آل عمران · الآية 180

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

«وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... هُوَ خَيْرًا لَّهُم»: النهيُ يَنقضُ تقديرَ البخل

تَعطِفُ الواوُ نهياً مؤكَّداً بنونِ التوكيد، والفاعلُ موصولٌ عرّفتْه صلتُه بالمضارعِ «يبخلون». والبخلُ من ب-خ-ل، وأصلُه اتصالٌ يَدخُلُ اختراقاً ثمّ يَتعلّقُ بالمَحلِّ حابساً ما فيه. والباءُ تَربِطُه بما آتاهم الله من فضلِه، فتَحفظُ العطاءَ من الله ومصدرَه من فضلِه. والضميرُ «هو» يعودُ إلى ما بخلوا به، و«خيراً لهم» هو التقديرُ المنهيُّ عنه، لا حقيقةٌ يُثبتُها طولُ الإمساك.

«بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ»: الإضرابُ يَستبدِلُ الحكمَ المقابل

ثمّ تأتي «بل» فتَتركُ حسبانَ الخيرِ وتُثبِتُ «هو شرّ لهم». وبقاءُ الضميرِ المفردِ يَحفظُ المرجعَ نفسَه، وهو ما بخلوا به في صلتِه بالبخل، وتقديمُ الخبرِ واللامِ يَجعلُ الشرَّ عائداً عليهم. فالموهوبُ الذي حبسوه انقلبَ في التقديرِ من خيرٍ موهومٍ إلى شرٍّ يَخصُّهم، وبذلك يَردُّ الإضرابُ حسابَهم من أساسِه.

«سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: المستقبلُ يَجعلُ المحبوسَ مُحيطاً

والسينُ تَفتحُ مستقبلاً مبنيّاً للمجهول: سيطوّقون. والطوقُ من ط-و-ق، ومادّتُه إطباقٌ عَريضٌ يَغشى الشَّيءَ ثمّ يَنعَقِدُ عَلَيه ويَلتَئِمُ طَرَفاه، وبناءُ الفعلِ على التفعيلِ يُعيدُ الإحاطةَ حتى تَلزَم، فلا تَكونُ حَلقةً تُشَدُّ مرّةً ثمّ تُفَكّ. والمفعولُ الثاني «ما بخلوا به» يُعيدُ الشيءَ المحبوسَ نفسَه، والظرفُ «يوم القيامة» يُعيّنُ الزمن. وما أمسكوه بأيديهم يعودُ محيطاً بهم، فالعلاقةُ بينَ البخلِ والطوقِ تَكشفُ انقلابَ الحيازةِ قيداً.

«وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: الملكُ الأخيرُ يَكشفُ وَهمَ الإمساك

والواوُ تَعطفُ جملةً اسميّةً يتقدّمُ فيها «لله» للحصرِ والاختصاص. والميراثُ من و-ر-ث، وهو عقدٌ يَجري نافذاً ثمّ تَجمعُه الكثافةُ الدقيقةُ في انتقالِ ما يَبقى، وقد أُضيفَ إلى السماواتِ والأرضِ المعطوفتين، فيَشملُ ما أضافَه النصُّ إليهما: السماواتِ والأرضَ مجموعتَينِ تحتَ لامِ الاختصاص. وما أُوتوه من فضلِه داخلٌ في هذا الميراثِ نفسِه، فالجملةُ تَردُّ مآلَ السماواتِ والأرضِ إلى الله وتَضعُ الإمساكَ تحتَه.

«وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»: العَمَلُ يَبقى داخِلَ الخِبرة

ثمّ تَستأنفُ الواوُ جملةً اسميّةً يُعادُ فيها اسمُ الله ظاهراً، وتَتقدّمُ الباءُ مع الموصولِ «ما تعملون» على الخبرِ «خبير». والخبرةُ من خ-ب-ر، ومدارُها على اختراقٍ يَتَّصلُ ثمّ يَجري نافذاً، وصيغةُ المبالغةِ تَحملُ كثافةَ المعرفةِ واستمرارَها. وانتقالُ الضميرِ من الغيبةِ في «يبخلون» إلى الخطابِ في «تعملون» يَفتحُ الخاتمةَ لكلِّ المخاطَبين، ولا يَحصرُ الخبرةَ في البخلِ وحدَه، مع بقائِه داخلاً في العمل.


حَصيلة

يَنقضُ النهيُ حسبانَ الذين يَبخلونَ بما آتاهم الله من فضلِه أنّ المحبوسَ خيرٌ لهم، ويُثبِتُ المقابل: هو شرٌّ لهم. ثمّ يَصيرُ الشيءُ نفسُه طوقاً يُحيطُ بهم يومَ القيامة، فتَنقلبُ الحيازةُ إحاطةً على صاحبِها. وجملةُ الميراثِ تَردُّ مآلَ السماواتِ والأرضِ إلى الله، فتَكشفُ محدوديّةَ الإمساك، والانتقالُ إلى خطابِ «تعملون» يَختمُ بخبرةِ الله الكثيفةِ المستمرّةِ بكلِّ العمل، فيَدخلُ الإمساكُ وغيرُه في خِبرةٍ واحدةٍ تُحيطُ بالجميع.