الطارق · الآية 16

﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَكِيدُ كَيْدًا

صيغَةُ المُقابَلَةِ في النَّحو

تَستَعمِلُ الآيَتانِ 15 و16 التَّركيبَ النَّحوِيَّ نَفسَه، وهو فِعلٌ + مَفعولٌ مُطلَق: «يَكيدون كَيداً» و«أكيدُ كَيداً»، والمُقابَلةُ في الصّيغةِ مَقصودة. وهذا النَّمَطُ كَثيرٌ في القُرآن، يُعَبِّرُ بِه عن الفِعلِ الإلهِيِّ بِصيغةٍ تُحاكي صيغةَ الفِعلِ البَشَرِيِّ في شَكلِها.

والإصغاءُ إلى المُقابَلةِ يَكشِفُ ما يَفعَلُه القُرآن، فهو يَتَكَلَّمُ عن الكَيدِ الإلهِيِّ بِالفِعلِ نَفسِه، ولم يَعدِلْ إلى فِعلٍ مُختَلِفٍ تَماماً. والفِعلُ يَدخُلُ الفاعِلَين، والفاعِلانِ مُختَلِفان، والفِعلُ يَتَلَوَّنُ بِفاعِلِه: فكَيدُ الكائِدينَ في خَفاءٍ مَحدود، وكَيدُ المُتَكَلِّمِ في خَفاءٍ يَستَوعِبُ كَيدَهُم.

الفِعلُ الواحِدُ والفاعِلانِ المُختَلِفان

ولا يَتَحَرَّجُ القُرآنُ من نِسبةِ فِعلٍ إلى المُتَكَلِّمِ يَستَعمِلُه البَشَرُ في صيغَتِه، ومِنه في مَوضِعٍ آخَر وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، فالفِعلُ نَفسُه، والفاعِلانِ في كِفَّتَينِ مُختَلِفَتَين. والفاعِلُ هو الذي يُلَوِّنُ الفِعلَ بِقُدرَتِه، والفِعلُ لا يُحَدِّدُ مَنزِلةَ الفاعِل.

والآيةُ هُنا تَحفَظُ هذه القاعِدةَ النَّحوِيّة: فما يَفعَلُه الكائِدونَ كَيداً مَحدوداً يَستَنفِدُ قُدرَتَهُم، وما يَفعَلُه المُتَكَلِّمُ كَيداً يَأتي من سَعةٍ لا تَنفَد. والفِعلُ في الفَمِ نَفسُه، وهو في الفِعلِ نَفسِه يَختَلِفُ في الأثَر.

الواوُ التي تَعطِفُ مَعَ الإبقاءِ على المُقابَلَة

والواوُ في «وأكيدُ» عاطِفة، تَربِطُ الآيةَ بِالآيةِ السّابِقة، فيَتَألَّفُ المَعنى من حَرَكَتَينِ مُتَعاقِبَتَين: هُم يَكيدون، وأنا أكيد. وبِالواوِ يَتَجاوَرُ الفِعلانِ في النَّظم، فيَتَأكَّدُ التَّوازي.

والآيةُ التّالِيةُ تَأتي بِنَتيجةٍ تَلزَمُ من هذا التَّوازي: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، ومَن يَعرِفُ أنَّ الكَيدَ المُدَبَّرَ لَه مَحدودٌ ومُقابَلٌ بِكَيدٍ يَستَوعِبُه يَستَطيعُ أن يُعطِيَ الكائِدينَ مُهلة، والمُهلةُ في الآيةِ الأخيرةِ تَنبَني على هذه المُقابَلة.


حَصيلة

تُقابِلُ هذه الآيةُ الآيةَ السابقةَ بصيغةٍ متطابقةٍ في النحو، مختلفةٍ في الفاعل: وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، فقد صارَ «يكيدون كَيداً» «أكيدُ كَيداً»، والفعلُ نفسُه، والمفعولُ المطلقُ نفسُه، غيرَ أنّ الضميرَ تحوَّلَ من جمعِ الغائبِ إلى المتكلِّمِ المفرد. وهذا النمطُ في القرآنِ مقصود، يُعبَّرُ به عن الفعلِ الإلهيِّ بصيغةٍ تُحاكي صيغةَ الفعلِ البشريِّ في شكلِها. والفعلُ يدخلُ الفاعِلَين، وهما يختلفان في القدرة اختلافاً جوهريّاً: فكيدُ الكائدين في خفاءٍ تحدُّه قدرتُهم، وكيدُ المتكلِّمِ يأتي من سَعةٍ تستوعبُ كيدَهم ولا تُقارَن. والواوُ تجعلُ الفعلَين متجاورَين في النظمِ فيتأكَّدُ التوازي، وتبني الآيةُ التاليةُ على هذه المقابلةِ مُهلةً تَلزَمُ عنها.