النساء · الآية 108

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا

«يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ»: خَفاءٌ يُطلَبُ من جِهةٍ ويُترَكُ من أُخرى

تَبدَأُ الآيةُ بِفِعلٍ بِلا عاطِف، فتَصِلُ الوَصفَ بِما قَبلَه، والواوُ في «يَستَخفون» أقرَبُ ما تَعودُ إلَيه «الَّذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم» في الآيةِ السّابِعةِ بَعدَ المِئة. والاستِخفاءُ من خ-ف-ي، والجِذرُ شَيءٌ يَرِقُّ ويَتَباعَدُ عن الإدراكِ حتّى يَغيب، ومنه «خَفِيَ الشَّيءُ» استَتَرَ، و«الخَفاءُ» ما يَحجُبُ عن العَين، و«استَخفى» على الاستِفعالِ طَلَبُ الخَفاء، فهُم يَطلُبونَ أن يَغيبَ ما يَصنَعونَه عن أعيُنِ النّاس.

ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ نَفسُه مَنفِيّاً مُتَعَلِّقاً بِاسمِ الله: «ولا يَستَخفونَ مِنَ الله»، فالطَّلَبُ الذي بَذَلوه أمامَ النّاسِ تَرَكوه أمامَ الله. وتُتبِعُ الآيةُ ذلك بِما يَكشِفُ مَوقِعَ هذا التَّرك: «وهو مَعَهُم»، فالنّاسُ الذينَ استَخفَوا مِنهُم غائبونَ عن ساعةِ الفِعل، والذي لم يَستَخفوا مِنه حاضِرٌ فيها. وفي الكِتابِ قَومٌ يَطلُبونَ الخَفاءَ بِثَنيِ صُدورِهِم: أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾، ثُمَّ يَأتي عَقِبَ ذلك أنَّه يَعلَمُ ما يُسِرّونَ وما يُعلِنون، والآيةُ هُنا تَصِفُ قَوماً لم يَطلُبوا الخَفاءَ من اللهِ أصلاً، وقد جَعَلَت حُضورَه مَعَهُم حالاً قائمةً ساعةَ فِعلِهِم.

«وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ»: حُضورٌ في ساعةِ الإبرام

و«مَعَ» تَدُلُّ على المُصاحَبة، وقد أُضيفَت إلى ضَميرِهِم فصارَ الحُضورُ مَعَهُم في المَوضِعِ الذي طَلَبوا فيه الخَفاءَ من النّاس، ثُمَّ عُيِّنَ وَقتُه بِـ«إذ»: «إذ يُبَيِّتون». والتَّبييتُ من ب-ي-ت، والجِذرُ اتِّصالٌ يُحسَمُ بِقَطعٍ يُقيمُ صاحِبَه في مَوضِعِه، ومنه «البَيتُ» المَأوى الذي يَنقَطِعُ فيه صاحِبُه عمّا وَراءَه، و«بَيَّتَ الأمرَ» أبرَمَه لَيلاً وقَلَّبَه حتّى استَقَرّ. وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه في الحاديةِ والثَّمانين: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، فهُناكَ يُكتَبُ ما يُبرَمُ في اللَّيل، وهُنا يَكونُ اللهُ مَعَ المُبَيِّتينَ في ساعةِ الإبرامِ نَفسِها.

«مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ»: قَولٌ يُبرَمُ ولا يُقبَل

والمُبَيَّتُ «ما لا يَرضى مِنَ القَول»، و«مِن» تُبَيِّنُ جِنسَ «ما»، فالذي يُبرَمُ في اللَّيلِ قَولٌ، كَلامٌ يُهَيَّأُ لِيُقالَ بَعدُ. والقَولُ من ق-و-ل، والجِذرُ صَوتٌ يُطلَقُ من الفَمِ مَقطوعاً ويَبقى مُتَعَلِّقاً بِصاحِبِه، فالتَّبييتُ هُنا إبرامُ القَولِ قَبلَ أن يَخرُج. وفي الكِتابِ يَجتَمِعُ القَولُ المُسَرُّ والاستِخفاءُ بِاللَّيلِ في آيةٍ تُسَوّي بَينَهُما وبَينَ الجَهرِ والظُّهور: سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

والرِّضا من ر-ض-ي، والجِذرُ نَفسٌ تَجري إلى الشَّيءِ حتّى تَلقاه فتَنضَمَّ عَلَيه وتَسكُنَ عِندَه، ومنه «رَضِيَ بِه» قَبِلَه وسَكَنَ إلَيه. وفاعِلُ «يَرضى» هو الذي «مَعَهُم»، فالقَولُ يُبرَمُ في حَضرةِ مَن لا يَقبَلُه. ووَصفُ هذا القَولِ في الآيةِ أنَّه مِمّا لا يَرضاه، ومَضمونُه مَفتوحٌ في لَفظِها.

«وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا»: إحاطةٌ تَسَعُ القَولَ والعَمَل

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ بِما يَعمَلونَ مُحيطاً»، فيَنتَقِلُ اللَّفظُ من «القَول» إلى «ما يَعمَلون»، والقَولُ المُبَيَّتُ داخِلٌ فيما يَعمَلونَه. والإحاطةُ من ح-و-ط، والجِذرُ احتِواءٌ يَنبَسِطُ على الشَّيءِ من جَوانِبِه حتّى يَضُمَّه كُلَّه، ومنه «الحائطُ» الجِدارُ يَحوطُ ما وَراءَه، و«حاطَه» حَفِظَه وتَعَهَّدَه. فالخَفاءُ الذي طَلَبوه من النّاسِ واقِعٌ كُلُّه داخِلَ إحاطةٍ لا يَخرُجُ مِنها شَيء، و«كانَ» تُثبِتُ هذه الإحاطةَ صِفةً قائمة. وتَعودُ الكَلِمةُ في السّادِسةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ مُعَلَّقةً بِكُلِّ شَيء: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ الَّذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم بِطَلَبٍ يَتَّجِهُ إلى جِهةٍ دونَ أُخرى: يَستَخفونَ من النّاس، من خ-ف-ي، يَطلُبونَ أن يَغيبَ صَنيعُهُم عن أعيُنِهِم، ولا يَطلُبونَ ذلك من الله، وهو مَعَهُم في السّاعةِ التي يُبَيِّتونَ فيها، من ب-ي-ت، أمراً يُبرَمُ لَيلاً، والفِعلُ نَفسُه في الحاديةِ والثَّمانينَ ما يَكتُبُه الله. والمُبرَمُ قَولٌ، من ق-و-ل، كَلامٌ يُهَيَّأُ قَبلَ أن يُطلَقَ من الفَم، وهو مِمّا لا يَرضاه، من ر-ض-ي، مَن يَحضُرُ إبرامَه. ثُمَّ تَضَعُ الآيةُ ذلك كُلَّه، قَولاً وعَمَلاً، داخِلَ إحاطةٍ من ح-و-ط لا يَخرُجُ مِنها شَيء. فالمُقابَلةُ في الآيةِ بَينَ أعيُنٍ غائبةٍ يُستَخفى مِنها، وحُضورٍ دائمٍ لا يُستَخفى مِنه.