طه · الآية 131

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ

«وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ»: النَّهيُ يَقَعُ على حَرَكةٍ لا على شَيء

نَهيٌ مُؤَكَّدٌ بِنونٍ ثَقيلة. ولَيسَ المَنهِيُّ عنه شَيئاً يُملَك، ولا شَيئاً يُطلَب، بَل فِعلٌ يُفعَلُ بِعُضو.

و«تَمُدَّنَّ» من م-د-د: امتِدادٌ مُتَّصِلٌ لا يَنقَطِع، إطالةُ ما بَدَأَ مَعَ تَثبيتِه. فالمَدُّ لَيسَ ابتِداءَ شَيء، بَل إطالةُ شَيءٍ قائِم.

ولِذلك دَقَّ اللَّفظ: العَينُ تَقَعُ على ما أمامَها بِلا اختِيار، والمَدُّ إطالةٌ لِما وَقَع. لم يُنهَ عن أن يَرى، نُهِيَ عن أن يُطيلَ ما رأى.

و«عَيْنَيْكَ» مُثَنّىً مُضافٌ إلَيه. وع-ي-ن ظُهورٌ من عُمقٍ يَسري بِلينٍ ثُمَّ يَنبَعِث، وهي كَلِمةُ العَينِ التي تَرى والعَينِ التي تَنبَع. فالمَمدودُ في السَّطرِ يَنبُعُ من داخِلٍ ويُوَجَّهُ إلى خارِج.

و«إِلَىٰ» حَرفُ انتِهاءِ غاية. فالعَينُ تُرسَلُ فتَبلُغُ ما تَبلُغُه. والمَنهِيُّ عنه إرسالُها.

«مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ»: عَطاءٌ يُذكَرُ بِاسمٍ يُنبِئُ بِانقِضائِه

الفاعِلُ نونُ العَظَمة. الذي وَقَعَ لَهُم مَذكورٌ فاعِلُه صَريحاً، فلا يُقالُ إنَّهُم أخَذوهُ لِأنفُسِهِم.

و«مَتَّعْنَا» من م-ت-ع: تَجَمُّعٌ يَمتَدُّ حتّى يَتِمَّ ثُمَّ يَظهَرُ من عُمقِه ما استُهلِك. فالمَتاعُ في مادَّتِه انتِفاعٌ يُكمِلُ نَفسَه ثُمَّ يُنبِئُ بِفَراغِه.

فالمَنظورُ إلَيه مُسَمّىً بِاسمٍ يَحمِلُ في جَذرِه نِهايَتَه.

و«أَزْوَاجًا» نَكِرة، من ز-و-ج طَرَفانِ يُعقَدانِ فيُعَدّانِ واحِداً. أصنافٌ مُقتَرِنةٌ لا يُقالُ ما هي ولا كَم هي.

و«مِّنْهُمْ» تَبعيضِيّة: بَعضٌ لا كُلّ. والضَّميرُ في «هُم» لا مَرجِعَ لَه مُسَمّىً في السَّطر. فلا يُعرَفُ مَنِ القَومُ ولا أيُّ صِنفٍ مِنهُم أُعطِي.

«زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»: أهَشُّ ما في النَّبتِ اسماً لِما يُنظَرُ إلَيه

بَدَلٌ يُسَمّي المَنظورَ إلَيه بَعدَ أن أُبهِم. و«الزَّهْرَة» من ز-ه-ر: لَمَعانٌ رَقيقٌ يَبرُزُ ثُمَّ يَخفُت.

وهي في النَّبتِ ما يَتَقَدَّمُ الثَّمَرةَ وأسرَعُ ما يَسقُط: أشَدُّ أجزائِه لَوناً وأقَلُّها بَقاءً. الذي يَجذِبُ العَينَ هو الذي يَذبُل.

وأُضيفَت إلى «الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»: ح-ي-ي قِوامٌ يَسري في باطِنٍ مَحويٍّ فيَدوم، ود-ن-و قُربٌ مَضبوطٌ يَبقى في حُدودِه. فالمَوصوفةُ حَياةٌ قَريبة، والمَذكورُ مِنها زَهرَتُها لا ثَمَرَتُها ولا أصلُها.

ولَم يُقَلْ إنَّها زائِلة. قيلَ اسمُها، والاسمُ يَقولُ ذلك.

«لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ»: العِلّةُ داخِلَ العَطِيّةِ لا بَعدَها

لامُ تَعليلٍ تَرجِعُ إلى «مَتَّعْنَا». فالتَّمتيعُ نَفسُه لَه غاية.

وف-ت-ن ضَغطٌ يُفَتِّتُ حتّى يَبرُزَ ما في الجَوف. ومنه إدخالُ المَعدِنِ النّارَ لِيَظهَرَ ما فيه. فالفِتنةُ إظهارٌ لا إهلاك.

و«فِيهِ» ظَرفِيّة. لم يُقَلْ «بِه» فيَكونُ آلة، قيلَ «فِيهِ»: الاختِبارُ واقِعٌ داخِلَ العَطِيّةِ نَفسِها. يُوضَعونَ في جَوفِ ما أُعطُوه ويُنظَرُ ما يَخرُجُ مِنهُم.

فالذي تُمَدُّ إلَيهِ العَينُ هو نَفسُه المَوضِعُ الذي يُختَبَرُ فيه أهلُه.

«وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»: جُملةٌ قيلَت في هذه السّورةِ تَحتَ التَّهديد

و«الرِّزق» من ر-ز-ق: جَريانٌ مُتَوالٍ يُقطَعُ ويُطلَقُ بِقَدرٍ مَضبوط. فهو مَجرىً يَتَكَرَّرُ لا كَومةٌ تُوضَعُ مَرّة.

وقابِلْ بَينَه وبَينَ «مَتَّعْنَا»: ذاكَ انتِفاعٌ يُكمِلُ نَفسَه ثُمَّ يَفرُغ، وهذا جَريانٌ يَعودُ بِقَدر. الأوَّلُ لَه قَعرٌ، والثّاني لَه مَجرى.

ثُمَّ الخَبَر: «خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ». وهاتانِ الكَلِمَتانِ بِهذا التَّرتيبِ قد قيلَتا في هذه السّورةِ من قَبل، قالَهُما قَومٌ وُعِدوا بِتَقطيعِ أيديهِم وأرجُلِهِم وصَلبِهِم، فأجابوا مَن هَدَّدَهُم بِـوَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.

والآنَ تُوضَعُ الكَلِمَتانِ نَفسُهُما في يَدِ مُخاطَبٍ يُنهى عن مَدِّ عَينِه. القَولُ الذي قيلَ تَحتَ التَّهديدِ يُعطى دَواءً لِغَيرِ قائِلِه.

والمُبتَدَأُ يَختَلِف: هُناكَ الاسمُ، وهُنا «رِزْقُ رَبِّكَ». يُقالُ هذا ولا يُزادُ عَلَيه.

ما قالَه المُهَدَّدُ لِيَثبُتَ يُقالُ لِلمُطمَئِنِّ لِئَلّا يَمُدَّ عَينَه.


حَصيلة

نَهيٌ بِنونٍ ثَقيلةٍ لا يَقَعُ على شَيءٍ يُملَكُ بَل على حَرَكةِ عُضو. و«تَمُدَّنَّ» من م-د-د امتِدادٌ مُتَّصِلٌ يُطيلُ ما بَدَأَ ويُثَبِّتُه، فالمَنهِيُّ عنه إطالةُ ما وَقَعَ لا وُقوعُه، و«عَينَيك» مُثَنّىً من ع-ي-ن ظُهورٍ من عُمقٍ يَسري ثُمَّ يَنبَعِث، و«إلى» انتِهاءُ غاية: عَينٌ تُرسَلُ فتَبلُغ. ثُمَّ المَنظورُ إلَيه: «مَتَّعْنَا» من م-ت-ع تَجَمُّعٌ يَمتَدُّ حتّى يَتِمَّ ثُمَّ يُنبِئُ من عُمقِه بِفَراغِه، فالعَطاءُ مُسَمّىً بِاسمٍ يَحمِلُ نِهايَتَه، والفاعِلُ نونُ العَظَمةِ صَريحةً، و«أزواجاً» نَكِرةً من ز-و-ج طَرَفَينِ يُعقَدانِ فيُعَدّانِ واحِداً، و«مِنهُم» تَبعيضِيّةٌ وضَميرُها بِلا مَرجِعٍ مُسَمّى. ثُمَّ بَدَلٌ يُسَمّي: «زَهرَة» من ز-ه-ر لَمَعانٍ رَقيقٍ يَبرُزُ ثُمَّ يَخفُت، وهي في النَّبتِ أشَدُّ ما فيه لَوناً وأقَلُّه بَقاءً، مُضافةً إلى حَياةٍ قَريبة. ثُمَّ لامُ تَعليلٍ تَرجِعُ إلى التَّمتيعِ نَفسِه، و«نَفتِنَهُم» من ف-ت-ن ضَغطٍ يُفَتِّتُ حتّى يَبرُزَ ما في الجَوف، و«فيه» ظَرفِيّةٌ لا باءُ آلة: يُوضَعونَ داخِلَ العَطِيّةِ ويُنظَرُ ما يَخرُجُ مِنهُم. ثُمَّ «رِزق» من ر-ز-ق جَريانٍ مُتَوالٍ يُقطَعُ ويُطلَقُ بِقَدر، فمَجرىً يَعودُ في مُقابَلةِ مَتاعٍ يَفرُغ. وخَبَرُه كَلِمَتانِ قالَهُما في هذه السّورةِ قَومٌ هُدِّدوا بِالتَّقطيعِ والصَّلب، فصارَتا الآنَ في يَدِ مَن يُنهى عن مَدِّ عَينِه، والمُبتَدَأُ وَحدَه هو الذي اختَلَف. ما قيلَ تَحتَ التَّهديدِ لِيَثبُتَ قائِلُه صارَ يُقالُ لِغَيرِه لِئَلّا تَمتَدَّ عَينُه.