البقرة · الآية 278

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

النِّداءُ المُؤمِنيّ: مَوقِعٌ داخِلَ الدّائِرة

افتُتِحَت الآيةُ بنِداءِ «يا أيُّها الذينَ آمَنوا»، وهو أسلوبٌ قُرآنيٌّ يَدُلُّ على أنَّ المُخاطَبَ داخِلَ دائِرةِ الإيمان، لا خارِجَها، والأمرُ الذي يَأتي بَعدَ هذا النِّداءِ يُصَحِّحُ خَلَلًا داخِلَ الإيمان، ولا يَبني الإيمانَ أصلًا. ولهذا المَوقِعِ الخِطابيِّ دَلالةٌ عَميقة: النِّداءُ مع «ذَروا ما بَقِيَ» يَدُلُّ على أنَّ التَّعامُلَ بالرِّبا كانَ قائِمًا بَينَ المُخاطَبينَ أنفُسِهم، فالمُرابي هُنا مُؤمِنٌ يَحمِلُ بَقيَّةً من نِظامٍ اقتِصاديٍّ قَديم، وليس كافِرًا خارِجيًّا.

(و ق ي) التَّقوى قَبلَ الأمر

وقد سَبَقَ الأمرُ بالتَّقوى الأمرَ بتَركِ الرِّبا. والتَّقوى في أصلِها من (و ق ي)، وهو جَعلُ شَيءٍ حائِلًا بَينَ المَرءِ والمَخاطِر، فالتَّقوى فِعلُ وِقاية، أي وَضعُ دِرعٍ بَينَ النَّفسِ وبَينَ ما يُهلِكُها، والخَوفُ وَحدَه لا يَفي بها. وتَقديمُ الأمرِ بالتَّقوى على الأمرِ العَمَليِّ يَعني أنَّ تَركَ الرِّبا لا يَتِمُّ بلا بَصيرةٍ داخِليَّة: مَن يَترُكُ الرِّبا خَوفًا من عُقوبةٍ قانونيَّةٍ فَقَط سَيَعودُ إليه في أوَّلِ فُرصة، وأمّا مَن يَترُكُه لأنَّه يَتَّقي اللهَ فقد وَضَعَ وِقايةً داخِليَّةً تَمنَعُه من العَود.

(و ذ ر) الأمرُ بالتَّرك

وفي اختيارِ فِعلِ «ذَر» دِقّةٌ لُغَويّة، والفِعلُ من (و ذ ر) بمَعنى الإهمالِ والتَّرك، وهو مُختَلِفٌ عَن «اترُك» و«دَع»، و«ذَر» فيها مَعنى الإلقاءِ والتَّخَلّي الكامِل، وكأنَّ الرِّبا بَقيَّةٌ لا قيمةَ لها تُرمى. وهذا الاختيارُ اللَّفظيُّ يَنفي القيمةَ المَعنويَّةَ عن الفَوائِدِ المُتَبَقّية، وهي شَيءٌ مَتروكٌ بلا حَسرة، كأنَّه وَرَقةٌ لا قيمةَ لها، وليست ثَروةً يَصعُبُ التَّخَلّي عَنها.

(ب ق ي) الفَصلُ بَينَ المَقبوضِ والمُتَبَقّي

وفي قَولِه «ما بَقيَ» دِقّةٌ تَشريعيّة، فالمَنعُ يَنصَبُّ على ما لَم يَخرُج من المالِ إلى جَيبِ المُرابي بَعد، وهذا يَتَّسِقُ مع الآيةِ 275 التي قالَت: «فَلَه ما سَلَف». فالشَّريعةُ تُوقِفُ التَّدَفُّقَ من لَحظةِ نُزولِ الحُكم، ولا تَطلُبُ إعادةَ المَقبوض، لأنَّ ذلك قد يَنهَدُّ به الاقتِصادُ كُلُّه. وهذا التَّشريعُ عَمَليٌّ وحَكيم، يَحتَرِمُ الواقِعَ السّابِقَ ويُصَحِّحُه إلى الأمامِ بَدَلًا من تَفكيكِه إلى الخَلف.

الشَّرطُ الخاتِم: «إن كُنتُم مُؤمِنين»

والشَّرطُ المُعَلَّقُ في آخِرِ الآيةِ قَوِيٌّ بَلاغيًّا. وقد افتُتِحَت الآيةُ بنِداءِ «يا أيُّها الذينَ آمَنوا» وأُغلِقَت بشَرطِ «إن كُنتُم مُؤمِنين»، وكأنَّها تَبدَأُ بالاعتِرافِ بإيمانِهِم وتَختِمُ بتَعليقِ هذا الاعتِرافِ على استِجابَتِهم، والإيمانُ الافتِراضيُّ في أوَّلِ الآيةِ مَشروطٌ بالاستِجابةِ في آخِرِها. وبهذا الأسلوبِ يَنقَلِبُ المَوقِعُ النَّفسيُّ للمُخاطَب: صارَ امتِحانُ إيمانِه يَتَوَقَّفُ على هذا الفِعلِ بالذّات، ولا يَقِفُ أمرُه عِندَ كونِه مُؤمِنًا يُطلَبُ منه فِعلٌ إضافيّ.

الآيةُ كَفاصِلٍ بَينَ الوَصفِ والأمر

والآياتُ السّابِقةُ كُلُّها وَصفيَّة: 275 تَصِفُ المُرابي، و276 تَصِفُ فِعلَ اللهِ، و277 تَصِفُ المُؤمِنين، أمّا 278 ففاصِلةٌ تَنقُلُ الخِطابَ من الوَصفِ إلى الأمر، فكأنَّ القُرآنَ أعطى السّامِعَ ثَلاثَ آياتٍ من التَّحضيرِ النَّفسيِّ ثُمَّ أطلَقَ الأمرَ. وهذا التَّرتيبُ يَعكِسُ مَنهَجًا تَرَبَوِيًّا قُرآنيًّا: الأمرُ الصَّعبُ يُهَيَّأُ له السّامِعُ بوَصفِ النَّتائِجِ الكونيَّةِ والنَّفسيَّة، ثُمَّ يُقالُ لَه: «الآنَ، افعَل»، ولا يُلقى مُنفَصِلًا.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «التَّكليفِ المَوجَّهِ داخِلَ دائِرةِ الإيمانِ لا خارِجَها» يَسبِقُ دَورَ «التَّكليفِ كَقانونٍ عامٍّ على الجَميع»، ودَورُ «تَركِ ما لَم يُقبَض بَعد» يَسبِقُ دَورَ «رَدِّ ما قُبِضَ قَبلَ الوَحي».


حَصيلة

يَأتي الأمرُ التَّكليفيُّ المُباشِرُ بَعدَ ثَلاثِ مَراحِلَ تَمهيديَّة، وبِنيَتُه أنَّ التَّقوى (و-ق-ي) تَسبِقُ العَمَلَ، لأنَّ مَن يَترُكُ الرِّبا خَوفًا قانونيًّا فَقَط سَيَعودُ إليه في أوَّلِ فُرصة، والتَّقوى دِرعٌ داخِليٌّ يَمنَعُ العَودَ قَبلَ أن تَمنَعَها السُّلطة. ثُمَّ يَأتي الأمرُ العَمَليُّ بِلَفظٍ مُختار: «ذَروا» (و-ذ-ر) دونَ «اتركوا»، لأنَّ «ذَر» فيها مَعنى الإلقاءِ بلا حَسرةٍ، كَشَيءٍ لا قيمةَ له. و«ما بَقيَ» هو الفَصلُ التَّشريعيُّ الدَّقيق: المَأمورُ تَركُ الفَوائِدِ التي لَم تُقبَض بَعد، لا إعادةُ ما قُبِضَ في الماضي، لأنَّ 275 نَصَّت «فَلَه ما سَلَف». وتَختِمُ الآيةُ بأقوى شَرطٍ في دَورةِ الرِّبا: إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقد افتُتِحَت بـ«يا أيُّها الذينَ آمَنوا» وأُغلِقَت بـ«إن كُنتُم مُؤمِنين»: الاعتِرافُ بإيمانِهم في المَفتَحِ مُعَلَّقٌ على استِجابَتِهم في المَختَم، والإيمانُ يُختَبَرُ هُنا بالفِعلِ لا بالادِّعاء.