الوَذر

wadhr جذر · و-ذ-ر 5 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**انفِراجُ ما كانَ مُحيطاً، فيَخرُجُ ما فيه ويَجري ولا يُرَدّ**. لَيسَ الوَذرُ في الجَذرِ إهمالاً ولا انصِرافاً، بَل فَتحَ الحَلقةِ عمّا ضَمَّت. ولِذلك لا يَرِدُ في المُسَجَّلِ إلّا مُضارِعاً أو أمراً: الحَلقةُ تُوصَفُ وهي تَنفَرِج، ولَو تَمَّ انفِراجُها لم تَبقَ حَلقة.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَسِ من

غَيرِ سَدّ، فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه، ثُمَّ تَنفَرِجُ الحَلقةُ فتُفضي بِالصَّوتِ إلى ما يَليه. شِحنَتُه: إحاطةٌ تَربِطُ ثُمَّ انفِراجٌ يُفضي.

  • ذ: طَرَفُ اللِّسانِ يَبرُزُ من باطِنِ الفَمِ فيُماسُّ الأسنانَ

مُماسَّةً رَخوة، ويَجري النَّفَسُ في مَضيقِها جَرَياناً نافِذاً، ثُمَّ يَستَرسِلُ ناثِراً دَقيقاً حتّى يَنقَطِع، لا انطِباقَ تامَّ فيه ولا انفِجار. شِحنَتُه: إبرازٌ من الباطِنِ ونَثرٌ دَقيقٌ مُستَرسِل.

  • ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة،

والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. شِحنَتُه: جَريانٌ مُستَرسِلٌ في خِفّةِ لَمسة.

النَّواةُ وَذ (و + ذ) = حَلقةٌ كانَت تَحوي فانفَرَجَت، فبَرَزَ ما في باطِنِها مُتَفَرِّقاً دَقيقاً. والخَتمُ بِـر يُطلِقُ البارِزَ فيَجري مُستَرسِلاً ولا يُحبَسُ ثانِيةً. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: فَتحُ المُحيطِ عمّا أحاطَ بِه حتّى يَخرُجَ ويَمضي. والفِعلُ في هذا الجَذرِ واقِعٌ على الحَلقةِ لا على المَحوِيّ، ولِذلك يَستَوي أن تَنفَرِجَ بِفِعلِ صاحِبِها وأن تُفتَحَ عليه.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • وَذَرْتُ الشَّيءَ: قَطَعتُ منه قِطعةً وطَرَحتُها. والأصلُ في المادّةِ

قَطعُ جُزءٍ من كُلٍّ وإخراجُه عنه، لا تَركُ الشَّيءِ في مَكانِه.

  • الوَذْرة: القِطعةُ من اللَّحمِ تُقطَعُ وتُفصَلُ. والاسمُ واقِعٌ على

الجُزءِ المَفصولِ لا على الفاصِلِ ولا على المَفصولِ عنه، وهذا تَمامُ صورةِ الجَذر: ما خَرَجَ من الحَوزةِ هو المُسَمّى.

  • ومَن قالَ إنَّ «ذَرْ» أمرٌ من «وَذَرَ» فقد رَدَّ الأمرَ إلى واوٍ

مَحذوفةٍ لِوُقوعِها بَينَ ياءٍ وكَسرة، وهو الحَذفُ نَفسُه الذي يَقَعُ في «يَعِدُ» و«يَزِنُ»، فالواوُ ثابِتةٌ في الأصلِ ساقِطةٌ في اللَّفظ. والمَعنى يَبقى: ما يَسقُطُ هو حَرفُ الإحاطةِ حينَ تَنفَرِج.

وقد لاحَظَ أهلُ اللُّغةِ أنَّ ماضِيَ «يَذَرُ» ومَصدَرَه واسمَ فاعِلِه لا تُستَعمَل، وأنَّ «تَرَكَ» يَسُدُّ مَسَدَّ الماضي منه. والمُسَجَّلُ يُوافِقُ هذا مُوافَقةً تامّة: المَواضِعُ الخَمسةُ كُلُّها مُضارِعٌ أو أمر، وليسَ فيها ماضٍ ولا مَصدَرٌ ولا وَصف. وهذا ما يُفَسِّرُه الجَذرُ ولا تُفَسِّرُه الرِّوايةُ عن الاستِعمال: الماضي صيغةُ الحَدَثِ المُغلَقِ، والوَذرُ حَلقةٌ تَنفَرِج، وحَلقةٌ تَمَّ انفِراجُها لَيسَت حَلقةً حتّى يُخبَرَ عنها بِالمُضِيّ. فلَمّا احتاجَتِ اللُّغةُ إلى المُضِيِّ استَعارَتِ الجَذرَ الذي يَنتَهي بِـك، وهي حَرفُ الكَتمِ والإغلاق. فالتَّناوُبُ بَينَ الجَذرَينِ مُعَلَّلٌ بِحُروفِهِما لا بِالسَّماعِ وَحدَه. انظُر التَّرك.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ و-ذ-ر: إفضاءُ الحَوزةِ عمّا فيها فيَخرُجُ ويَمضي. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ المَواضِعِ الخَمسةِ ويَجمَعُ ما يَبدو مُتَفَرِّقاً فيها: مَن ماتَ فانفَرَجَت عِصمَتُه عن أزواجِه، ومَن أُمِرَ أن يَفتَحَ يَدَه عمّا بَقِيَ من الرِّبا، ومَن نُفِيَ عنه أن يُبقِيَ المُؤمِنينَ مَخلوطينَ حتّى يَميزَ الخَبيثَ من الطَّيِّب، وجِبالٌ تُنسَفُ فتُترَكُ أرضُها قاعاً صَفصَفاً: أربَعةُ انفِراجاتٍ لِأربَعِ حَلَقات.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • يَذَرُونَ (مُضارِعٌ مَرفوعٌ لِجَماعةِ الغائِبين): مَوضِعان، وفيهِما

مَعطوفٌ على مَبنِيٍّ لِلمَجهولٍ قَبلَه، ومَفعولُه في المَوضِعَينِ ذَواتٌ لا أموال.

  • ذَرُوا (أمرٌ لِجَماعةِ المُخاطَبين): مَوضِعٌ واحِد، ومُخاطَبُه حَيٌّ

يَملِكُ ما يُؤمَرُ بِإخراجِه.

  • لِيَذَرَ (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بَعدَ لامِ الجُحودِ في خَبَرِ «ما كان»):

مَوضِعٌ واحِد، وهو المَنفيُّ الوَحيدُ في المُسَجَّل.

  • يَذَرُهَا (مُضارِعٌ مَرفوعٌ مُتَّصِلٌ بِضَميرِ المَفعول): مَوضِعٌ

واحِد (٢٠:١٠٦)، والمَوذورُ فيه أرضٌ لا ذَواتٌ ولا مال، وهو المُثبَتُ الوَحيدُ الذي فاعِلُه اللهُ صَريحاً.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصِّيَغِ الأربَعِ

(انفِراجٌ يَخرُجُ عنه المَحوِيّ)، والوَزنُ لا يُغَيِّرُها بَل يُغَيِّرُ

مَن يَفتَحُ الحَلقة. في يَذَرُونَ تُفتَحُ على صاحِبِها بِالتَّوَفّي،

وفي ذَرُوا يَفتَحُها هو بِأمرٍ نازِل، وفي لِيَذَرَ يُنفى أن

يَتِمَّ الانفِراجُ ناقِصاً، وفي يَذَرُهَا يَفتَحُها اللهُ

بِنَفسِه بَعدَ نَسفٍ سابِقٍ لا يُبقي ما كانَ يَحوي.

وفاعِلُ الوَذرِ في المُسَجَّلِ ثَلاثةٌ: مَيِّتٌ لا يَقصِدُ (٢:٢٣٤ و٢:٢٤٠)، وحَيٌّ يُؤمَرُ (٢:٢٧٨)، واللهُ (٣:١٧٩ مَنفِيّاً و٢٠:١٠٦ مُثبَتاً). فسَقَطَ ما كانَ يُكتَبُ هُنا من أنَّ إسنادَ الفِعلِ إلى اللهِ صَريحاً لا يَقَعُ إلّا في المَنفيّ، وبَقِيَ أنَّ الجَذرَ يَستَوي فيه أن تَنفَرِجَ الحَلقةُ بِفِعلِ صاحِبِها وأن تُفتَحَ عليه.

ولَيسَ في المُسَجَّلِ لِهذا الجَذرِ ماضٍ ولا مَصدَرٌ ولا اسمُ فاعِلٍ ولا اسمُ مَفعول. ويُقابِلُه أنَّ ت-ر-ك لا يَرِدُ في المُسَجَّلِ إلّا ماضِياً في مَواضِعِه الأربَعةِ كُلِّها. فالجَذرانِ يَقتَسِمانِ حَقلَ الزَّمَنِ اقتِساماً لا يَتَداخَل، وهُما في سورةٍ واحِدةٍ وفي أحكامٍ مُتَجاوِرة. وأصرَحُ ما يَدُلُّ على أنَّ القِسمةَ لِلجَذرِ لا لِلوَقائِعِ أنَّ ٢:١٨٠ تُجري الماضي («إن تَرَكَ خَيراً») على رَجُلٍ لم يَمُتْ بَعد، وأنَّ ٢:٢٣٤ تُجري المُضارِعَ («ويَذَرونَ أزواجاً») على قَومٍ يُتَوَفَّونَ بِالفِعل. فلَو كانَ الزَّمَنُ هو الحاكِمَ لانعَكَسَتِ الصِّيغَتان.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • tark (التَّرك، ت-ر-ك): الفِعلُ الآخَرُ لِلتَّخلِيَةِ في

المُسَجَّل، وهُما في البَقَرةِ مَعاً. والفَرقُ يُقرَأُ من تَرتيبِ الحُروف: و-ذ-ر يَبتَدِئُ بِحَلقةٍ مُحيطةٍ ويَنتَهي بِجَريان، فحَرَكَتُه من إحاطةٍ إلى خُروج. وت-ر-ك يَبتَدِئُ بِمَسكةٍ ضَعيفةٍ ويَنتَهي بِكَتمٍ غائِر، فحَرَكَتُه من إفلاتٍ إلى ثَبات. ولِذلك يَتَحَرَّكُ المَوذورُ ويَسكُنُ المَتروك: الأزواجُ يَتَرَبَّصنَ ثُمَّ يَخرُجن، والرِّبا يَخرُجُ من اليَد، والمُؤمِنونَ يُمَيَّزون. وفي مُقابِلِه يَثبُتُ المَتروكُ «في ظُلُماتٍ» و«صَلداً» وبَقِيّةً مَحمولةً في تابوت. فالفَرقُ لَيسَ بَينَ المَوتِ والحَياة: ٢:١٨٠ في مَيِّتٍ وهي لِـت-ر-ك، و٢:٢٧٨ في حَيٍّ وهي لِـو-ذ-ر. الفَرقُ أنَّ أحَدَهُما يُخرِجُ والآخَرَ يُثَبِّت.

  • imsak (الإمساك، م-س-ك): نَقيضُه في العَمَلِ لا في الصّورةِ

وَحدَها. الإمساكُ قَبضٌ يَمنَعُ الخُروج، والوَذرُ فَتحٌ يُتِمُّه. وقد وَقَعا في سورةٍ واحِدةٍ في بابِ النِّساءِ نَفسِه، فيُقرَأُ «فإمساكٌ بِمَعروفٍ» في مُقابِلِ ما يَجري بَعدَ انفِراجِ العِصمة.

  • tasrih (التَّسريح، س-ر-ح): إطلاقٌ أيضاً، لكنَّه فِعلُ الحَيِّ

القاصِدِ في عِصمةٍ قائِمة، وفيه إرسالُ المُسَرَّحِ إلى مَرعىً. والوَذرُ لا يَشتَرِطُ قَصداً ولا وِجهةً: في ٢:٢٣٤ و٢:٢٤٠ يَقَعُ بِالتَّوَفّي، فالحَلقةُ تُفتَحُ ولا يَفتَحُها أحَد.

  • nisyan (النِّسيان، ن-س-ي): تَخلِيَةٌ بِذُهولٍ لا فِعلَ فيها ولا

مَحَلَّ يُسَمّى. والوَذرُ يُسَمّي المَحَلَّ في كُلِّ مَوضِعٍ من مَواضِعِه («أزواجاً»، «ما بَقِيَ من الرِّبا»، «المُؤمِنين»، وضَميرُ الأرضِ في ٢٠:١٠٦ عائِداً على ما سُئِلَ عنه قَبلَ آية)، ولا يَقَعُ إلّا وقد عُرِفَ ما يَخرُج.

  • i3rad (الإعراض، ع-ر-ض): تَحَوُّلُ الفاعِلِ بِوَجهِه، والمُعرَضُ

عنه باقٍ على حالِه لم يَخرُجْ من شَيء. والوَذرُ لا يَتَحَرَّكُ فيه الفاعِلُ أصلاً، إنَّما يَتَحَرَّكُ المَحوِيُّ خارِجاً.

  • hijra (الهِجرة، هـ-ج-ر): مُفارَقةُ مَوضِعٍ بِانتِقالِ المُفارِق.

والوَذرُ عَكسُها في اتِّجاهِ الحَرَكة: هُناكَ يَخرُجُ صاحِبُ الحَوزةِ عنها، وهُنا يَخرُجُ ما في الحَوزةِ ويَبقى صاحِبُها.

المَواضع: مَواقعُ الوَذر في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٣٤ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ القرآنَ مُضارِعاً مَعطوفاً على مَبنِيٍّ لِلمَجهول، فالوَذرُ يَقَعُ في وَقتِ التَّوَفّي لا بَعدَه، وصاحِبُه لا يَفعَلُه قَصداً بَل تُفتَحُ حَوزَتُه عليه. والمَوذورُ ذَواتٌ لا أموال، ويُذكَرُ بَعدَها ما يَجري بِهِنَّ لا ما يَستَقِرّ: تَرَبُّصٌ بِأنفُسِهِنَّ مَحدودٌ بِمُدّة، ثُمَّ بُلوغُ أجَل، ثُمَّ فِعلٌ في أنفُسِهِنَّ لا جُناحَ فيه. فالخارِجُ من الحَلقةِ يَملِكُ نَفسَه بَعدَ مُدّةٍ تَجري، وهذا هو ر الجَذرِ في الحُكم. انظُر التَّرَبُّص والزَّوج والأجَل.
  • ٢:٢٤٠ ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: تُعادُ الجُملةُ الأولى بِلَفظِها ويَختَلِفُ ما بَعدَها. الجَديدُ: هُناكَ حُكمٌ عليهِنَّ (تَرَبُّص)، وهُنا حَقٌّ لَهُنَّ (وَصِيّةٌ ومَتاعٌ إلى الحَول)، فيَتِمُّ بِالمَوضِعَينِ وَجها الخُروجِ الواحِد: ما يَلزَمُ الخارِجَ وما يَلزَمُ لَه. وبِهذا المَوضِعِ يُقرَأُ الفَرقُ عن ٢:١٨٠ قِراءةً حاسِمة: هُناكَ وَصِيّةٌ فيما تَرَكَ من مال، وهُنا وَصِيّةٌ لِمَن وَذَرَ من ذَوات. فالمَتروكُ مَوضوعُ الوَصِيّةِ والمَوذورُ المُوصى لَه. وتَختِمُ الآيةُ بِـ«فإن خَرَجنَ»، فيُسَمّى الخُروجُ بِاسمِه ويُنَصُّ على أنَّ لَهُنَّ أن يَخرُجنَ. انظُر الوَصِيَّة والمَتاع والحَول.
  • ٢:٢٧٨ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: أوَّلُ أمرٍ بِالجَذر. الجَديدُ: المُخاطَبُ حَيٌّ يَملِكُ ما يُؤمَرُ بِإخراجِه، فيَسقُطُ أن يَكونَ المَوتُ شَرطاً في الوَذر، ويَظهَرُ الجامِعُ بَينَ هذا وبَينَ المَوضِعَينِ قَبلَه: انفِراجُ الحَوزةِ عمّا فيها، فُتِحَت بِالتَّوَفّي أو فَتَحَها صاحِبُها. والمَوذورُ «ما بَقِيَ» فِعلاً لا اسماً: ما زالَ في اليَدِ ساعةَ الأمر، فالأمرُ واقِعٌ على المُتَّصِلِ بِه لا على ما انقَطَع. وقُرِنَ بِالتَّقوى قَبلَه وبِالإيمانِ بَعدَه، فجُعِلَ فَتحُ الحَوزةِ عَلامةً لا مُعامَلةً حِسابِيّة. انظُر الرِّبا والتَّقوى والتَّرك.
  • ٣:١٧٩ ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: المَوضِعُ المَنفيُّ الوَحيد، والوَحيدُ خارِجَ البَقَرة. الجَديدُ: هو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُقَيَّدُ فيه المَوذورُ بِحالٍ يَثبُتُ عليها («على ما أنتُم عليه»)، وهي بِعَينِها صيغةُ ٢:١٧ لِـت-ر-ك (مَفعولٌ ومَعَه ظَرفُ حالٍ يَستَقِرُّ فيه)، فتُثبَتُ هُناكَ وتُنفى هُنا بِلامِ الجُحود. فالقرآنُ نَفسُه يَمنَعُ هذا الجَذرَ من أن يُثَبِّتَ مَحَلَّه. ثُمَّ تُذكَرُ الغايةُ «حتّى يَميزَ الخَبيثَ من الطَّيِّب»، والتَّمييزُ فَرزٌ دَقيقٌ لِمَخلوط، وهو الوَجهُ الذي في ذ من النَّثرِ الدَّقيق. فالمَنفيُّ لَيسَ الوَذرَ بَل وَذرٌ يَقِفُ دونَ الفَرز، والمُثبَتُ وَذرٌ يَمضي إلى آخِرِه. انظُر الخَبيث والطَّيِّب والتَّرك.
  • ٢٠:١٠٦ ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾: المَوذورُ أرض، والهَيئةُ تُذكَرُ بَعدَ الفَتح. الجَديدُ: يَقَعُ الوَذرُ على أرضٍ لا على ذَواتٍ ولا على مال، فيَسقُطُ الحَصرُ الذي كانَ في القِسمِ السّادِسِ بَينَ البابَين. ويَتَقَدَّمُه في الآيةِ قَبلَها ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾، فيَظهَرُ التَّرتيبُ الذي يَقتَضيه الجَذر: يُقلَعُ ما كانَ يَحوي أوَّلاً، ثُمَّ تُترَكُ الحَوزةُ مَفتوحةً بَعدَه. والفاءُ تَجعَلُ الوَذرَ نَتيجةً لِلنَّسفِ لا فِعلاً ثانِياً مُستَقِلاًّ. وأوَّلُ ما يُذكَرُ في المُسَجَّلِ بَعدَ هذا الفِعلِ هَيئةُ ما بَقِيَ («قاعاً صَفصَفاً») لا ما يَلزَمُ الخارِجَ ولا غايةٌ يُنتَهى إليها، ثُمَّ تُؤَكَّدُ الهَيئةُ بِنَفيِ الرُّجوعِ إليها في ٢٠:١٠٧ ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وهو ر الجَذرِ ظاهِراً: ما خَرَجَ لا يُحبَسُ ثانِيَةً ولا يَبقى منه أثَرٌ يُتَعَلَّقُ بِه. وفاعِلُه اللهُ صَريحاً في فِعلٍ مُثبَتٍ لِأوَّلِ مَرّة. انظُر الأَرض.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ التَّرك في ٢:١٨٠ و٢:٢٤٠: لَفظُ «وَصِيّة» يَقَعُ على

الجَذرَينِ في سورةٍ واحِدةٍ وفي مَيِّتٍ واحِدِ الصّورة، فيَنكَشِفُ الفَرقُ بِلا حاجةٍ إلى قِياس: ما تَرَكَ يوصى فيه وما وَذَرَ يوصى لَه. وهذا أوثَقُ شاهِدٍ في المَفهومَين، لِأنَّ الشّاهِدَ فيه لَفظٌ ثالِثٌ مُشتَرَكٌ لا تَأويلٌ لِأحَدِ الجَذرَين.

  • مَعَ التَّرك في ٢:٢٤٨ و٢:٢٧٨: لَفظُ البَقاءِ يُقارِنُ

الجَذرَينِ ويَجري في جِهَتَينِ مُتَعاكِسَتَين. «بَقِيّةٌ مِمّا تَرَكَ» اسمٌ مَحمولٌ في تابوتٍ يَأتي إليك، و«ما بَقِيَ من الرِّبا» فِعلٌ في يَدِكَ أُمِرتَ بِإخراجِه. فالباقي عن تَركٍ يَصِلُ، والباقي المَأمورُ بِوَذرِه يُفارِق.

حالاً لِلمَوذورِ بَل فِعلاً تَفعَلُه هي بِنَفسِها («يَتَرَبَّصنَ بِأنفُسِهِنَّ»)، فيُقرَأُ الخُروجُ من الحَلقةِ انتِقالاً إلى مِلكِ النَّفسِ لا انقِطاعاً وحَسب.

  • مَعَ الرِّبا في ٢:٢٧٨: الرِّبا زِيادةٌ نامِيةٌ مُلتَصِقةٌ

بِرَأسِ المال، والأمرُ بِالوَذرِ يُخرِجُ الزِّيادةَ ويُبقي الأصل. فهو أوضَحُ صورةٍ لِلجَذر: حَوزةٌ تُفتَحُ فيَخرُجُ ما لَيسَ منها ويَبقى ما هو منها.

مَخلوطانِ في جَماعةٍ واحِدة، والتَّمييزُ هو الغايةُ التي لا يَقِفُ الوَذرُ دونَها. فيُقرَأُ الابتِلاءُ في السّورةِ على أنَّه فَتحُ الجَماعةِ لا عُقوبةٌ لِأحَد.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل خُلُوُّ الجَذرِ من الماضي عامٌّ في القرآنِ كُلِّه؟ الثّابِتُ

بِالفَحصِ أنَّه عامٌّ في السُّوَرِ السِّتِّ والثَّلاثينَ المَنشورة: خَمسةُ مَواضِعَ، لا ماضِيَ في واحِدٍ منها. وازدادَ الشّاهِدُ بِنَشرِ الإسراءِ وطه من طَرَفَيه: زادَ في هذا الجَذرِ مُضارِعٌ خامِسٌ ولم يَزِدْ في ت-ر-ك شَيءٌ أصلاً، فبَقِيَتِ القِسمةُ بَينَهُما على ما هي عليه. وأهلُ اللُّغةِ يَقولونَ بِإماتةِ الماضي في الاستِعمالِ كُلِّه، وهو مُوافِقٌ لِما وُجِد، لكنَّه خارِجُ ما يَشهَدُ لَه المُسَجَّل. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة، وإن ظَهَرَ ماضٍ واحِدٌ سَقَطَ الاستِدلالُ بِالقِسمةِ في القِسمِ الثّاني ولم تَسقُطْ قِراءةُ الجَذر. مَفتوح.

  • ٣:١٧٩: أالمَنفيُّ الوَذرُ نَفسُه أم الوَذرُ المُقَيَّدُ بِـ«على»؟

القِراءةُ هُنا على الثّاني، لِأنَّ الغايةَ المَذكورةَ بَعدَه («حتّى يَميزَ») إتمامٌ لِلفَرزِ لا إبطالٌ لَه، ولِأنَّ «على» تَقتَضي استِعلاءً وثَباتاً يُنافي الجَذر. والوَجهُ الأوَّلُ مُحتَمَلٌ لَفظاً، ولَو صَحَّ لَصارَ المَوضِعُ نَفياً لِلجَذرِ لا تَقييداً لَه. مَفتوح.

  • على ماذا يَقَعُ الوَذر؟ اتَّسَعَ البابُ ولم يَنغَلِق. كانَ

السُّؤالُ هُنا بَينَ الأموالِ والذَّواتِ وَحدَهُما، والمَواضِعُ أربَعةً: ثَلاثةٌ في ذَواتٍ (أزواجٌ مَرَّتَينِ والمُؤمِنون) وواحِدٌ في مالٍ مَوصوفٍ بِالبَقاء. فجاءَ ٢٠:١٠٦ بِثالِثٍ لَيسَ منهُما: أرضٌ. فالجَذرُ لا يَحُدُّ جِنسَ المَوذورِ أصلاً، وإنَّما يَحُدُّ أن يَكونَ مَحوِيّاً في حَوزةٍ تَنفَرِج. والباقي من السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ المالَ لم يَقَعْ مَفعولاً إلّا مَرّةً واحِدةً وهو المالُ الذي يَجِبُ أن يُفارِقَ لا الذي يُورَث. مَفتوح.

  • الواوُ الأولى: أهي أصلٌ سَقَطَ أم زِيادةٌ لَحِقَت؟ المُعجَمُ

يَرُدُّ «ذَرْ» و«يَذَرُ» إلى و-ذ-ر ويَجعَلُ سُقوطَ الواوِ صَرفِيّاً كَما في «يَعِدُ». وعليه بُنِيَت قِراءةُ الحُروفِ هُنا. ولَو رُدَّ الجَذرُ إلى ذ-ر-ر لَتَغَيَّرَ التَّحليلُ ولَبَقِيَ حُكمُ المَواضِعِ كَما هو، لِأنَّ الفَرزَ الذي في ذ ثابِتٌ في الوَجهَين. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن