الطارق · الآية 17
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
الفاءُ التي تُولِدُ المُهلَةَ من المُقابَلَة
الفاءُ في «فمَهِّل» تُلَخِّصُ الآيتَين السّابِقَتَين. هم يَكيدون كَيداً، وأنا أَكيدُ كَيداً. فَنَتيجَةً لِذلك، أمهِلهم. المُهلَةُ ليسَت ضَعفاً ولا تَجاهُلاً، بَل هي ما يَلزَمُ مِن قَناعَةٍ بِأنَّ الكَيدَ الإلهيَّ يَستَوعِبُهم.
والمُخاطَبُ في الفِعلِ «مَهِّل» مُفرَدٌ. الكافُ في «مَهِّل» مَطوِيَّةٌ، لكنَّ صيغَةَ الأمرِ تُحَدِّدُ مُخاطَباً مُفرَداً. هو الذي يَستَلِمُ القَولَ ويَستَلِمُ كَيدَهم بِنَفس الوَقت. والآيةُ تُخاطِبُه بِمُهلَةٍ يُعطيها مَن لا يَعجَل، لأنَّه يَعرفُ ما خَلفَ المُهلَةِ من قُدرَة.
«مَهِّل» و«أَمهِل»: صيغَتانِ من جِذرٍ واحِد
الجِذرُ م-ه-ل في العربيّةِ يَجمَعُ مَعنى التَّأَنّي والتَّمهيل. «مَهَّلَه» إعطاءُ مُهلَةٍ مَع إذنٍ بِالاستِمرارِ في الحالَة. والصيغَتانِ في الآيةِ تَكرارٌ بِفِعلَين مُختَلِفَين من نَفسِ الجِذر: «مَهِّل» على وَزنِ فَعِّل، و«أَمهِل» على وَزنِ أَفعِل. الأُولى تَدُلُّ على إنشاءِ المُهلَةِ بِفِعلٍ مَخصوص، والثانيَةُ تَدُلُّ على إيصالِ المُهلَةِ إلى المَفعول.
وفي تَكرارِ الجِذرِ مَرَّتَين تَوكيدٌ. القُرآنُ كَثيراً ما يُكَرِّرُ الفِعلَ بِصيغَتَين مُختَلِفَتَين لِيَزيدَه شِدَّة. «مَهِّل ... أَمهِل»: المُهلَةُ مَعقودَةٌ بِعُقدَتَين. المُخاطَبُ مَأمورٌ مَرَّتَين بِأَن يُمهِلَهم. والجِذرُ نَفسُه يُكَرَّرُ، فلا يَفلِتُ المَعنى.
«رُوَيداً»: تَصغيرُ المُهلَةِ يُغلِقُ السورَة
«رُوَيد» تَصغيرُ «رُود». والرُّودُ في العربيّةِ المَشيُ الهَيِّنُ، أو الذَّهابُ في تَأَنٍّ. ومنه «راد» إذا تَرَدَّدَ بِخُطُواتٍ هادِئَة، و«المِروَد» المَيلُ يُتَرَدَّدُ به في العَين. والتَّصغيرُ بِالواوِ والياءِ في «رُوَيد» يَجعَلُ المُهلَةَ صَغيرَةً قَريبَة، لا مُهلَةً مَفتوحَة.
والاختِتامُ بِـ«رُوَيداً» مَقصود. المُهلَةُ التي يَنبَني علَيها الأَمرُ ليسَت طَويلَة. هي مُهلَةٌ صَغيرَةٌ مَعقودَةٌ بِالتَّصغير. كأنَّ الآيةَ تَقول: لا تَعجَل، لكن لا تَعتَبِر المُهلَةَ مَفتوحَةَ النِّهاية. السورَةُ تَختَتِمُ بِكَلِمَةٍ تَجمَعُ الرِّفقَ والحَزم. المُهلَةُ مَعطاة، لكنَّها قَريبَةُ النِّهاية.
وهكذا تَختَتِمُ السورَة. فَتَحَتها بِسَماءٍ وطارِق، وتَنتَهي بِمُهلَةٍ في يَدِ مَن يَملِكُ ما خَلفَها من قُدرَة. النِّهايَةُ تُسَلِّمُ القارئَ ما تَسَلَّمَ به: نَقرَةٌ صَغيرَةٌ في وَقتٍ يَختارُه الذي يَعرف. الذي طَرَقَ في الأَوَّلِ، يُمهِلُ في الآخِر.
حَصيلة
تختتمُ السورةُ بأمرٍ يتفرَّعُ عن المقابلةِ بين الكيدَين: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. الفاءُ سببيّة: لمّا كانَ كيدُهم محاطاً بكيدٍ يستوعِبُه، فلا حاجةَ بالمُخاطَبِ إلى عجَلة. والجذرُ -م-ه-ل- يُذكَرُ مرَّتَين بصيغتَين: «مَهِّل» على وزنِ فَعِّل يُنشئُ المُهلة، و«أمهِل» على وزنِ أفعِل يُوصِلُها إلى المفعول. الجذرُ نفسُه مُكرَّرٌ بعقدتَين. ثمّ يُختَتَمُ بـ«رُوَيداً» وهو تصغيرُ «رُود» المشيِ الهيِّنِ المُتأنِّي: المُهلةُ مُعطاةٌ لكنّها قريبةُ النهاية لا مفتوحةُ الأمد. «الكافرين» من -ك-ف-ر- الذين غطَّوا ما كانَ ظاهراً فيهم. فتحَت السورةُ بنجمٍ يطرقُ ليلاً وتختتمُ بمُهلةٍ صغيرة: النقرةُ في الأوّلِ تفتحُ السمع، والمُهلةُ في الآخرِ تُغلقُ القولَ على رِفقٍ معقود. الذي طرقَ في البدايةِ يُمهِلُ في النهاية.