طه · الآية 71
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«آمَنتُمْ لَهُ»: حَرفٌ يُبَدَّلُ في إعادةِ القَول
قالوا قَبلَ آيةٍ واحِدة: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾. بِالباء، والمَجرورُ بِها «رَبّ».
ويُعادُ قَولُهُم هُنا: «آمَنتُمْ لَهُ». بِاللّام، والمَجرورُ بِها ضَميرُ رَجُل.
فتَبَدَّلَ الحَرفُ وتَبَدَّلَ المَجرور. والباءُ تُوَصِّلُ السُّكونَ إلى مَحَلِّه، واللّامُ تُفيدُ الاختِصاصَ بِمَن هي لَه. أُخِذَ قَولٌ في رَبٍّ فرُدَّ قَولاً في رَجُل.
وهذه أوَّلُ خُطوةٍ في الآية: لم يُنكَرْ أنَّهُم آمَنوا، وإنَّما نُقِلَ إيمانُهُم إلى غَيرِ مَن قالوا.
«قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ»: خُصومةٌ في الوَقتِ لا في المَقول
الجِذرُ أ-ذ-ن نُفوذٌ يَنتَهي إلى جَوفٍ يَحتَويه؛ ومنه «الأُذُن» يَنفُذُ إلَيها الصَّوتُ فيَستَقِرّ. فالإذنُ فَتحُ السَّمعِ لِلأمرِ حتّى يَمضي.
والخُصومةُ المُعلَنةُ هُنا لَيسَت في أنَّهُم آمَنوا، بَل في أنَّهُم لم يَنتَظِروا. «قَبْلَ» ظَرفٌ لِلتَّقَدُّم، والمَذكورُ تَقَدُّمُ فِعلِهِم على إذنِه.
ومَن جَعَلَ الخِلافَ في التَّوقيتِ فقد أقَرَّ ضِمناً بِأنَّ الفِعلَ يَقَعُ، وإنَّما يَطلُبُ أن يَقَعَ بِأمرِه.
«إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ»: تَوكيدٌ مِثلُ تَوكيدٍ مَضى
«إنَّ» في الصَّدرِ واللّامُ في الخَبَر. وهذا شَدُّ الجُملةِ الذي قيلَ في هذا المَشهَدِ من قَبل: إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. عادَتِ الأداتانِ نَفسُهُما، وكانَتا على اثنَينِ فصارَتا على واحِد.
والجِذرُ ك-ب-ر اتِّساعٌ يَخرُجُ ويَمتَدُّ فَوقَ حَدِّه. و«كَبيرُكُم» مُضافٌ إلَيهِم: جُعِلَ مِنهُم ولَهُم، فرُبِطَ الرَّجُلُ بِالجَماعةِ رَبطاً يَجعَلُ فِعلَها فِعلَه.
ثُمَّ «الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» صِلةٌ تُتَمِّمُ الرَّبط. وهذا كُلُّه قَولٌ يُنقَلُ كما قيل، ولا تَقولُ الآيةُ فيه شَيئاً بَعدَ نَقلِه.
«فَلَأُقَطِّعَنَّ… وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ»: قَسَمانِ وصيغَتانِ لِلتَّكثير
لامُ القَسَمِ ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلةُ في الفِعلَينِ. وكِلاهُما على وَزنِ فَعَّلَ، وهو وَزنٌ يُكَثِّرُ الحَدَثَ ويُوَزِّعُه على مَحالِّه.
و«مِّنْ خِلَافٍ» نَكِرة. والجِذرُ خ-ل-ف وُقوعُ شَيءٍ في مَوضِعِ شَيءٍ فارَقَه، فالخِلافُ أن يَقَعَ كُلُّ طَرَفٍ في غَيرِ جِهةِ صاحِبِه. هذا ما يَقولُه اللَّفظُ ولا يُزادُ عَلَيه.
و«فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» بِـ«في» لا بِـ«على». و«في» ظَرفِيّةٌ تُفيدُ الاحتِواءَ في داخِل، لا الاستِعلاءَ على سَطح. يُقرَأُ الحَرفُ كما وَرَد، ولا يُوصَفُ مَشهَدٌ لم تَصِفْه الآية.
والجِذرُ ص-ل-ب شِدّةٌ يَثبُتُ عَلَيها ما تَعَلَّقَ بِها؛ ومنه «الصُّلب» عَمودُ الظَّهرِ يَقومُ عَلَيهِ البَدَن. فالمَذكورُ إثباتُ شَيءٍ على شَيءٍ صُلبٍ لا يَلين.
«وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ»: مِيزانٌ يُنصَبُ بِاليَد
قَسَمٌ ثالِثٌ، والمَوعودُ بِه عِلمٌ لا فِعل: «لَتَعْلَمُنَّ». يُؤَجَّلُ الأمرُ إلى مَعرِفةٍ تَقَع.
و«أَيُّنَا» استِفهامٌ عن أحَدِ طَرَفَين، وقَد ضَمَّهُما ضَميرٌ واحِد: «نا». أدخَلَ نَفسَه وغَيرَه في كَفَّتَينِ ولم يُسَمِّ الطَّرَفَ الآخَر.
ثُمَّ صيغَتانِ لِلتَّفضيل: «أَشَدُّ عَذَابًا» بِتَمييزٍ يُبَيِّنُ جِهةَ الشِّدّة، و«أَبْقَىٰ» بِلا تَمييز. والأُولى تَقيسُ ما يَقَعُ الآن، والثّانِيَةُ تَقيسُ ما يَثبُتُ بَعدَ ذلك.
والجِذرُ ب-ق-ي ثُبوتٌ يَمتَدُّ بَعدَ ذَهابِ ما ذَهَب. وقد قالَها في مِيزانٍ نَصَبَه هو واختارَ لَه لَفظَه.
وهذا اللَّفظُ بِعَينِه سيُعادُ في هذا المَشهَد.
حَصيلة
يُعادُ قَولُهُم فيَتَبَدَّلُ حَرفُه: قالوا «آمَنَّا بِـ» في رَبّ، فيُقالُ «آمَنتُمْ لَهُ» في رَجُل. لم يُنكَرِ الإيمانُ بَل نُقِلَ مَحَلُّه. ثُمَّ تُعقَدُ الخُصومةُ على الوَقتِ لا على المَقول: «قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ»، وأ-ذ-ن نُفوذٌ يَنتَهي إلى جَوفٍ يَحتَويه، فالإذنُ فَتحُ السَّمعِ لِلأمر. ثُمَّ تَعودُ أداتا التَّوكيدِ اللَّتانِ قيلَتا في هذا المَشهَدِ على اثنَينِ فتَقَعانِ الآنَ على واحِد، و«كَبيرُكُم» مُضافٌ إلَيهِم فيُربَطُ بِهِم، والصِّلةُ تُتِمُّ الرَّبط، والقَولُ يُنقَلُ ولا يُحكَمُ عَلَيه. ثُمَّ قَسَمانِ بِلامٍ ونونٍ ثَقيلة، وفِعلانِ على فَعَّلَ لِلتَّوزيع، و«مِّنْ خِلَافٍ» نَكِرةً وخ-ل-ف وُقوعُ كُلٍّ في غَيرِ جِهةِ صاحِبِه، و«فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» بِـ«في» الظَّرفِيّةِ لا بِـ«على». يُقرَأُ الحَرفُ ولا يُوصَفُ ما لم تَصِفْه الآية. ثُمَّ قَسَمٌ ثالِثٌ مَوعودُه عِلمٌ لا فِعل، و«أَيُّنَا» تَضُمُّ الطَّرَفَينِ في ضَميرٍ واحِدٍ ولا تُسَمّي الآخَر، وصيغَتانِ لِلتَّفضيل: شِدّةٌ تُقاسُ الآنَ، وبَقاءٌ يُقاسُ بَعدَه. نَصَبَ المِيزانَ بِيَدِه واختارَ لَه لَفظَه، وهذا اللَّفظُ سيُعادُ في هذا المَشهَد.