آل عمران · الآية 120

﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

«إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ»: المَسُّ الحَسَنُ يَكشِفُ سُوءَهم

تَفتَحُ «إن» شَرطاً، ويأتي «تمسسكم» مؤنّثاً لأنَّ فاعِلَه المؤخَّرَ «حسنة». والمَسُّ من م-س-س ضَمٌّ يَجري في مَجرىً دقيقٍ ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ السينِ وُصولَ اللَّمس، والحسنةُ نَكِرةٌ فتَشمَلُ كلَّ ما يَحمِلُ حُسناً ويَبلُغُ المخاطَبين. وجوابُ الشَّرط «تسؤهم» يَردُّ أثرَها إلى أصحابِ الصِّفاتِ السابقة، فما يَحسُنُ لكم يَسوؤهم. والتَّنكيرُ يَترُكُ الحسنةَ على سَعَتِها، لأنَّ المُقابَلةَ قائمةٌ على اتِّجاهِ الأثرِ لا على جِنسِه: كلُّ ما مَسَّ المخاطَبينَ بحُسنٍ ارتَدَّ على أولئك سُوءاً.

«وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا»: الإصابةُ السَّيِّئةُ تُظهِرُ الفَرَحَ المُقابِل

وتُعيدُ الواوُ «إن» فتَبني شَرطاً مُوازياً: إصابةُ سيّئةٍ نَكِرة. والإصابةُ تَحمِلُ بُلوغَ الشيءِ مَحلَّه، والضميرُ يَحفَظُ المخاطَبينَ مَحلَّها، وأمّا الجَوابُ فمضارعٌ جَمعيّ: يَفرحوا بها. والفَرَحُ من ف-ر-ح شَقٌّ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَنفُذُ خارِجاً، فيَظهَرُ انبِساطُ الداخل، والباءُ تَصِلُ الفَرَحَ بالسَّيئةِ نفسها. وهكذا تَنعَكِسُ المِرآة: حَسنتُكم تسوؤهم، وسيئتُكم تُفرِحهم، والضمائرُ كلُّها تَعودُ إلى الفاعِلينَ الذين وَصَفَهم السِّياقُ قبلَ هذه الآية.

«وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا»: شَرطٌ ثالثٌ يَنقُلُ المخاطَبينَ إلى فِعلِهم

وبعدَ وصفِ استِجابتَينِ عندَ الآخرين، تَفتحُ الواوُ شَرطاً يَجعَلُ المخاطَبينَ فاعِلين: تصبروا وتتقوا. والصَّبرُ من ص-ب-ر إمساكٌ صُلبٌ يَحتَبِسُ تحتَ ضَغطٍ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً، فيَحفَظُ صاحِبَه داخِلَ الامتِدادِ من غير انفِلات. والوِقايةُ من و-ق-ي وَصلٌ يُحكِمُ عَقدَه في العُمقِ ثمّ يَلينُ مُمتَدّاً حَولَ صاحِبِه، وقد جاءَت مَعطوفةً على الصَّبرِ لا بَديلاً عنه، فالثَّباتُ يَحفَظُ المَوقِفَ والصَّونُ يَحفَظُ صاحِبَه، واقترانُ الفِعلَينِ يَجمعُ الثَّباتَ والصَّونَ في جوابٍ عمليّ.

«لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا»: الجَوابُ يَنفي أيَّ بُلوغٍ للكَيد

ويأتي جَوابُ الشَّرطِ نَفياً: لا يَضرّكم كيدُهم شيئاً، ويُقَدَّمُ ضميرُ المخاطَبينَ مفعولاً، ثمّ يَظهَرُ الكَيدُ فاعِلاً مضافاً إلى أصحابه. والكَيدُ من ك-ي-د كَتمٌ يُمسِكُ ما فيه ويَطولُ ثمّ يَدفَعُه نافذاً نحوَ غاية، فيَحمِلُ تدبيراً مَستوراً. غيرَ أنّ «شيئاً» نَكِرةٌ في سياقِ النَّفيِ تَستَغرِقُ أقلَّ مِقدارٍ من الضَّرَر. ووُجودُ الكَيدِ باقٍ في العبارة، والذي يَزولُ عندَ تحقُّقِ الصَّبرِ والوِقايةِ بُلوغُه.

«إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ»: الإحاطةُ تَختِمُ العَمَلَ داخِلَ العِلم والقُدرة

و«إنّ» تُؤكِّدُ الجُملةَ وتُقَدِّمُ اسمَ الله، ثمّ يُقَدَّمُ «بما يعملون» على «محيط». و«ما» تَشمَلُ أعمالَهم كلَّها بلَفظٍ واحِد، والمضارعُ «يعملون» يَحمِلُ استِمرارَها، فتَقَعُ الإحاطةُ على فِعلٍ جارٍ، لا على حَصيلةٍ انتَهَت. والإحاطةُ من ح-و-ط احتِواءٌ يَنبَسِطُ ثَقيلاً على جَوانِبِ الشَّيءِ كُلِّها حتّى يَستَوعِبَه، و«محيط» يَعرِضُ الإحاطةَ قائمةً في صاحِبِها، غيرَ حَدَثٍ يَقَعُ ثمّ يَنقَطِع، فيُقابِلُ السِّرَّ المَستورَ في الكَيدِ عِلمٌ لا يَخرُجُ عنه شيء. فما يَخفى في الكَيدِ لا يَخرُجُ عن الله، وما يَثبُتُ بالصَّبرِ والوِقايةِ لا يَترُكُه بلا حِفظ.


حَصيلة

يَكشِفُ الشَّرطانِ الأولانِ اتِّجاهَ أصحابِ الكَيد: الحسنةُ التي تَمسُّ المخاطَبينَ تسوؤهم، والسيئةُ التي تُصيبُهم تُفرِحهم. ثمّ تَفتحُ الآيةُ للمخاطَبينَ شَرطاً ثالثاً من صَبرٍ ووِقاية، ولا تَحبِسُهم في مراقبةِ الآخرين، وتَربِطُه بنَفيِ أيِّ ضَرَرٍ من الكَيد. وتُحيطُ الجُملةُ الأخيرةُ كلَّ أعمالِهم بالله إحاطةً مستمرّة. فالحِمايةُ مَسؤوليّةٌ فاعِلة، والكَيدُ مَعلومٌ، غيرُ مُطلَقِ القُدرة.