طه · الآية 127

﴿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي»: ثالِثةُ الأداةِ في آيَتَين

وهذه «كَذَٰلِكَ» مَرّةً ثالِثة، مَرَّتانِ في الآيةِ قَبلَها ومَرّةً هُنا، وكُلُّها في صَدرِ جُملَتِها.

والثّالِثةُ تَخرُجُ بِالكَلامِ من واحِدٍ إلى قاعِدة، فقد كانَ الخِطابُ لِرَجُلٍ يُجابُ، فصارَ الخَبَرُ عن «مَنْ» شَرطِيّةٍ لا تُسَمّي أحَداً، والصّورةُ التي وُصِفَ بِها واحِدٌ تُقالُ الآنَ في كُلِّ مَن كانَ عَلَيها.

و«نَجْزِي» من ج-ز-ي، وأصلُه قَطعٌ بِمِقدارٍ يُقابِلُ مِقداراً، فالجَزاءُ في مادَّتِه مُوازَنة، لا زِيادةَ فيه ولا ابتِداء، يُؤخَذُ قَدرٌ من هُنا فيُوضَعُ في مُقابَلةِ قَدرٍ من هُناك حتّى يَعتَدِلَ الطَّرَفان.

ولِذلك جاءَت «كَذَٰلِكَ» قَبلَه، فالأداةُ تَدُلُّ على أنَّ الصورَتَينِ واحِدة، والفِعلُ يَدُلُّ على أنَّ المِقدارَينِ واحِد.

«مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن»: فِعلٌ وُقِعَ ونَفيُ فِعلٍ لم يَقَع

وهُما وَصفانِ، لا وَصفٌ واحِد، الأوَّلُ مُثبَتٌ والثّاني مَنفيّ، والعَطفُ بَينَهُما بِواو.

و«أَسْرَفَ» من س-ر-ف، وأصلُه جَرَيانٌ يَمضي حتّى يُفارِقَ مَجراه، فالذي في الجَذرِ مُفارَقةُ الحَدّ، ولَيسَ فيه كَثرةٌ ولا قِلّة، والسَّرَفُ ما خَرَجَ عن مِقدارِه لا ما زادَ في نَفسِه.

وهذا هو الجَذرُ الذي نُهِيَ عنه في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ داخِلَ حُكمٍ مَخصوص، ويُذكَرُ هُنا اشتِراكُ المادّةِ ولا يُنقَلُ ذلك الحُكمُ إلى هذا المَوضِع.

ويَلتَقي الفِعلانِ في الآيةِ على هذا النَّحو: جَريانٌ يُفارِقُ مَجراه، ثُمَّ نَفيُ الأمنِ الذي يَنعَقِدُ في القَلبِ فيَستَقِرّ، فالأوَّلُ خُروجٌ عن حَدّ، والثّاني عَدَمُ استِقرارٍ على مَركَز، وكِلاهُما وَصفُ شَيءٍ لا يَقِفُ.

و«بِآيَاتِ رَبِّهِ» تُعيدُ اللَّفظَ الذي في الآيةِ قَبلَها، وقد كانَ هُناكَ آيَاتُنَا﴾ بِنِسبَتِها إلى ضَميرِ العَظَمة، وصارَ هُنا مُضافاً إلى «رَبِّهِ» بِضَميرِ الغائِب، فالآياتُ هي هي، والإضافةُ تَنتَقِلُ من جِهةِ المُرسِلِ إلى جِهةِ المُرسَلِ إلَيه، فتُنسَبُ إلى رَبِّه هو، لا إلى رَبِّ غَيرِه.

«وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ»: كَلِمَتانِ سَبَقَتا في هذه السّورةِ في فَمَينِ

واللّامُ في صَدرِ الجُملةِ لِلابتِداءِ والتَّوكيد، ثُمَّ اسمانِ على أفعَلَ التَّفضيل.

و«أَشَدُّ» من ش-د-د، وهو ضَمٌّ يُضغَطُ فيَثبُتُ ثُمَّ يُعادُ تَثبيتُه، فالشِّدّةُ إحكامُ القَبضةِ لا كَثرةُ المَقبوض. و«أَبْقَىٰ» من ب-ق-ي، ومَعناه ثُبوتٌ يَمتَدُّ بَعدَ ذَهابِ ما ذَهَب.

والتَّفضيلانِ لَيسا في جِنسٍ واحِد، فأحَدُهُما في إحكامِ القَبضة، والآخَرُ في طولِ ما تَبقى بَعدَ زَوالِ سِواها، وبِهِما يُقاسُ ما لا يُقاسُ بِمِسطَرةٍ واحِدة.

وهاتانِ الكَلِمَتانِ مَعاً قد قيلَتا في هذه السّورةِ من قَبل، فقالَ المُهَدِّدُ لِمَن هَدَّدَهُم أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ يُوازِنُ عَذابَه بِعَذابِ غَيرِه، فأجابَه المُهَدَّدونَ بِمُوازَنةٍ أُخرى: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. وتَعودُ المُوازَنةُ الآنَ في خَبَرِ السّورةِ عن نَفسِها، دونَ فَمِ خَصمٍ أو مُتَحَدٍّ.

وهذا المَوضِعُ الثّالِثُ لِـ«أَبْقَىٰ»، ولِلكَلِمةِ مَوضِعٌ رابِعٌ لم يَأتِ بَعد.

والكَلِمةُ باقِيةٌ على حالِها لا تَتَبَدَّل، والذي يَتَبَدَّلُ هو الفَمُ الذي يَحمِلُها.


حَصيلة

جاءَت أداةُ المُشابَهةِ ثالِثةً في آيَتَين، فخَرَجَت بِالكَلامِ من مُخاطَبٍ واحِدٍ إلى «مَنْ» لا تُسَمّي أحَداً، فالصورةُ التي وُصِفَ بِها رَجُلٌ تَصيرُ قاعِدةً لِكُلِّ مَن كانَ عَلَيها. و«نَجزي» من ج-ز-ي قَطعٌ بِمِقدارٍ يُقابِلُ مِقداراً، فالأداةُ تُسَوّي بَينَ الصورَتَينِ والفِعلُ يُسَوّي بَينَ المِقدارَين. ثُمَّ وَصفانِ لا واحِد، مُثبَتٌ ومَنفيّ، فـ«أَسرَفَ» من س-ر-ف جَرَيانٌ يَمضي حتّى يُفارِقَ مَجراه، فالمادّةُ مُفارَقةُ حَدٍّ، ولَيسَ فيها كَثرة؛ وإلى جانِبِه نَفيُ ما يَنعَقِدُ في القَلبِ فيَستَقِرّ، فهذا خُروجٌ عن حَدٍّ وذاك عَدَمُ استِقرارٍ على مَركَز، وكِلاهُما وَصفُ ما لا يَقِف. و«آياتُ رَبِّهِ» هي آياتُ الآيةِ السّابِقةِ بِعَينِها، نُقِلَتِ الإضافةُ من جِهةِ المُرسِلِ إلى جِهةِ مَن أتَته. ثُمَّ لامُ ابتِداءٍ واسمانِ على أفعَلَ: «أشَدُّ» من ش-د-د إحكامُ قَبضةٍ تُعادُ فتُثَبَّت، و«أبقى» من ب-ق-ي ثُبوتٌ يَمتَدُّ بَعدَ ذَهابِ ما ذَهَب، فالمُوازَنةُ بِمِسطَرَتَينِ لا بِواحِدة. وهاتانِ الكَلِمَتانِ قد جَرَتا في هذه السّورةِ من قَبلُ في فَمِ مُهَدِّدٍ ثُمَّ في جَوابِ المُهَدَّدين، وتَعودانِ هُنا في خَبَرِ السّورةِ عن نَفسِها، فالمَوازينُ واحِدة، والذي يُبَدَّلُ هو اليَدُ التي تُمسِكُها.