آل عمران · الآية 138

﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ

«هَٰذَا بَيَانٌ»: ما سَبقَ يَصيرُ كَشفاً حاضِراً

يَفتَحُ اسمُ الإشارةِ القريبُ «هذا» جملةً اسميّةً ويَحضُرُ به ما تقدّمَ من السُّننِ والسَّيرِ والنظرِ والعاقبة، والإشارةُ تَلتقطُ البيانَ القريبَ في السياق، ولا يُسمّي التركيبُ كتاباً آخرَ ولا خطاباً غائباً. و«بيان» خبرٌ من ب-ي-ن، ومادّتُه انفِتاحٌ يُخرِجُ ما في الباطِنِ إلى الظّاهِر، فيَرسُمُ ظهوراً يَفصلُ المَواقعَ ويَكشفُها. والتنكيرُ يُقدِّمُه بياناً ذا أثرٍ من غير حصرِه في اسمٍ زائد.

«لِّلنَّاسِ»: الكَشفُ يَخرُجُ إلى عمومِ المُتلقّين

واللّامُ تَتعلّقُ بـ«بيان» وتَصلُه بالناس. والناسُ من أ-ن-س إطلاقٌ يَدخُلُ احتواءً جوفيّاً ثمّ يَجري في مَجرىً متّصل، فيَحمِلُ جَماعةً يَأنسُ بعضُها ببعضٍ ويَظهَرُ حضورُها، واللفظُ جمعيٌّ عامٌّ لا يَخصُّ نسباً أو طبقةً أو أصحابَ معرفةٍ سابقة. وبهذا تَتَّسعُ وظيفةُ البيانِ في صدرِ الآية، فما أُشيرَ إليه مُتاحٌ للناسِ بوصفِهم متلقّين. والجملةُ تُحدِّدُ جهةَ الكشف، ولا تقولُ إنّ كلَّ متلقٍّ قد اهتدى.

«وَهُدًى»: الكَشفُ يَصيرُ توجيهاً

والواوُ تَعطِفُ «هدى» على «بيان»، فلا يَبقى ما تقدّمَ كشفاً ساكناً. والهُدى من ه-د-ي فراغٌ يَنفتِحُ فيه المَجرى ثمّ يَثبُتُ بالدفعِ النافذ، ويَمتَدُّ صوتُه إلى الوِجهة، فيَحمِلُ دلالةً تَقودُ خلالَ مَسارٍ مفتوح. والتنكيرُ يُبقيه هدىً عاملاً، والعطفُ يَربِطُه بالبيانِ من غير أن يُذيبه فيه، أي أنّ البيانَ يُظهِرُ والهدى يُوجّه. ولا تُضيفُ الآيةُ وجهةً خارجَ ما كشفَه السياقُ من الفعلِ وعاقبتِه.

«وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ»: التَّذكيرُ يَختصُّ بأصحابِ الوِقاية

والواوُ تُضيفُ اسماً ثالثاً هو «موعظة». والوعظُ من و-ع-ظ إحاطةٌ تَحتَوي الشَّيءَ ثُمَّ تَقبِضُ عَلَيه في العُمقِ ثمّ تُطبِقُ عَلَيه حِجاباً، فيَحمِلُ قولاً يَدخُلُ إلى الباطنِ ليَصنعَ حاجزاً عن المَحذور، وتَتعلّقُ به اللّامُ الثانيةُ فتَصلُ الموعظةَ بالمتّقين. والوِقايةُ من و-ق-ي وَصلٌ يَنعَقِدُ في العُمقِ ويمتدُّ في لِين، واسمُ الفاعلِ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّة. والبيانُ للناسِ عامّةً، أمّا الانتفاعُ المسمّى موعظةً فمَربوطٌ بأصحابِ الصَّون.


حَصيلة

تُشيرُ «هذا» إلى الخطابِ القريبِ وتَمنحُه ثلاثَ وظائفَ مترابطة: فهو بيانٌ يُخرِجُ المعنى إلى الكشفِ للناسِ من غير تخصيص، وهدىً يَنقلُ الكشفَ إلى وِجهة، وموعظةٌ تَصِلُ إلى الباطنِ فتَصنعُ حاجزاً للمتّقين. وتوزيعُ اللّامينِ يَفصلُ بينَ عمومِ الإبانةِ وخصوصِ الانتفاعِ الوقائيّ، من غير أن يَغلِقَ البيانَ عن أحد. ولا تَستوردُ الآيةُ مادّةَ موعظةٍ أخرى، والذي أُشيرَ إليه بهذه الأسماءِ هو ما مرَّ من السُّننِ والعاقبة.