البقرة · الآية 231

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

مَوقِعُ الآية: تَضييقُ ثَغرةٍ في التَّشريعِ السّابِق

أنشَأَتِ الآياتُ السّابِقةُ (228-230) بِنيةَ الطَّلاقِ الرَّجعيّ: المَرأةُ في عِدّة، والزَّوجُ لَه حَقُّ الرَّجعة. غَيرَ أنَّ هذه البِنيةَ يُمكِنُ أن تُستَغَلَّ استِغلالًا شَيطانيًّا، بِأن يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثُمَّ يُراجِعَ في اللَّحظةِ الأخيرةِ قَبلَ انتِهاءِ العِدّة، لِيُجَدِّدَ العَذابَ لا لِيُصلِح، فجاءَت هذه الآيةُ لِتَسُدَّ هذه الثَّغرةَ بِصَرامة.

جَذرُ (ب ل غ) وَ«بَلَغنَ أجَلَهُنَّ»: لَحظةُ الحَسم

ومَعنى فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ قارَبَت عِدَّتُهُنَّ الانتِهاء، لا انقَضَت تَمامًا، لأنَّها لَو انقَضَت لَما كانَ لِلزَّوجِ خِيارُ الإمساك. فاللَّحظةُ المَقصودةُ هيَ الفَترةُ الحَرِجةُ قُبَيلَ انتِهاءِ العِدّة، حينَ يَكونُ الزَّوجُ أمامَ قَرارٍ حاسِم: أُراجِعُ أم نُفَرِّق؟

تَوازي «أَمْسِكُوهُنَّ / سَرِّحوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ»: المَعيارُ واحِد

وقد تَكَرَّرَت كَلِمةُ بِمَعْرُوفٍ مَرَّتَينِ مُتَتالِيَتَين، لِلإمساكِ ولِلتَّسريحِ مَعًا، وهذا مُهِمٌّ جِدًّا، والمِعيارُ واحِدٌ لا يَختَلِفُ بِاختِلافِ الخِيار، فالإمساكُ لا يَجوزُ إلّا بِمَعْرُوفٍ، والتَّسريحُ لا يَجوزُ إلّا بِمَعْرُوفٍ، ولا طَريقَ لِلرَّجُلِ أن يَنتَقِمَ مِن زَوجَتِه بِخِيارٍ ما. (وقد جاءَ في الآيةِ السّابِقةِ بِإِحْسَانٍ في التَّسريح، وجاءَ هُنا بِمَعْرُوفٍ، والمَعنَيانِ يَتَقارَبانِ ويَلتَقِيانِ في صَونِ كَرامةِ المَرأة.)

جَذرُ (ض ر ر) وَ«ضِرارًا لِّتَعْتَدُوا»: الكَشفُ الصَّريحُ عَنِ النِّيَّةِ السَّيِّئة

والنَّهيُ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا نَصٌّ مُباشِرٌ على النِّيّة، مَعناه: لا تُعيدوهُنَّ إن كانَت نِيَّتُكُم أن تَضُرّوا بِهِنَّ. فالنَّصُّ القُرآنيُّ يَخوضُ في المَقصِد، ولا يَكتَفي بِتَشريعِ الفِعلِ الخارِجيّ (الرَّجعة)، وإرادةُ الإضرارِ عَيبٌ داخِليٌّ يُبطِلُ شَرعيّةَ الرَّجعةِ مِن أساسِها، والرَّجعةُ المَبنيّةُ على إرادةِ الإيذاءِ حيلةٌ، لا حَقّ.

جَذرُ (ظ ل م) وَ«ظَلَمَ نَفْسَهُ»: الظُّلمُ المُرتَدّ

وعُدِلَ عَن «فَقَد ظَلَمَها» إلى فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وهذا اختيارٌ عَميق، والظُّلمُ يَقَعُ أوَّلًا على المَرأةِ واقِعيًّا، غَيرَ أنَّ النَّصَّ يَنقُلُ النَّظَرَ إلى المُعتَدي نَفسِه: الرَّجُلُ الَّذي يُسيءُ استِخدامَ هذه الآياتِ يَهدِمُ فِطرَتَه، ويُفسِدُ داخِلَه، ويَبني في قَلبِه ظُلمة، وظُلمُ المَرأةِ عاقِبَتُه خَرابُ نَفسِه. وهذا تَنبيهٌ نَفسيٌّ وروحيٌّ لِلرَّجُلِ لِيَنتَبِهَ إلى أنَّه حينَ يَعبَثُ بِالمَرأةِ يَعبَثُ بِذاتِه قَبلَ كُلِّ شَيء.

«آياتُ اللهِ هُزُوًا»: أخطَرُ الانحِراف

وفي التَّعبيرِ حِدّة: وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، ومَن يَستَعمِلُ الرَّجعةَ لِلتَّعذيبِ دونَ الإصلاح، ويَستَعمِلُ الطَّلاقَ لِلَّعِبِ بِلا رَويّة، يَجعَلُ المَنظومةَ التَّشريعيّةَ لُعبةً في يَدِه، والنَّصُّ القُرآنيُّ يُسَمّي هذا «هُزُوًا» بِآياتِ الله، أي استِخفافًا بِها. وهذا يَضَعُ ثِقَلًا هائِلًا على الرَّجُل: تَصَرُّفُه في بَيتِه مَوقِفٌ أمامَ آياتِ الله، وليسَ مَسألةً خاصّة.

«الكِتابُ والحِكمة» و«يَعِظُكُم بِه»: التَّذكيرُ بِالهَديَّةِ الكُبرى

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ مِن النَّهيِ إلى التَّذكير: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ، وهذا التَّذكيرُ مُوَجَّهٌ لِمَن قَد يَستَعمِلُ الآياتِ سِلاحًا، وليسَ حِكمةً عامّة، لِيَتَذَكَّرَ أنَّ هذه الآياتِ نِعمةٌ لا ذَريعة، وأنَّ الكِتابَ والحِكمةَ يُعَلِّمانِه ولا يُسَلِّحانِه ضِدَّ زَوجَتِه.

خِتامُ التَّقوى: «بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»

وخِتامُ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يُغلِقُ البابَ على كُلِّ حيلة، و«بِكُلِّ شَيءٍ» تُشيرُ إلى أنَّ النِّيّةَ الخَفيّةَ مَعلومةٌ لَه سُبحانَه، فلا يَستَطيعُ الرَّجُلُ أن يُغَطّيَ نِيّةَ الإضرارِ بِلِسانٍ مَعسول، وكُلُّ ما يَختَفي في صَدرِه مَكشوفٌ عِندَ مَن يَعلَمُ كُلَّ شَيء.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الإمساكُ بِمَعْرُوفٍ» و«التَّسريحُ بِمَعْرُوفٍ» مِعيارانِ مُتَساويانِ في صَونِ كَرامةِ المَرأة، و«الضِّرارُ لِّتَعْتَدُوا» تَشخيصٌ صَريحٌ لِلنِّيّةِ السَّيِّئةِ خَلفَ الرَّجعةِ الكَيديّة، و«ظَلَمَ نَفْسَهُ» ارتِدادُ الظُّلمِ إلى فاعِلِه في أعماقِه، و«اتِّخاذُ الآياتِ هُزُوًا» تَشخيصُ أخطَرِ الانحِرافاتِ حينَ تُستَعمَلُ نُصوصُ التَّشريعِ سِلاحًا لا أداةً لِلإصلاح.


حَصيلة

تَسُدُّ الآيةُ ثَغرةً كانَ حَقُّ الرَّجعةِ قَد فَتَحَها، وهيَ استِخدامُ المُراجَعةِ أداةَ تَعذيبٍ بَدَلاً مِن الإصلاح، ويَرسُمُ النَّصُّ لِذلك ثَلاثةَ أسوارٍ مُتَتالِية. الأوَّل: جِذرُ ع-ر-ف في «بِمَعْرُوفٍ» مُكَرَّراً لِلإمساكِ ولِلتَّسريحِ على حَدٍّ سَواء، فلا طَريقَ لِلاقتِصاصِ في أيٍّ مِن الخِيارَين. الثّاني: جِذرُ ض-ر-ر في «ضِراراً لِّتَعْتَدُوا»، وهوَ تَشخيصٌ صَريحٌ لِلنِّيّةِ الخَفيّة، لأنَّ النَّصَّ يَخوضُ في المَقصَدِ ولا يَقتَصِرُ على الفِعلِ الخارِجيّ، فالرَّجعةُ المَبنيّةُ على إرادةِ الإيذاءِ حيلةٌ لا حَقّ. الثّالِث: جِذرُ ظ-ل-م في «فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ»، وهوَ ارتِدادُ الظُّلمِ إلى فاعِلِه في أعماقِه قَبلَ أن يُلاحِقَ ضَحيَّتَه، وفيه تَنبيهٌ نَفسيٌّ وروحيّ. ثُمَّ يُضيفُ النَّصُّ تَحذيراً حادّاً: وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فمَن يَستَعمِلُ نُصوصَ الطَّلاقِ في اللَّعِبِ يَستَخِفُّ بِما هوَ أعلى مِن مَصالِحِه الضَّيِّقة. ويَنتَهي بِذِكرِ النِّعمةِ ثُمَّ التَّقوى: الكِتابُ والحِكمةُ أُنزِلا تَعليماً لا تَسليحاً، والعِلمُ الإلهيُّ بِكُلِّ شَيءٍ يُغلِقُ بابَ التَّحايُلِ حَتّى بِأحسَنِ الكَلام.