النساء · الآية 126

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا

«وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»: مِلكٌ يَسَعُ ما عَلا وما سَفُل

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«ولِله»، وتَقديمُ «لِله» على ما يُخبَرُ عَنه يَجعَلُ ما في السَّماواتِ والأرضِ مَخصوصاً بِه لا يَشرَكُه فيه غَيرُه. واللّامُ لِلمِلكِ والاختِصاص، و«ما» اسمٌ مُبهَمٌ يَعُمُّ كُلَّ ما يَكونُ في المَوضِعَين، وقد أُعيدَت «ما» مَعَ الأرض، فصارَ لِكُلٍّ مِنهُما ذِكرُه التّامّ.

والسَّماواتُ جَمعُ سَماء، من س-م-و، والجِذرُ يَدورُ على العُلُوّ، ويُقالُ لِكُلِّ ما عَلا الشَّيءَ فأظَلَّه سَماؤه. والأرضُ من أ-ر-ض، ويُقالُ لِكُلِّ ما سَفُلَ فقابَلَ السَّماءَ أرض، ومنه قَولُهُم لِأعلى الفَرَسِ سَماؤه ولِقَوائمِه أرضُه. فالآيةُ تَذكُرُ ما عَلا وما سَفُل، وتَجعَلُ ما في كُلٍّ مِنهُما لِله.

وتَأتي الجُملةُ بَعدَ «واتَّخَذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً» بِلا فاصِل، وإبراهيمُ مِمّا في الأرض، فهو داخِلٌ في «ما» التي هي لِله، والقُربُ الذي ذَكَرَتهُ الآيةُ قَبلَها قائمٌ في مِلكٍ واحِدٍ يَشمَلُ الخَليلَ وغَيرَه. وتَرجِعُ الجُملةُ إلى الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ أيضاً: كُلُّ وَليٍّ أو نَصيرٍ يُطلَبُ من دونِ اللهِ هو مِمّا في السَّماواتِ أو في الأرض، فهو لِله قَبلَ أن يُطلَبَ مِنه شَيء.

ويَعودُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بِلَفظِه ثَلاثَ مَرّات: مَرَّتَينِ في الآيةِ الحادِيةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، ومَرّةً في الثّانِيةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، وتُختَمُ الأُولى مِنهُما بِـوَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، والثّانِيةُ بِـوَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، وتُختَمُ هذه الآيةُ بِالإحاطة.

«وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا»: إحاطةٌ تَدورُ بِكُلِّ شَيء

ثُمَّ «وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُحيطاً»، و«كانَ» تَجعَلُ الإحاطةَ وَصفاً ثابِتاً لِلهِ يَمتَدُّ في الأزمِنةِ كُلِّها، و«بِكُلِّ شَيءٍ» مُقَدَّمٌ على «مُحيطاً»، فيُذكَرُ ما تَقَعُ عَلَيه الإحاطةُ قَبلَ ذِكرِها، و«كُلّ» مُضافةً إلى «شَيءٍ» النَّكِرةِ تَستَغرِقُ كُلَّ ما يُسَمّى شَيئاً، دَقَّ أو جَلّ.

والمُحيطُ من ح-و-ط، والجِذرُ احتِواءٌ يَنبَسِطُ على الشَّيءِ من جِهاتِه حتّى يَدورَ بِه، ومنه «الحائط» الجِدارُ يَدورُ بِما فيه فيَحفَظُه، و«حاطَه» حَفِظَه وتَعَهَّدَه، و«أحاطَ بِه» أحدَقَ بِه من جَوانِبِه فلم يُفلِتْ مِنه شَيء. فالإحاطةُ تَجمَعُ الدَّورانَ بِالشَّيءِ والحِفظَ لَه، و«مُحيط» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُها صِفةً لازِمة.

وقد جاءَ «وكانَ اللهُ ... مُحيطاً» في السّورةِ مَرّةً قَبلَها، في الآيةِ الثّامِنةِ بَعدَ المِئة: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾، ولم يَأتِ «مُحيطاً» مَنصوباً في الكِتابِ إلّا في هذَينِ المَوضِعَين. فالإحاطةُ هُناكَ واقِعةٌ على ما يَعمَلُه قَومٌ يَستَخفونَ من النّاس، وهي هُنا واقِعةٌ على كُلِّ شَيء، فيَدخُلُ فيها ما في السَّماواتِ والأرض، ويَدخُلُ فيها عَمَلُ كُلِّ عامِلٍ ذَكَرَتهُ الآيَتانِ الثّالِثةُ والعِشرونَ والرّابِعةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئة، سوءاً كانَ أو من الصّالِحات، إلى أثَرِ النَّقرة.


حَصيلة

تَجعَلُ الآيةُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ لِله، ويَخُصُّه بِه تَقديمُ «لِله»، والسَّماواتُ من س-م-و ما عَلا، والأرضُ من أ-ر-ض ما سَفُلَ وقابَلَه، فالمِلكُ يَسَعُ العاليَ والسّافِل. وتَأتي بَعدَ ذِكرِ الخَليلِ فتَجعَلُه فيما هو لِله، وتَرجِعُ إلى نَفيِ الوَليِّ والنَّصيرِ من دونِ الله، فكُلُّ ما يُطلَبُ من دونِه مِلكٌ لَه. ثُمَّ تُختَمُ بِالإحاطة، من ح-و-ط، احتِواءٌ يَدورُ بِالشَّيءِ من جِهاتِه ويَحفَظُه، ثابِتٌ بِـ«كانَ» واقِعٌ على كُلِّ شَيء، وقد وَقَعَ في الآيةِ الثّامِنةِ بَعدَ المِئةِ على ما يَعمَلُه قَوم، ويَسَعُ هُنا الأشياءَ كُلَّها وأعمالَ العامِلينَ التي قُسِمَت في الآيَتَينِ الثّالِثةِ والعِشرينَ والرّابِعةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ إلى سوءٍ يُجزى بِه وصالِحاتٍ لا يُنقَصُ أهلُها نَقيراً.