النساء · الآية 102

﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

«وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ»: واحِدٌ يُقيمُ الصَّلاةَ وطائفةٌ تَقومُ فيها

يَتَحَوَّلُ الخِطابُ من الجَماعةِ في الآيةِ الحاديةِ بَعدَ المِئةِ إلى واحِد: «كُنتَ»، «فأقَمتَ»، «مَعَكَ». والمُخاطَبُ «فيهِم»، أي في وَسَطِهِم، و«إذا» تَضَعُ ذلك حالاً تَأتي، ثُمَّ يَأتي الفِعلُ الذي يَقومُ عَلَيه النَّسَقُ كُلُّه: «فأقَمتَ لَهُمُ الصَّلاة». والإقامةُ من ق-و-م، والجِذرُ عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه حتّى يَنتَصِبَ الشَّيءُ مُتَماسِكاً، و«أقامَ» على أفعَلَ يَجعَلُ غَيرَه قائماً، فالمُخاطَبُ يَجعَلُ الصَّلاةَ قائمةً «لَهُم»، أي لِأجلِهِم.

ثُمَّ يَعودُ الجِذرُ نَفسُه في الأمرِ الذي يَليه: «فلتَقُمْ طائفةٌ مِنهُم مَعَك»، فما يُقيمُه الواحِدُ تَقومُ فيه الطّائفة. واللّامُ في «فلتَقُمْ» لامُ الأمرِ دَخَلَت على الغائب، فالأمرُ واقِعٌ على الطّائفةِ نَفسِها والخِطابُ لِلمُخاطَب. والطّائفةُ من ط-و-ف، والجِذرُ سَيرٌ يَغشى الشَّيءَ من جَوانِبِه ويَدورُ بِه، والطّائفةُ من القَومِ قِطعةٌ مِنهُم تَجتَمِعُ على أمرٍ واحِد. و«مِنهُم» تَجعَلُها بَعضَ الجَماعة، ويَبقى قَدرُها مَفتوحاً في الآية.

«وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ»: سِلاحٌ في يَدِ المُصَلّي، وتَحَوُّلٌ عِندَ السُّجود

وأقرَبُ ما يَعودُ إلَيه الضَّميرُ في «وليَأخُذوا» الطّائفةُ القائمةُ مَعَه، والجَمعُ فيه راجِعٌ إلى أفرادِها، فالسِّلاحُ في أيدي الذينَ يُصَلّون. والسِّلاحُ من س-ل-ح، والجِذرُ نَفاذٌ يَخرُجُ من الأثناءِ مُنساباً فيَخلُصُ إلى الخارِج، فالسِّلاحُ عُدّةٌ تَخرُجُ بِها اليَدُ إلى ما وَراءَها. وفِعلُ الأخذِ يَضَعُه في قَبضةِ صاحِبِه، فالصَّلاةُ والسِّلاحُ يَجتَمِعانِ في البَدَنِ الواحِدِ في الوَقتِ الواحِد، ويَتَكَرَّرُ اسمُ السِّلاحِ في الآيةِ أربَعَ مَرّات.

ثُمَّ «فإذا سَجَدوا فليَكونوا من وَرائكُم». والآيةُ تَجعَلُ السُّجودَ عَلامةَ التَّحَوُّل، و«فليَكونوا» يَجري على الذينَ سَجَدوا، وهُم أقرَبُ مَذكور، فإذا سَجَدَتِ الطّائفةُ الأولى صارَت إلى الوَراء. وتَقِفُ الآيةُ عِندَ هذه العَلامة، فعَدَدُ ما تُصَلّيه كُلُّ طائفةٍ مَعَه مَتروكٌ في لَفظِها. وقد انتَقَلَ الخِطابُ من المُفرَدِ في «مَعَكَ» إلى الجَمعِ في «وَرائكُم»، فالذينَ سَجَدوا صاروا وَراءَ المُخاطَبِ ومَن مَعَه.

«وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ»: حِذرٌ يُؤخَذُ كما يُؤخَذُ السِّلاح

ثُمَّ تَأتي الطّائفةُ الأُخرى، وقد جاءَ فِعلُها مُفرَداً مُؤَنَّثاً «ولتَأتِ» على لَفظِ «طائفة»، ثُمَّ جاءَ ما بَعدَه مَجموعاً «لم يُصَلّوا فليُصَلّوا» على مَعناها، فالطّائفةُ تَأتي كُتلةً واحِدة، ويُصَلّي أفرادُها كُلٌّ بِنَفسِه. و«لم يُصَلّوا» تُعَرِّفُهُم بِما لم يَفعَلوه بَعدُ، فالصَّلاةُ هي ما يُمَيِّزُهُم من الطّائفةِ الأولى. وتَتَكَرَّرُ «مَعَكَ» لِلطّائفَتَين: فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾، وفَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، فالمُخاطَبُ هو الثّابِتُ في هذا النَّسَق، والطّائفَتانِ تَتَعاقَبانِ من حَولِه وهو في الصَّلاةِ التي أقامَها.

وأمرُ الطّائفةِ الثّانيةِ أتَمُّ من أمرِ الأولى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. فالحِذرُ مُقَدَّمٌ على السِّلاح، والفِعلُ «يَأخُذوا» واقِعٌ عَلَيهِما مَعاً، فالحِذرُ يُؤخَذُ كما يُؤخَذُ السِّلاح، وتَصيرُ حالُ النَّفسِ عُدّةً تُحمَل. والحِذرُ من ح-ذ-ر، احتِكاكٌ يَنفُذُ بِحِدّةٍ ثُمَّ تُديمُه الرّاءُ جارِياً، فهو يَقَظةٌ حادّةٌ لا تَفتُر. وقد جَمَعَتِ السّورةُ هذا الفِعلَ بِهذا الاسمِ في الآيةِ الحاديةِ والسَّبعين: خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.

«وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً»: غَفلةٌ تُرتَقَب، ومَيلةٌ واحِدة

ثُمَّ تَكشِفُ الآيةُ عِلّةَ السِّلاحِ والحِذرِ من جِهةِ الطَّرَفِ الآخَر: «وَدَّ الَّذينَ كَفَروا لَو تَغفُلون». و«وَدَّ» مَعَ «لَو» تَمَنٍّ يَتَعَلَّقُ بِأمرٍ لا يَملِكُه المُتَمَنّي، فالغَفلةُ المُتَمَنّاةُ غَفلةُ المُخاطَبينَ أنفُسِهِم. والغَفلةُ من غ-ف-ل، سِترٌ كَثيفٌ يَغمُرُ الانتِباهَ ويَلزَمُه، و«عن» تَجعَلُ ما يَغيبُ عَنه القَلبُ شَيئَين: الأسلِحةَ التي يُدفَعُ بِها، والأمتِعةَ، وهي من م-ت-ع، ما يُنتَفَعُ بِه مُدّةً ثُمَّ يَنقَضي. فالذينَ كَفَروا يَرقُبونَ سِتراً يَنسَدِلُ بَينَ المُخاطَبينَ وما في أيديهِم وما يَحمِلونَه.

و«فيَميلونَ» مَعطوفٌ بِالفاءِ على «تَغفُلون»، فالمَيلُ يَأتي عَقِبَ الغَفلةِ مُتَّصِلاً بِها. والمَيلُ من م-ي-ل، انحِدارُ الشَّيءِ عن استِوائه إلى جانِب، و«على» تَجعَلُه وُقوعاً بِالثِّقَلِ على المُخاطَبين، و«مَيلةً» اسمٌ لِلمَرّةِ الواحِدةِ وُصِفَ بِـ«واحِدة»، فالمَيلُ الذي يَتَمَنَّونَه دَفعةٌ تَجمَعُ ثِقَلَهُم في لَحظةٍ واحِدة. وفي الآيةِ السّابِعةِ والعِشرينَ كانَ المَيلُ مُراداً من المُخاطَبينَ أنفُسِهِم: أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، وهُنا يَتَمَنّى الذينَ كَفَروا أن يَميلوا هُم على المُخاطَبين.

«أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ»: سِلاحٌ يُوضَعُ وحِذرٌ يَبقى

ويَعودُ الجُناحُ الذي رُفِعَ عن القَصرِ في الآيةِ الحاديةِ بَعدَ المِئة، فيُرفَعُ هُنا عن وَضعِ السِّلاحِ في حالَينِ تَعقِدُهُما «إن»: أذىً يَكونُ «بِكُم» من مَطَر، والباءُ تُلصِقُه بِهِم، أو مَرَضٌ يَكونونَ فيه. والمَرَضُ من الأحوالِ التي يَتَغَيَّرُ بِها في السّورةِ ما تَطلُبُه الصَّلاة، فقد ذُكِرَ في الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعين: وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾.

ثُمَّ يَأتي الأمرُ من فَورِه: «وخُذوا حِذرَكُم». وقد جَمَعَتِ الآيةُ الحِذرَ والسِّلاحَ تَحتَ فِعلٍ واحِدٍ في أمرِ الطّائفةِ الثّانية، ثُمَّ فَرَّقَت بَينَهُما هُنا: السِّلاحُ يُرَخَّصُ في وَضعِه إذا آذى المَطَرُ أو حَلَّ المَرَض، والحِذرُ يُؤمَرُ بِأخذِه في الوَقتِ نَفسِه، فالوَضعُ يَقَعُ على ما في الأيدي، والحِذرُ باقٍ مَعَه. وتُختَمُ الآيةُ بِـإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، فالآيةُ التي أمَرَتِ المُخاطَبينَ بِأخذِ سِلاحِهِم وحِذرِهِم تَنتَهي بِما أعَدَّه اللهُ لِلكافِرين، والإعدادُ تَهيِئةُ الشَّيءِ حاضِراً لِوَقتِه، والعَذابُ «مُهين» يُظهِرُ خِفّةَ قَدرِ مَن يَقَعُ عَلَيه، وفيهِمُ الذينَ تَمَنَّوا أن يَميلوا على غافِلين.


حَصيلة

يَنتَقِلُ الخِطابُ إلى واحِدٍ يُقيمُ الصَّلاةَ لِجَماعةٍ هو فيها، وتَقومُ مَعَه طائفةٌ مِنهُم، والأقرَبُ في الضَّميرَينِ أنَّها تَأخُذُ السِّلاحَ وتَصيرُ إلى الوَراءِ إذا سَجَدَت، وأتَت طائفةٌ أُخرى لم تُصَلِّ فصَلَّت مَعَه آخِذةً حِذرَها وسِلاحَها، فهو الثّابِتُ في النَّسَقِ والطّائفَتانِ تَتَعاقَبانِ حَولَه. ثُمَّ تَكشِفُ الآيةُ ما يَرقُبُه الذينَ كَفَروا: غَفلةً عن السِّلاحِ والمَتاعِ تَتبَعُها مَيلةٌ واحِدةٌ تَجمَعُ ثِقَلَهُم. وتَرفَعُ الجُناحَ عن وَضعِ السِّلاحِ عِندَ أذى المَطَرِ أو المَرَض، وتُبقي الحِذرَ مَأخوذاً مَعَ ذلك، وتَختِمُ بِما أعَدَّه اللهُ لِلكافِرينَ من عَذابٍ مُهين.