الأعلى · الآية 17
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«الآخِرَة»: ما يَتَأَخَّرُ في الزَّمَن
الجذرُ أ-خ-ر في العَرَبيَّةِ مِحوَرُه ما يَأتي في طَرَفٍ بَعدَ طَرَف. ومنه «الآخِر» (ضِدُّ الأَوَّل)، و«التَّأخير» (تَركُ الشَّيءِ يَأتي بَعد). والصِّيغَةُ في «الآخِرَة» اسمٌ تَفضيليٌّ مُؤَنَّث، مَعَ أل التَّعريف، فيَكون اسماً مُعَرَّفاً بِالغَلَبَة. وَهَذا الاسمُ يُقابِلُ «الدُّنيا» في القُرآنِ غالِباً، حَيثُ تَكونُ الدُّنيا الأَقرَب، والآخِرَةُ الذي يَأتي بَعدَها.
والآخِرَةُ بِهذا المَعنى ليسَت فَقَط حَياةً ثانِيَةً بَعدَ هَذِه، بَل هي طَرَفٌ يَكتَمِلُ بِه ما هو ناقِصٌ في الأُولى. ما يَبدَأُ في الدُّنيا ويَخرُجُ مِنها بِغَيرِ تَمام، يَتِمُّ في الآخِرَة. الإِيثارُ الذي تَفعَلُهُ النَّفسُ في الآيَةِ السابِقَةِ يَخسَرُ ما هو في الآخِرَة، لِأَنَّهُ يَختارُ ما يَلمَسُهُ على ما يَكتَمِلُ بَعد.
«خَيرٌ»: تَفضيلٌ في الكَيفيَّة
الجذرُ خ-ي-ر يَدُلُّ على ما هو أَفضَلُ مِن غَيرِه في صورَةٍ ما. والصِّيغَةُ في «خَير» اسمُ تَفضيلٍ في الأَصلِ كانَ «أَخيَر» ثُمَّ خُفِّفَ إلى «خَير». وَالاستِعمالُ في الآيَةِ مُجَرَّدٌ مِن أَيِّ تَخصيص: خَيرٌ في كلِّ ما يُمكِنُ أَن يُقاسَ بِالخَير. لا يُحَدِّدُ الكِتابُ في أَيِّ شَيءٍ هي خَير، لِأَنَّ الإطلاقَ هُنا أَعَمُّ.
وَالنَّكَرَةُ تَفتَحُ المَعنى. «خَيرٌ» نَكِرَةٌ في سياقِ المُقابَلَةِ بِالأَلِف واللَّامِ في «الدُّنيا». التَّعريفُ في «الدُّنيا» يَجعَلُها مَعروفَةً مَلموسَة، والتَّنكيرُ في «خَير» يَجعَلُهُ مُطلَقاً غَيرَ مَحدود. النَّفسُ تُؤثِرُ ما تَلمَسُهُ بِأَل، وتَترُكُ ما هو خَيرٌ بِغَيرِ أَل لِأَنَّهُ لَم يَدخُل بَعدُ في حِسِّها.
«أَبقى»: تَفضيلٌ في الزَّمَن
الجذرُ ب-ق-ي يَدُلُّ على ما يَدومُ ولا يَنفَدُ بِمُرورِ الزَّمَن. ومنه «بَقي» (دامَ)، و«البَقيَّة» (ما تَبَقَّى مِن شَيءٍ بَعدَ نَقصِه). والصِّيغَةُ في «أَبقى» اسمُ تَفضيلٍ على وَزنِ أَفعَل، يَدُلُّ على ما هو أَكثَرُ بَقاءً مِن غَيرِه. لا «باقٍ» فَحَسب، بَل أَبقى.
وَالكَلِمَتانِ مَوصوفَتانِ. «خَيرٌ» في الكَيفيَّة، و«أَبقى» في الزَّمَن. الآخِرَةُ تَجمَعُ بَين الكَيفيَّةِ الأَفضَلِ والزَّمَنِ الأَطوَل. الدُّنيا، حَتّى لَو فُرِضَ أَنَّها خَير، تَنفَدُ. والآخِرَةُ، إِضافَةً إلى أَنَّها خَير، لا تَنفَد. ولِذَلكَ يَكونُ إِيثارُ الدُّنيا خَسارَةً مِن الجِهَتَين: لا أَفضَل، ولا أَدوَم.
وفي البَقَرَة وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: «خَيرٌ» نَكِرَةٌ في السِّياقِ نَفسِه. والكَلِمَةُ تَتَكَرَّرُ في الكِتابِ في هَذِه الصورَةِ كَشَفّاً لِما تَخسَرُ النَّفسُ إذ تَختارُ غَيرَه.
حَصيلة
تستأنفُ الواوُ الطرفَ المقابلَ لما تُؤثِرُه النفوسُ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. «الآخِرَة» من -أ-خ-ر- على وزنِ فاعِلةٍ التفضيليِّ المؤنَّث معرَّفٌ بالغلَبة، يُقابلُ «الدُّنيا» مقابلةَ طرفَين: الدُّنيا الأقرب والآخِرةُ الذي يأتي بعد. ما لا يلمسُه الجسمُ الآن سيلمسُه بعد. ثمّ وصفانِ متتاليان: «خَيرٌ» اسمُ تفضيلٍ مُطلَق من -خ-ي-ر- لا يُحدِّدُ في أيِّ شيءٍ هي خيرٌ لأنّ الإطلاقَ أعمّ. «أَبقى» من -ب-ق-ي- على وزنِ أفعلَ التفضيليّ: أكثرُ بقاءً وأدومُ. الآخِرةُ في كلمتَين: خيرٌ في كيفيَّتِها وأبقى في زمنِها. والمقابلةُ تكتملُ: الدُّنيا معرَّفةٌ بأل ملموسةٌ للحسِّ، والآخِرةُ تُعطي خيراً نكِرةً مُطلَقاً وبقاءً لا حدَّ له. الآيتانِ ١٦ و١٧ قريبٌ يزول وأبعدُ يدوم. والسورةُ تختمُ بأنّ هذا كانَ في الصُّحُفِ الأولى.