النساء · الآية 42

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا

«يَوْمَئِذٍ»: اليَومُ الذي يُؤتى فيه بِالشُّهود

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«يَومَئذٍ»، والتَّنوينُ في «إذٍ» عِوَضٌ عن جُملةٍ مَطويّةٍ يَدُلُّ عَلَيها ما سَبَق: يَومَ إذ جِئنا من كُلِّ أُمّةٍ بِشَهيد. فالآيةُ قائمةٌ داخِلَ المَشهَدِ الذي سَألَت عَنه «فكَيفَ» في الآيةِ الحادِيةِ والأربَعين، وهي بَعضُ جَوابِه: ما يَكونُ عَلَيه فَريقٌ من الحاضِرينَ حينَ يُؤتى بِالشُّهود.

«يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ»: وُدٌّ يَتَعَلَّقُ بِأمنيّة

و«يَوَدُّ» من و-د-د، تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ على الشَّيءِ ويَثبُت، والوُدُّ مَيلٌ يَلزَمُ صاحِبَه، والمُضارِعُ يَجعَلُه جارياً في ذلك اليَوم. والوادّونَ «الَّذينَ كَفَروا وعَصَوُا الرَّسولَ»، مَوصولٌ واحِدٌ لَه فِعلانِ ماضِيانِ مَعطوفان، فهُم فَريقٌ واحِدٌ جَمَعَ الوَصفَين. والكُفرُ من ك-ف-ر سَترٌ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهور، والعِصيانُ من ع-ص-ي صَلابةٌ تَنطَبِقُ على نَفسِها وتَمضي في وِجهَتِها مُنفَرِدةً عمّا يُرادُ مِنها، كما قُرِئَ «يَعصِ» في الآيةِ الرّابِعةَ عَشرة. و«الرَّسولَ» مُعَرَّفٌ بِاللّام، رَسولٌ مَعهودٌ في الخِطاب، والرَّسولُ من ر-س-ل مَن يُطلَقُ إلى غايةٍ يَبلُغُها، فعِصيانُه انفِرادٌ عن رِسالةٍ بَلَغَت.

«لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ»: أمنيّةُ أن يَصيروا والأرضَ سَطحاً واحِداً

و«لو» بَعدَ «يَوَدُّ» تَدُلُّ على المَودود، والمَعنى: يَوَدّونَ أن تُسَوّى بِهِمُ الأرض. و«تُسَوّى» كما ضُبِطَت في الآيةِ بِضَمِّ التّاءِ وتَشديدِ الواو، فهو فِعلٌ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه من «سَوّى»، و«الأرضُ» نائبُ فاعِلِه. فالأرضُ هي التي تُسَوّى، ومَن يُسَوّيها مَطوِيٌّ في الكَلام، و«بِهِم» تَقرِنُهُم بِها في التَّسوية. والتَّسويةُ من س-و-ي، أن يُجعَلَ الشَّيءُ على مِقدارٍ واحِدٍ لا يَعلو بَعضُه على بَعض، فأمنيَّتُهُم أن تَصيرَ الأرضُ وهُم سَطحاً مُستَوِياً لا يَبرُزُ مِنهُم فيه شَيء. ويَبقى وَجهُ هذه التَّسويةِ مَفتوحاً: أن يَغيبوا تَحتَها فتَستَوِيَ فَوقَهُم، أو أن يَصيروا مِنها فلا يَتَمَيَّزوا عَنها.

وفي الكِتابِ الفِعلُ نَفسُه، «سَوّى»، عَقِبَ إهلاك: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، وهُنا يَطلُبُ الوادّونَ التَّسويةَ لِأنفُسِهِم. فما يَقَعُ في ذلك المَوضِعِ على المُهلَكينَ يَصيرُ في هذا اليَومِ أمنيّةً يَتَمَنّاها مَن يَقِفُ بَينَ الشُّهود.

«وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا»: كِتمانٌ مَنفيٌّ في خَبَرٍ أو في أمنيّة

ثُمَّ «ولا يَكتُمونَ اللهَ حَديثاً»، والكِتمانُ من ك-ت-م، حَبسُ الشَّيءِ في الباطِنِ والإطباقُ عَلَيه، وهو الفِعلُ الذي وُصِفَ بِه الباخِلونَ في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين: «ويَكتُمونَ ما آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه». هُناكَ كِتمانٌ لِعَطاءٍ عن النّاس، وهُنا يُنفى الكِتمانُ ويَتَعَدّى إلى مَفعولَين: اللهِ، ثُمَّ «حَديثاً». والحَديثُ من ح-د-ث، أمرٌ يَحدُثُ فيَتَعَيَّنُ ثُمَّ يُبَثُّ ويُنقَل، و«حَديثاً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي، فتَعُمُّ كُلَّ حَديث: لا يَبقى عِندَهُم خَبَرٌ مَحبوسٌ عن الله.

والواوُ في «ولا يَكتُمونَ» تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَعطِفَ الكَلامَ على «يَوَدُّ»، فيَكونَ خَبَراً عن ذلك اليَوم: لا يَكتُمونَ اللهَ فيه حَديثاً، أو أن تَعطِفَه على «تُسَوّى» فيَدخُلَ في ما يَوَدّون: أن تُسَوّى بِهِمُ الأرضُ، وألّا يَكونَ عِندَهُم حَديثٌ كَتَموه عن الله. والآيةُ تَحتَمِلُ الوَجهَين: في الأوَّلِ يَنتَهي الكِتمانُ حَيثُ يَقِفُ الشُّهود، وفي الثّاني يَصيرُ تَركُ الكِتمانِ أمنيّةً يَتَمَنّاها الوادّون.


حَصيلة

«يَومَئذٍ» تَنوينُها عِوَضٌ عن جُملةٍ مَطويّة، فالآيةُ داخِلَ مَشهَدِ الشُّهودِ الذي سَألَت عَنه «فكَيفَ». وفيه يَوَدُّ، من و-د-د تَعَلُّقٍ يَنعَقِدُ ويَثبُت، فَريقٌ جَمَعَ سَترَ ك-ف-ر وصَلابةَ ع-ص-ي عن «الرَّسولِ» المَعهود، أن «تُسَوّى بِهِمُ الأرض»: فِعلٌ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه من س-و-ي، تَصيرُ بِه الأرضُ وهُم سَطحاً لا يَعلو فيه شَيء، ويَبقى وَجهُ التَّسويةِ مَفتوحاً. ثُمَّ «ولا يَكتُمونَ اللهَ حَديثاً»، من ك-ت-م وح-د-ث، نَكِرةٌ تَعُمُّ كُلَّ خَبَر، والواوُ تَحتَمِلُ أن تَجعَلَه خَبَراً عن ذلك اليَومِ يَنقَطِعُ فيه الكِتمانُ الذي وُصِفَ بِه الباخِلون، أو بَعضاً من المَودود. فالآيةُ تَضَعُ في مَشهَدِ الشُّهودِ أمنيّةَ الاستِواءِ بِالأرض، وكِتماناً يَنقَطِعُ عِندَ الشُّهودِ أو يَصيرُ تَركُه أمنيّة.