البقرة · الآية 105

﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ

(و د د)+«ما يَوَدّ»: الحَسَدُ كَنَفيٍ لِلوُدّ

«يَوَدّ» من (و د د)، وهو مَحَبّةٌ مُمتَدّةٌ تَتَّجِهُ نَحوَ الغَير. ونَفيُها هُنا غَيرُ العَداءِ الصَّريحِ والقِتال، وهو بِنيةٌ أخَصّ: امتِناعٌ عن أن يَمتَدَّ القَلبُ لِخَيرٍ يَصِلُ إلى الآخَر. وهذا تَعريفٌ دَقيقٌ لِلحَسَد: تَحَفُّظٌ عن وُصولِ العَطاء، وليسَ كُرهاً لِلمَحسود. وأوثِرَ في رَصدِ الحَسَدِ لَفظُ «ما يَوَدّ» على لَفظِ البُغض، لأنَّه بَردٌ داخِلِيٌّ لا حَرارةُ عَداوة.

«الَّذينَ كَفَروا من أَهلِ الكِتابِ ولا المُشرِكين»: تَخصيصٌ لا تَعميم

وصِياغةُ الآيةِ حَذِرة: عُدِلَ فيها عن «أهلُ الكِتاب» إلى «الَّذينَ كَفَروا من أهلِ الكِتاب»، و«من» تَبعيضِيّةٌ تَفصِلُ قِسماً داخِلَ الجَماعةِ عنِ الجَماعةِ كَكُلّ. وتَتبَعُها صيغةُ «ولا المُشرِكين» العَطفِيّة، والمَعنى أنَّ هذه البِنيةَ الحَسَدِيّةَ توجَدُ في الفَريقَينِ مَعاً، وتُشَخَّصُ بِالفِعلِ (الكُفرِ=التَّغطِية) لا بِاللّافِتة (أهلِ كِتابٍ أو مُشرِك). فالتَّنبيهُ تَنبيهٌ على نَمَطٍ إنسانِيٍّ يَتَجاوَزُ تَقسيمَ الجَماعات.

«أن يُنَزَّلَ عَلَيكُم من خَيرٍ»: المَصدَرُ لا يَستَأذِنُ الحاسِد

والمَفعولُ غَيرُ مُسَمّى، و«خَيرٍ» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي، أي أيُّ خَيرٍ كان، ومَوضِعُ النُّزولِ «عَلَيكُم». والحَسَدُ يَستَهدِفُ قَناةَ التَّوصيلِ دونَ المَضمون: لا يَرضى الحاسِدُ بِأن يَكونوا هُم مَحَلَّ النُّزول. غَيرَ أنَّ الفاعِلَ الحَقيقِيَّ، وهو المَصدَر، لا يُعَلَّقُ فِعلُه على رِضا الحاسِد، و«يُنَزَّل» مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ يَتَعَلَّقُ بِالفاعِلِ الذي لا يُرى، والرِّضا عِندَه وَحدَه.

(خ ص ص)+«يَختَصّ بِرَحمَتِه»: سُلطانُ التَّوزيع

و«يَختَصّ» من (خ ص ص)، وهو إفرادُ فَراغٍ يُملَأُ بِقُوّةٍ نافِذة، فالرَّحمةُ تُوَجَّهُ إلى مَحَلٍّ مُعَيَّن، ولا تَتَدَفَّقُ دَفعاً عامّاً بِلا تَعيين. وقَولُه «مَن يَشاء» يَحتَمِلُ وَجهَينِ مُتَآزِرَين: مَشيئةَ اللَّهِ الحُرّةَ المُطلَقة، ومَشيئةَ العَبدِ الذي يَسألُ فيُجاب. فالبابُ مَفتوحٌ لِلطّالِب، والتَّعيينُ بِيَدِ المُعطي، والمَشيئَتانِ لا تَتَعارَضان. وعِندَ هذا يَسقُطُ احتِكارُ الحَسَد: لا يَملِكُ الحاسِدُ مَنفَذاً إلى التَّوزيع.

(ف ض ل)+«ذُو الفَضلِ العَظيم»: فَرزٌ لا يُقاسَمُ

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـوَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، و«فَضل» من (ف ض ل)، وهو فَرزٌ بِضَغطٍ يَتَعَلَّقُ بِالمَحَلّ، أي زِيادةٌ تَمَيَّزَت بِمَصدَرِها. ووَصفُه بِـ«العَظيم» يَنقُضُ بِنيةَ الحَسَدِ من أصلِها: الفَضلُ لا يَنقُصُ بِنُزولِه على غَيرِك، ولا يَنقَسِمُ بِأيدي البَشَر. ويَرِدُ الحَسمُ المُوازي في مَوضِعٍ آخَر: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، ومَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، و«الذين كَفَروا من أهلِ الكِتاب» دَورٌ داخِلَ الجَماعةِ لا وَصفٌ لِجَماعةٍ بِأسرِها، وعُدِلَ في تَسمِيةِ الحَسَدِ عنِ اسمِ البُغضِ إلى نَفيِ الوُدّ، ورَحمةُ المَصدَرِ تَنزِلُ بِتَعيينِه لا بِتَرشيحِ الحاسِدين.


حَصيلة

سُمِّيَ الحَسَدُ في الآيةِ بِنَفيِ الوُدِّ دونَ اسمِ البُغض: «ما يَوَدُّ» من (و-د-د) بَردٌ داخِلِيٌّ لا حَرارةُ عَداوة، وامتِناعٌ عن أن يَمتَدَّ القَلبُ لِخَيرٍ يَصِلُ إلى الآخَر. وصِياغةُ الآيةِ حَذِرةٌ بِدِقّة، وقد أوثِرَ فيها «الَّذينَ كَفَروا من أهلِ الكِتاب» على «أهلِ الكِتاب» بِلا قَيد، فـ«من» التَّبعيضِيّةُ تَفصِلُ الحالةَ السُّلوكِيّةَ عنِ الجَماعةِ كُلِّها، وتُجاوِرُها «المُشرِكون» لِتَدُلَّ على أنَّ هذه البِنيةَ الحَسَدِيّةَ تَتَحَدَّدُ بِفِعلٍ داخِلَ أيِّ جَماعة، ولا تَتَحَدَّدُ بِلافِتةٍ طائِفِيّة. والحاسِدُ يَستَهدِفُ قَناةَ التَّوصيلِ لا المَضمون، ولا يَرضى بِأن يَكونَ الآخَرونَ مَحَلَّ النُّزول، غَيرَ أنَّ «يُنَزَّل» مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ يَتَعَلَّقُ بِمَصدَرٍ لا يَستَأذِنُ أحَداً. ثُمَّ «يَختَصُّ» من (خ-ص-ص)، ومَعناه إفرادُ فَراغٍ يُملَأُ بِقُوّةٍ نافِذة، والرَّحمةُ تُوَجَّهُ إلى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ بِمَشيئَتَينِ مُتَآزِرَتَين: مَشيئةِ اللَّهِ الحُرّةِ المُطلَقةِ ومَشيئةِ العَبدِ الطّالِب. وفي الخَتمِ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يَكونُ الفَضلُ من (ف-ض-ل) زِيادةً تَتَمَيَّزُ بِمَصدَرِها، لا تَنقُصُ بِنُزولِها على غَيرِك ولا تَنقَسِمُ بِأيدي البَشَر، فيَسقُطُ احتِكارُ الحاسِدِ من أصلِه، والفَضلُ فَيضٌ لا جُزءٌ مَقسوم.