البقرة · الآية 19

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«صَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ» (ص و ب): نُزولٌ مُستَهدِف

وجذرُ (ص و ب) يَجمَعُ بينَ «الإصابة» و«الصَّواب»، فالصَّيِّبُ نُزولٌ يُصيبُ مَكانَه، زيادةً على أنَّه مَطَرٌ نازِل. و«مِنَ السَّماءِ» أي مِن فَوق، من مَصدَرٍ لا يَملِكُه السَّامِع. فالمَثَلُ يَنتَقِلُ إلى مَوقِفٍ تَنزِلُ فيه إشاراتٌ مُستَهدِفة، لا إشاراتٌ عامّة تَضيعُ في الهَواء: كُلُّ رَعدٍ يَعنيه، وكلُّ بَرقٍ يَكشِفُ طَريقَه. والمُنافقُ يَعرِفُ أنّ هذه الإشاراتِ له دونَ غَيرِه، ومِن هنا يَنشأُ الخَوف.

«فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ» (ظ ل م، ر ع د، ب ر ق): ثَلاثُ قَنواتٍ مَفتوحة

والظُّلُماتُ طَبَقاتُ سُوءِ الموقِع، وليست عَتمةً (ظ ل م = وَضعُ الشيءِ في غَيرِ مَوضِعِه). ثُمّ الرَّعدُ (ر ع د)، وهو ارتِجاجٌ في الباطِن يُسمَع، كأنَّ السَّماءَ تَتَكَلَّم بِقُوَّة، والبَرقُ (ب ر ق)، وهو وَميضٌ يَكشِفُ الطَّريقَ لَحَظاتٍ ثُمَّ يَختَفي. فَمَجموعُ الثَّلاث طَبَقاتٌ تُحاصِر، وصَوتٌ يُنذِر، وضَوءٌ يَهدي، وهذه كُلُّها قَنواتٌ مَفتوحةٌ على المُنافق، لَم تَنقَطِع عنه. ويَبقى السُّؤالُ: هل يَستَقبِلُها؟

«يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ»: الرَّدُّ بِقَطعِ القَناة

و«يَجعَلون» فِعلٌ مُضارِعٌ يَدُلُّ على تَكرار، فهم كُلَّما نَزَلَ صَيِّبٌ وارتَجَّ رَعدٌ سَدُّوا آذانَهم بأَصابِعِهم. وهذا فِعلٌ ذو دَلالةٍ مُضاعَفة: أوّلاً أنّ الإشارةَ وَصَلَت، إذ لو لم تَصِل ما احتاجوا إلى سَدِّ الأُذن، وثانياً أنّ اختِيارَهم هو قَطعُ القَناةِ قَبلَ أن تُلزِمَهم. والأصابِعُ هنا فِعلُ إرادةٍ لإغلاقِ قَناةِ الاستِقبال، وليست دِفاعاً عن أُذُنٍ مُصابة. ويَتَذَرَّعون بِـحَذَرَ الْمَوْتِ﴾، لأنّ قَبولَ الإشارةِ يَعني مَوتَ هُوِيّتِهم القائمةِ على التَّردُّد بينَ المُعَسكَرَين.

«وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ» (ح و ط): هَندسةٌ لا تَهديد

والإحاطةُ في مادّتِها (ح و ط) أن تَكونَ في مَركَزِ دائرةٍ لا تُغادِرُها من أيِّ جِهة، وهي في السِّياقِ تَوصيفُ مَوقِع، وليست تَهديداً: حَيثُما أدار المُنافقُ وَجهَه كانَت الإشارةُ أمامَه. فَسَدُّ الأُذنِ لا يُخرِجُه من الدائرة، لأنّ الدائرةَ ليست صَوتاً فَحَسب، فهي أيضاً ظُلُماتٌ تُحيطُ، وبَرقٌ يَكشِفُ، وصَيِّبٌ يَنزِل. فالإحاطةُ هُنا هَندسيّةٌ قَبلَ أن تَكونَ عِلميّة، فاللهُ يُحيطُ بهم بمَعنى أنّ جميعَ اتِّجاهاتِهم تُفضي إلى نَفسِ الإشارة. فالكلمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والمذكورُ هنا تَوصيفُ مَوقعٍ لا مَخرَجَ فيه إلاّ بفَتحِ القَناة، وليس تَهديدَ عِقاب.


حَصيلة

مَثَلٌ ثانٍ يُكمِلُ الأوَّل، فمَثَلُ النَّارِ كانَ خَلوةً (رجلٌ وليلٌ ونار)، وهذا عامٌّ كاسِح. والصَّيِّبُ (ص-و-ب) نُزولٌ يُصيبُ مَوضِعَه من مَصدَرٍ لا يَملِكُه المُتَلَقّي، لا مَطَرٌ عشوائيّ، فكلُّ رَعدٍ يَعنيه وكلُّ بَرقٍ يَكشِفُ طَريقَه. والثَّلاثةُ داخِلَ الصَّيِّبِ قَناواتٌ مَفتوحة: ظُلُماتٌ (طَبَقاتُ سوءِ المَوقِع ظ-ل-م)، ورَعدٌ (ارتِجاجٌ يُنذِرُ ويُسمَعوبَرقٌ (وَميضٌ يَكشِفُ الطَّريقَ لَحَظات). فإذا انفَتَحَت هذه القَناواتُ كُلُّها جَعَلوا أصابِعَهم في آذانِهم، والفِعلُ في المُضارِعِ الدَّالِّ على التَّكرار، فكُلَّما نَزَلَ صَيِّبٌ أغلَقوا. وهذا الفِعلُ اعترافٌ، إذ لو لَم تَصِلِ الإشارةُ ما احتاجوا إلى سَدِّ الأُذن. وذَريعَتُهم حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، والذي يَخافون مَوتَه هُوِيَّتُهم القائمةُ على التَّردُّدِ بَينَ المُعَسكَرَين، لا الجَسَد. وخاتِمةُ الآيةِ هَندَسيَّةٌ لا تَهديدَ فيها، فالإحاطةُ (ح-و-ط: أن تَكونَ في مَركَزِ دائرةٍ لا تُغادِرُها من أيِّ جِهة) تَصِفُ مَوقِعاً لا مَخرَجَ منه إلاَّ بِفَتحِ القَناةِ التي سَدُّوها.