البَقاء

baqa جذر · ب-ق-ي 7 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**ما احتُبِسَ فانعَقَدَ ثُمَّ امتَدَّ ولَم يَعتَرِضْه ما يوقِفُه**. لَيسَ البَقاءُ في هذا الجَذرِ دَواماً مُطلَقاً ولا وُجوداً مُستَمِرّاً، بَل **فَضلةً تَخَلَّفَت بَعدَ ذَهابِ سِواها فامتَدَّت**. ولِذلك جاءَ الاسمُ منه **بَقِيّةً**، وهي في كَلامِ العَرَبِ ما فَضَلَ من الشَّيءِ لا الشَّيءُ كُلُّه. والمُسَجَّلُ يَشهَدُ لِهذا: في المَوضِعَينِ الاسمِيَّينِ كِلَيهِما «مِن» تَبعيضِيّةٌ تُسَمّي الأصلَ الذي فَضَلَت عنه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • ب :: احتِباسٌ والتِصاقٌ تَحتَ ضَغط. فالمَبدَأُ **إمساكٌ يَمنَعُ

الانفِلات**.

  • ق :: قَبضٌ عَميقٌ في أقصى الحَنَكِ يَنعَقِدُ ثُمَّ يَنفَصِل.

فالوَسَطُ عُقدةٌ تُميِّزُ المُمسَكَ عمّا حَولَه، أي تَجعَلُه قَدراً مَحدوداً لا مَجموعاً.

  • ي :: امتِدادٌ لَيِّنٌ لا يَعتَرِضُه شَيء. فالمُنتَهى **امتِدادٌ

بِلا حاجِز**.

فالتَّركيبُ: إمساكٌ، فعَقدٌ يَقتَطِعُ قَدراً، فامتِدادٌ لَه بِلا حَدّ. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لِلبَقِيّةِ لا تُوجَدُ في الدَّوامِ المُجَرَّد: أنَّها مُمسَكةٌ لا سائِبة، وأنَّها قَدرٌ من أصل، وأنَّ امتِدادَها هو ما يُميِّزُها عن الأصلِ الذاهِب.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ القافَ تَقتَضي تَبعيضاً، والمُصحَفُ يُصَرِّحُ بِه في المَوضِعَينِ الاسمِيَّين: «بَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ» و«ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا». ولا يَخلو مَوضِعٌ من السَّبعةِ من تَبعيض: فإنَّ الخَمسةَ الباقِيةَ كُلَّها صيغةُ تَفضيلٍ، والتَّفضيلُ نَفسُه قِسمةٌ بَينَ اثنَين. فالجَذرُ لا يَعرِفُ بَقاءً بِلا شَيءٍ ذَهَب.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

سَبعةُ مَواضِعَ وثَلاثُ صِيَغ، اثنَتانِ لا تَتَكَرَّرانِ وواحِدةٌ تَحمِلُ الباقي كُلَّه:

  • الاسمُ «بَقِيَّةٌ» (فَعيلة) في ٢:٢٤٨: نَكِرةٌ مَرفوعةٌ مَعطوفةٌ،

مَوصوفةٌ بِـ«مِمّا تَرَكَ». مَوضِعٌ واحِد.

  • الفِعلُ الماضي «بَقِيَ» في ٢:٢٧٨: صِلةٌ لِـ«ما»، فالمَوصولُ هو

الباقي والفِعلُ وَصفٌ لَه. مَوضِعٌ واحِد.

  • أفعَلُ التَّفضيلِ «أَبْقَىٰ» في ٢٠:٧١ و٢٠:٧٣ و٢٠:١٢٧ و٢٠:١٣١

و٨٧:١٧: خَمسةُ مَواضِعَ من سَبعة. وفي الخَمسةِ جَميعاً مَعطوفٌ على أفعَلِ تَفضيلٍ قَبلَه، «خَيْرٌ» في ثَلاثةٍ و«أَشَدُّ» في اثنَين، فلا يَقومُ وَحدَه في المُسَجَّلِ مَرّةً واحِدة.

ولا يَرِدُ من الجَذرِ مُضارِعٌ ولا أمرٌ ولا اسمُ فاعِل. والصّيغُ الثَّلاثُ تَصعَدُ في التَّجريد: عَينٌ تُحمَلُ في تابوت، ثُمَّ مالٌ في يَدٍ يُؤمَرُ بِتَركِه، ثُمَّ وَصفٌ يُفاضَلُ بِه بَينَ اثنَين. وثِقَلُ المُسَجَّلِ على الثّالِثةِ وَحدَها، وهي الصّيغةُ الوَحيدةُ التي يُعيدُها المُصحَف.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • khulud (الخُلود، خ-ل-د): الخُلودُ ثَباتٌ لا يَنقَطِعُ ولا

يَقتَضي أصلاً ذَهَب، والبَقاءُ يَقتَضيه. ولِذلك يُقالُ «خالِدينَ فيها» عن دارٍ لم يَسبِقْها ذَهابُ شَيءٍ منها، ولا يُقالُ عنها «باقين». فالخُلودُ وَصفُ الاستِمرارِ، والبَقاءُ وَصفُ الفَضلة.

  • athar (الأثَر، أ-ث-ر): والجَذرانِ يَلتَقِيانِ في ٨٧:١٦-١٧

مُتَقابِلَين. athar يَقرَأُ فِعلَ الرَّفعِ والتَّفضيلِ («تُؤْثِرُونَ»)، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما يَنجو من ذلك الرَّفعِ. والمُقابَلةُ حادّة: ما رُفِعَ لا يَبقى، وما بَقِيَ لم يُرفَع.

  • tark وwadhr (التَّرك والوَذر): كِلاهُما اسمٌ لِفِعلِ

الفاعِل، والبَقاءُ اسمٌ لِحالِ المَتروك. ولِذلك اجتَمَعَ الجَذرانِ في المَوضِعَينِ الاسمِيَّينِ مَعاً: «بَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ» في ٢:٢٤٨، و«وَذَرُوا ما بَقِيَ» في ٢:٢٧٨. فالبَقِيّةُ لا تُعرَفُ إلّا بِفِعلِ تَركٍ سابِقٍ أو لاحِق.

المَواضع: مَواقعُ البَقاءِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٤٨ ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ عَيناً مَحمولةً في وِعاء، فتَظهَرُ الباءُ حِسِّيّةً: البَقِيّةُ في تابوتٍ تَحمِلُه المَلائِكة، أي مُمسَكةٌ مَحوطةٌ لا سائِبة. وتُقرَنُ بِالسَّكينةِ في وِعاءٍ واحِدٍ وتُفصَلُ عنها بِواو، فيَتَبَيَّنُ أنَّ إحداهُما تَنزِلُ من الرَّبِّ («مِن رَبِّكُم») والأُخرى تَفضُلُ من قَومٍ مَضَوا («مِمّا تَرَكَ»). فالوِعاءُ يَجمَعُ نازِلاً وباقِياً. وهي آيةُ مُلكٍ لِطالوت، فيَكونُ سَنَدُ المُلكِ الجَديدِ فَضلةَ القَديم. انظُر tabut وsakina وtark وmulk.
  • ٢:٢٧٨ ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: بَقِيّةٌ في اليَدِ يُؤمَرُ بِتَركِها. الجَديدُ: تَنقَلِبُ جِهةُ البَقِيّةِ رَأساً على عَقِب. في ٢:٢٤٨ بَقِيّةٌ تُحمَلُ إلَيكَ وهي آيةٌ تُطلَب، وهُنا بَقِيّةٌ في يَدِكَ تُؤمَرُ بِإخراجِها عَنكَ. فيَثبُتُ أنَّ الجَذرَ لا يَحمِلُ مَدحاً ولا ذَمّاً: البَقِيّةُ فَضلةٌ، وحُكمُها من أصلِها لا من بَقائِها. ويُصَرَّحُ بِالأصلِ هُنا كما صُرِّحَ هُناك: «مِنَ الرِّبا». انظُر riba وwadhr وtaqwa.
  • ٢٠:٧١ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾: الجَذرُ في فَمِ مُدَّعٍ. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من الخَبَرِ إلى الدَّعوى، ويُنسَبُ البَقاءُ إلى عَذابٍ يُتَوَعَّدُ بِه، فيَسقُطُ كُلُّ ظَنٍّ بِأنَّ في الجَذرِ مَدحاً لِذاتِه. والتَّبعيضُ هُنا مَنصوصٌ بِأصرَحِ ما يَكون: «أَيُّنَا» تُسَمّي المَقسومَ بَينَهُما اثنَينِ بِأعيانِهِما، فالتَّفضيلُ قِسمةٌ لا وَصفٌ مُطلَق. ويُعطَفُ «أَبْقَىٰ» على «أَشَدُّ» فلا يَقومُ وَحدَه، كما في المَواضِعِ الأربَعةِ الباقِية. انظُر 3adhab.
  • ٢٠:٧٣ ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾: الجَوابُ بِالصّيغةِ نَفسِها. الجَديدُ: يُرَدُّ ما قيلَ في ٢٠:٧١ بِأفعَلِ التَّفضيلِ عَينِه على مَسافةِ آيَتَين، فتَقَعُ الصّيغةُ الواحِدةُ في كِفَّتَي مِيزانٍ واحِد: مَرّةً في فَمِ المُتَوَعِّدِ ومَرّةً في فَمِ المُتَوَعَّد. والقِسمةُ لم تَتَبَدَّل، تَبَدَّلَ مَن نُسِبَ إليه الرّاجِحُ فيها. انظُر akhira.
  • ٢٠:١٢٧ ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾: يُحسَمُ ما تُنوزِعَ فيه. الجَديدُ: يَعودُ الزَّوجُ الذي ادَّعاه المُتَوَعِّدُ في ٢٠:٧١ («أَشَدُّ… وَأَبْقَىٰ») بِلَفظِه، لكِنَّه يُنسَبُ إلى عَذابِ الآخِرة، فيُنزَعُ من المُدَّعي ويُوضَعُ في مَوضِعِه. وهذا ثاني مَوضِعٍ يُقرَنُ فيه هذا الجَذرُ بِالعَذاب، فيَثبُتُ أنَّه يَصِفُ امتِدادَ الشَّيءِ لا جَودَتَه، ولِذلك احتاجَ إلى «خَيْرٌ» مَعطوفاً عَلَيه حَيثُ أُريدَتِ الجَودة. انظُر 3adhab وakhira.
  • ٢٠:١٣١ ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾: القِسمةُ بَينَ رِزقَين. الجَديدُ: يُساقُ التَّفضيلُ عِلّةً لِنَهيٍ عَمَليٍّ سابِقٍ عَلَيه («وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»)، لا خَبَراً مُجَرَّداً كما في المَواضِعِ قَبلَه. والمَقسومُ مُسَمّىً في الشَّطرَين: «زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» في كِفّةٍ و«رِزْقُ رَبِّكَ» في الأُخرى، فما يَنقَطِعُ لا يُمَدُّ إلَيه بَصَرٌ ما دامَ في المُقابِلِ ما يَمتَدّ. انظُر rizq وdinaa.
  • ٨٧:١٧ ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾: أفعَلُ التَّفضيلِ والقِسمةُ هي التَّبعيض. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من العَينِ إلى الوَصفِ المُفاضَل، ولا «مِن» فيه لِأنَّ التَّفضيلَ نَفسَه قِسمةٌ بَينَ دارَين. ويُعطَفُ «أَبْقَىٰ» على «خَيْرٌ» ولا يُغني عنه: الخَيرِيّةُ في الجَودة، والبَقاءُ في الامتِداد، وقد تَكونُ الجَودةُ في ما يَنقَطِع. وتَسبِقُه ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، فيُقابَلُ ما يُرفَعُ اختِياراً بِـما يَمتَدُّ بِلا اختِيارِ أحَد. انظُر athar وakhira وdinaa.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ athar في ٨٧:١٦-١٧: آيَتانِ مُتَتالِيَتانِ وجَذرانِ

مُتَقابِلان. athar يَقرَأُ الأولى وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الثّانية، والقارِئُ الذي يَقرَأُهُما مَعاً يَرى أنَّ السّورةَ تُجيبُ فِعلَ التَّفضيلِ البَشَريَّ بِأفعَلِ تَفضيلٍ إلهيّ.

  • مَعَ tark في ٢:٢٤٨ وwadhr في ٢:٢٧٨: المَفهومانِ يَقرَآنِ

فِعلَ التَّركِ من جِهةِ التّارِك، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ المَتروكَ من جِهةِ نَفسِه. والآيَتانِ هُما المَوضِعانِ اللَّذانِ يَجمَعُ فيهِما المُصحَفُ الجَذرَين، ولِذلك سُجِّلَتا هُنا وهُناك.

  • مَعَ tabut وsakina في ٢:٢٤٨: ثَلاثةُ مَفاهيمَ في آيةٍ

واحِدة: الوِعاءُ، والنّازِلُ فيه، والفاضِلُ فيه.

الإشكالات المَفتوحة

  • ما البَقِيّةُ في ٢:٢٤٨ بِعَينِها؟ الآيةُ لا تُسَمّيها،

وتَصِفُها بِنِسبَتِها فَقَط («مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وآلُ هارون»). والمَنهَجُ يَمنَعُ إدخالَ ما لَيسَ في النَّصّ، فيُوقَفُ عِندَ ما قالَته الآيةُ: فَضلةٌ من مَتروكِ قَومٍ بِأعيانِهِم، مَحمولةٌ، مَجعولةٌ آيةَ مُلك. وهذا كافٍ لِلقِراءةِ وغَيرُ كافٍ لِلتَّسمِية.

  • هَل «أَبْقَىٰ» أفعَلُ تَفضيلٍ من البَقاءِ أم من الإبقاء؟ الوَزنُ

يَحتَمِلُهُما، والمَعنى يَختَلِف: على الأوَّلِ الآخِرةُ أدوَمُ، وعلى الثّاني هي أحفَظُ لِما يودَعُ فيها. ويُرَجِّحُ الأوَّلَ عَطفُه على «خَيْرٌ» وهو أفعَلُ تَفضيلٍ من الوَصفِ اللّازِم. ولا يَحسِمُ المُسَجَّلُ إذ لَيسَ فيه صيغةٌ رابِعة.

  • **سَبعةُ مَواضِع، وفي كُلٍّ منها تَبعيضٌ ظاهِرٌ أو

مُقَدَّر. أفَيَطَّرِدُ أنَّ الجَذرَ لا يَعرِفُ بَقاءً مُطلَقاً؟** الاطِّرادُ تامٌّ في المُسَجَّل، وقد كانَ في ثَلاثةٍ فصارَ في سَبعةٍ بَعدَ نَشرِ طه ولَم يَنكَسِر. ويُخشى أن تَنقُضَه سُوَرٌ لم تُسَجَّلْ بَعدُ فيها «الباقِيات» و«ويَبقى وَجهُ رَبِّك». يُترَكُ مَفتوحاً، ويُنَبَّهُ إلى أنَّ المَوضِعَ الثّانيَ من هَذَينِ إن سُجِّلَ لَزِمَ إعادةُ النَّظَرِ في القِسمِ الأوَّل كُلِّه.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن