الليل · الآية 8

﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ

«وَأمّا»: التَّقابُلُ المَوزون

السورةُ تَعتَني بِالتَّوازُن. الفاءُ في الآيةِ الخامِسَةِ سَبَبيَّةٌ تَفصيليَّة: «فَأَمّا مَن أَعطى». الواوُ في الآيةِ الثامِنَةِ عاطِفَة: «وَأَمّا مَن بَخِلَ». الفَرقُ الدَّقيقُ بَين الأداتَين يُحَفِّظُ المُتَلَقِّي بِأنَّ القُطبَ الثاني ليس فَرعاً مِنَ الأوَّل، بَل مَوقِفاً مَوازِياً لَه. كلٌّ بِحَدِّه.

وَ«مَن» مَفتوحَةٌ كَما كانَت مَفتوحَةً في الآيةِ الخامِسَة. لا فَردٌ مُسَمَّى. السورةُ لا تَتَكَلَّمُ عَن شَخصٍ بِعَينِه. كلُّ مَن صَدَقَت عَلَيه الصِّفاتُ دَخَلَ في الجَواب. القُطبانِ صِنفانِ مَفتوحانِ، يَدخُلُ فيهِما القارئُ بِنَفسِه إنِ انطَبَقَت عَلَيه الصِّفات.

«بَخِلَ»: انقِباضُ يَدٍ

الجِذرُ ب-خ-ل يَدُلُّ على القَبضِ والإمساكِ بِما يَنبَغي إعطاؤه. وَ«بَخِلَ» في الماضي: قَد فَعَل. لا يُحَدَّدُ ما بَخِلَ بِه، كَما لَم يُحَدَّدْ ما أَعطى الأَوَّل. كلُّ صورَةٍ مِنَ البُخلِ تَدخُلُ: بُخلٌ بِمال، بِكَلِمَة، بِعِلم، بِمَعونَة. اليَدُ تَنقَبِض، وَأيَّاً كانَ ما تَحتَها يُحبَس.

وَفي الكِتابِ يُوصَفُ البُخلُ في مَواضِعَ كَريمَةٍ كاشِفَة: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾. البُخلُ ليس مُجَرَّدَ امتِناعٍ عَن إعطاء، بَل امتِناعٌ عَمّا أُوتي. ما في يَدِ الإنسانِ ليس مِنه أَصلاً؛ هُوَ ما أُوتيَه. والبَخيلُ يَتَصَرَّفُ بِما أُوتيَ كأنَّه مِلكَه المُستَقِلّ.

«استَغنى»: ادِّعاءُ الكِفايَةِ مِنَ النَّفس

الصِّيغَةُ «استَغنى» على وَزنِ استَفعَل، وَهُوَ وَزنُ طَلَبِ الفِعلِ مِنَ النَّفسِ أَو ادِّعائِه. لا «غَنيَ» فَحَسب (كانَ غَنِيّاً)، بَل «استَغنى» (طَلَبَ الغِنى لِنَفسِه أَوِ ادَّعاهُ). والغِنى الحَقيقيُّ ليس بِيَدِ الإنسان؛ هُوَ ما يُؤتاهُ. لكنَّ البَخيلَ يُقَدِّرُ نَفسَه غَنياً بِما في يَدِه، فَيَستَغني عَن أَن يَعرِفَ أنَّ ما في يَدِه هُوَ مِنَ الذي أَعطاه.

وَهذه الكَلِمَةُ هي مِفتاحُ القُطبِ الثاني. لَم يَقُلِ النَّصُّ «بَخِلَ ولَم يَتَّقِ»، بَل «بَخِلَ واستَغنى». الاستِغناءُ هُوَ السَّبَبُ الباطِنيُّ لِلبُخل. مَن ظَنَّ نَفسَه غَنِيًّا عَن كلِّ مَن هُوَ فَوقَه لا يَرى داعياً لِأن يُعطيَ أو يَتَّقي. هُوَ يَدُه وقَدَمُه ومَوقِفُه. لا حِسابَ لَه إلّا مَع نَفسِه.

وَفي الكِتابِ: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾. الطُّغيانُ ابنُ الاستِغناء. مَن رَأى نَفسَه غَنياً انطَلَقَ بِغَيرِ حَدٍّ، وَتَجاوَزَ ما لا يَنبَغي تَجاوُزُه. وَفي سورتِنا الكَلِمَةُ نَفسُها تَنزِلُ في القُطبِ الثاني: استِغناءُ النَّفسِ هُوَ الجِذرُ الذي يَنبُتُ مِنه البُخلُ والتَّكذيب.


حَصيلة

القُطبُ الثاني يَنزِلُ بِتَركيبٍ يُوازي القُطبَ الأوَّل. «بَخِلَ» يُقابِلُ «أَعطى»: اليَدُ تَنقَبِض. «اسْتَغنى» يُقابِلُ «اتَّقى»: الجِذرُ غ-ن-ي ادِّعاءُ الاكتِفاءِ عن الإطار. مَن يَستَغني عن التَّقوى يَمشي بِغَيرِ حِسابٍ لِما هو أَكبَرُ منه. التَّقابُلُ ليس بَين كَريمٍ وبَخيل، بَل بَين مَن يَعرِفُ أنَّ ثَمَّةَ ما هو أَكبَرُ منه ومَن يَظُنُّ نَفسَه غَنِيّاً عن كلِّ مَوقِف.