الطارق · الآية 15

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا

ضَميرُ «هم» الذي لَم يُسَمَّ

الضَّميرُ في «إنَّهُم» يَعودُ إلى مَن لم تُسَمِّهِمُ السّورة، وهُمُ الذينَ يُقابِلونَ ما تَقَرَّرَ في الآيَتَينِ 13 و14، أي القَولَ الفَصلَ الذي ليسَ بِالهَزل. والذي لم يَأخُذِ القَولَ على قَدرِه يَتَحَوَّلُ إلى مَن يَكيدُ ضِدَّه، ولا يَترُكُ القَولَ الفَصلَ يَأخُذُ مَكانَه دونَ مُقاوَمة.

ووَصَفَتِ الآيةُ حالَهُم بِالفِعلِ المُضارِع «يَكيدون»، والفِعلُ مُتَجَدِّد، أي حَرَكةٌ مُستَمِرّة، فما يَفعَلونَه سُلوكٌ يَتَكَرَّرُ في كُلِّ وَقت، غَيرُ حَدَثٍ عَرَضِيٍّ يَنتَهي، والكَيدُ سِمةُ مَوقِفِهِم، لا فِعلُ لَحظة.

«يَكيدون كَيداً»: الفِعلُ والمَفعولُ المُطلَق

ويَجتَمِعُ في الآيةِ الفِعلُ والمَفعولُ المُطلَق: «يَكيدون كَيداً»، أي يَكيدونَ كَيداً مَخصوصاً. والمَفعولُ المُطلَقُ في العَرَبِيّةِ يَأتي على وُجوه: لِبَيانِ النَّوع، أو لِلعَدَد، أو لِلتَّأكيد، وهو هُنا لِلتَّأكيد، فيُقَوّي الفِعلَ ويَجعَلُه ثَقيلاً.

وفي تَكرارِ «كَيد» مَرَّتَينِ صورةُ ما يَفعَلونَه: فالكَيدُ يَكيدُه الكائِدون، أي يَنشُرونَه ويُقَلِّبونَه ويُحكِمونَه، والفِعلُ يُحدِثُه فاعِلُه، فيُطابِقُ المَفعولُ المُطلَقُ بَينَ الفاعِلِ والفِعلِ والصّورةِ المُنتَجة، وذلك هَيكَلٌ لُغَوِيٌّ يَجعَلُ الكَيدَ مُحاطاً بِنَفسِه.

«كَيد» في الجِذر: تَدبيرٌ يَستُر

والجِذرُ ك-ي-د يَجمَعُ التَّدبيرَ والإخفاء، فمَن يَكيدُ يُهَيِّئُ في الخَفاءِ ما لا يُريدُ أن يُكشَفَ من خِطّةٍ أو نِيّة، ثُمَّ يُنزِلُه في الوَقتِ الذي يَتَخَيَّرُه. والكَيدُ تَدبيرٌ يَتَلَبَّسُ بِالسِّتر، وهو غَيرُ الهُجومِ الظّاهِر.

وتَترُكُ الآيةُ مَوضوعَ الكَيدِ مَطوِيّاً، فلا تَذكُرُ ضِدَّ ماذا يَكيدون، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيه: فالآيَتانِ 13 و14 ذَكَرَتا القَولَ الفَصلَ الذي ليسَ بِالهَزل، والآيةُ 15 تَأتي بَعدَهُما مُباشَرة، فمَن يَكيدُ يَكيدُ ضِدَّ هذا القَول. وتَأتي الآيةُ التّالِيةُ بِما يُقابِلُ كَيدَهُم في صورَتِه: وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، فيُقابَلُ الكَيدُ بِكَيدٍ في صيغَتِه نَفسِها، غَيرَ أنَّ صاحِبَ الكَيدِ الثّاني يَختَلِفُ في القُدرة.


حَصيلة

تنتقلُ السورةُ بعدَ جوابِ القَسَمِ إلى الذين يُقابلونَ القولَ الفَصلَ بفعلٍ مضادّ: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. وضميرُ الجمعِ «هم» يعودُ إلى من لم يُسَمَّ في السورة، ويُحدَّدُ بالسياق: مَن لم يأخذِ القولَ على قَدرِه. و«الكيد» من -ك-ي-د-، وهو تدبيرٌ خفيٌّ يُهيَّأُ في الخفاءِ ثمّ يُنفَّذُ في الوقتِ الذي يُختار، فهو تخطيطٌ يتلبَّسُ بالستر، وليس هجوماً ظاهراً. والمفعولُ المطلقُ «كَيداً» يُضاعفُ الفعلَ ويُثقِّلُه، فالكيدُ يُكادُ، أي يُنشَرُ ويُقلَّبُ ويُحكَم. والمضارعُ «يكيدون» يجعلُ الحرَكةَ مستمرّةً غيرَ عارضة، فهو سلوكٌ يتكرَّرُ، لا حادثةٌ تنتهي. والآيةُ التاليةُ تأتي بالمقابِل في الصيغةِ نفسِها.