلَيكُم بِحُروفِه.