البقرة · الآية 66

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ

«فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا» جذر: ن-ك-ل

الجذر ن (رَنين + انبِعاث) + ك (كَتم + قَطع) + ل (تَعَلُّق + امتِداد)، فالنَّكالُ حَبسٌ يَنفذ ويَمتدّ على المَحبوس فيُقعده عن الحَركة، ومنه «نَكَل عن الأمر» أي امتنَع عنه تحت ضَغطٍ داخليّ. والنَّكالُ عُقوبةٌ، ثُمَّ هي تَعمل في مَن يَراها أو يَسمع بها، تَكبِح خُطاه قبل أن يُقدم على مِثل الفِعل.

«لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا»

وقَولُه لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا يَحتَمِلُ المَكانَ (ما حَولَها)، والزَّمانَ (ما قَبلَ الحادثةِ وما بَعدَها)، والفِعلَ (الذنوبَ السابِقةَ واللاحِقة). والسِّياق يُرجّح أنّ المَقصود الزَّمن: الحادِثةُ تَعمَلُ على ما بَينَ يَدَيها (ما كانَ قَبلَها) فتَرُدُّ مَن رَأى مَصيرَ المُتَجاوِزين، وعلى ما خَلفَها (ما يَجيءُ بَعدَها) فتَكبَحُ مَن سَمِعَ بِها، فالعُقوبة الواحدة تَخترق الزَّمن في اتّجاهَين.

«وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ» جذر: و-ع-ظ

والوَعظ و (وَصل + رَبط) + ع (ظُهور من عُمق) + ظ (بُروز + حِدّة)، فالمَوعظة رَبطٌ يَنزل على عُمقٍ فيَظهر أثرُه. والفَرق بين النَّكال والمَوعظة فَرقُ تَلقٍّ: النَّكال يَعمل على مَن لا قابليّة له إلّا للجَبر، والمَوعظة تَعمل على مَن له قَلبٌ مُستعدّ. وأوثِرَ «المُتّقين» على «النَّاس»، والمَعنى أنّ الدَّرس لا يَصل إلّا لمَن بَنى الوِقاية.


حَصيلة

تُكمِلُ الآيةُ مَشهَدَ الآيةِ السّابِقةِ بِتَعيينِ وَظيفَتَين: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. و«نَكال» من (ن-ك-ل)، وهو الرَّدعُ والتَّمثيلُ الذي يَحجُزُ المُحاكيَ. فالعُقوبةُ تَعمَلُ في اتِّجاهَينِ زَمَنيَّين: ما جاءَ قَبلَها مِمَّن رَأَوا مَصيرَ المُتَجاوِزين، وما جاءَ بَعدَها مِمَّن سَمِعوا. والوَظيفةُ الثّانيةُ مُحَدَّدةُ المُتَلَقّي، فهي «مَوعِظةً لِلمُتَّقين» دونَ الجَميع، و(و-ع-ظ) إيقاظُ القَلبِ بِما يَستَأهِلُ الانتِباه. فالحَدَثُ الواحِدُ يَشتَغِلُ في مُستَوَيَين: ضاغِطٌ على مَن غَفَلَ في مَحيطِه الزَّمَنيّ، ومُرَبٍّ لِقَلبِ مَن حَمَلَ وِقايَتَه الدّاخِليّة. والأَحداثُ الكُبرى في السُّنَنِ الإلهيّةِ تَستَمِرُّ بَعدَ وُقوعِها تَعمَلُ في الزَّمَنِ رَدعاً وتَربيةً، ولا تَنتَهي بِه، وكُلُّ مَن يَقرَأُ هذه الآيةَ داخِلٌ في نِطاقِ «ما خَلفَها».