البقرة · الآية 109

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ

«كَثيرٌ» لا «جَميعٌ»: التَّحديدُ العَدَديُّ يَحفَظُ الإنصاف

تَتَكَلَّمُ الآيةُ عن «كَثيرٍ مِن أهلِ الكِتاب»، لا عن جَميعِهِم، ودَورُ هذا التَّحديدِ أن يَنفِيَ التَّعميمَ ويُبقِيَ الحُكمَ على مَوقِفٍ داخِلَ الفِئة، لا على الفِئةِ ذاتِها. ومَن أرادَ أن يَبنِيَ فَهمَه على القُرآنِ لا على العاطِفةِ فعَلَيه أن يَستَحضِرَ هذا القَيدَ دائِماً: القُرآنُ يَعُدُّ ولا يَجزَأ، ويَنُصُّ على «كَثير» حَيثُ كانَ كَثيراً، وعلى «بَعض» حَيثُ كانَ بَعضاً، وبِذلك سَقَطَ كُلُّ خِطابٍ تَعميمِيٍّ على أهلِ الكِتابِ جُملة.

جذر (و د د): رَغبَةٌ مُحتَبِسَةٌ لا فِعلٌ ظاهِر

ومَدارُ (و د د) في اللِّسانِ على احتِواءٍ يَحتَبِسُ ويَستَقِرّ، و«وَدَّ» رَغبةٌ داخِلِيّةٌ تَتَمَكَّنُ دونَ أن تَتَحَوَّلَ بِالضَّرورةِ إلى فِعل، وهو غَيرُ «أرادَ». والآيةُ تُحاسِبُ النِّيّةَ قَبلَ أن تُحاسِبَ الفِعل: الذي تَكَوَّنَ في داخِلِهِم هو الوُدُّ في رَدِّ المُؤمِنينَ إلى التَّغطِيةِ بَعدَ إعطاءِ الأمان، وهذا وَحدَه يَكفي لِكَشفِ الخَلَل. ومَن يَتَنَبَّهُ لِهذه الدِّقّةِ يَعلَمُ أنَّ المَصدَرَ يَقرَأُ ما في القُلوبِ قَبلَ أن يَظهَرَ في الألسُن.

جذر (ح س د): نَفيُ الوُدِّ لِمَن تَبَيَّنَ حَقُّه

وأصلُ (ح س د) إحساسٌ نافِذٌ يَحتَبِسُ ويَمتَدّ، والحَسَدُ نَفيٌ لِلوُدِّ عن شَخصٍ تَبَيَّنَت قيمَتُه، وليسَ بُغضاً صَريحاً. ولِذلك قُيِّدَتِ الآيةُ بِـ«مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقّ»: لا حَسَدَ بِلا مَعرِفة. ومَن لم يَعرِفِ الحَقَّ يُسَمّى فِعلُه جَهلاً، لا حَسَداً، أمّا الحاسِدُ فقد رَأى الحَقَّ ثُمَّ نَفى الوُدَّ عَنه. والفَرقُ بَينَ الكُفرِ والحَسَدِ في سِياقِ هذه الآيةِ أنَّ الكُفرَ تَغطِيةُ الحَقِّ المَعلوم، والحَسَدَ سَحبُ الوُدِّ من صاحِبِ الحَقِّ المَعلوم.

«مِن عِندِ أنفُسِهِم»: الباعِثُ داخِليٌّ لا نَصٌّ في كِتابِهِم

وأدَقُّ القُيودِ في الآيةِ «مِن عِندِ أنفُسِهِم»، وهو يَفصِلُ بَينَ ما جاءَهُم في كِتابِهِم وبَينَ ما قامَ بِنُفوسِهِم. فالنَّصُّ الذي تَسَلَّموه لا يَأمُرُهُم بِرَدِّ المُؤمِنينَ إلى التَّغطِية، والنَّفسُ هي التي تَصنَعُ هذا الوُدَّ وتُنَسِّبُه إلى الكِتاب. ومَن يَقرَأُ هذا القَيدَ يَضَعُ اليَدَ على قاعِدةٍ كَبيرة: كَثيرٌ مِمّا يُقَدَّمُ بِاسمِ الدّينِ مَصدَرُه نَفسُ قائِلِه، وليسَ من الدّين. وتَبرِئةُ النَّصِّ من صاحِبِه حَقٌّ لِلنَّصّ، وتَبيينُ نَفسِ القائِلِ حَقٌّ في الحُكم.

جذر (ع ف و) و(ص ف ح): رَفعُ المُؤاخَذَةِ وإدارَةُ الصَّفحَة

ومَدارُ (ع ف و) على مَحوِ الأثَرِ حَتّى كأنَّ شَيئاً لم يَكُن، ومَدارُ (ص ف ح) على إدارةِ الصَّفحةِ والتَّجاوُزِ دونَ نَبشٍ في الماضي. والأمرُ بِهِما هُنا حِفظٌ لِلمُؤمِنِ من الانجِرارِ إلى الحَلقةِ ذاتِها، ولا ضَعفَ فيه. فرَدُّ الفِعلِ يُعيدُ السّائِرَ إلى مَدارِ الحاسِد، والعَفوُ والصَّفحُ يَقطَعانِ المَدارَ ويَترُكانِ الحاسِدَ مَعَ حَسَدِه. وتَقييدُ الأمرِ بِـ«حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمرِه» يَجعَلُه مَوقوتاً لا مُطلَقاً، والزَّمَنُ لِصاحِبِ السُّنّة.

«أَمرُ الله» بابٌ واسِعٌ لا يَنحَصِرُ في قِتال

والأمرُ الإلهِيُّ في «حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ» بابٌ واسِعٌ لا يَنحَصِرُ في المَعنى الحَربِيّ، وقد يَكونُ دُخولَ كَثيرٍ مِنهُم في الإيمانِ أفواجاً، وقد يَكونُ انكِشافَ حالِهِم بِنَفسِه دونَ تَدَخُّل، وقد يَكونُ تَقديراً كَونِيّاً يُغَيِّرُ مَوازينَ القُوّة. والحُكمُ هُنا مُقَيَّدٌ بِشَرطٍ زَمَنِيّ، و«حَتَّى» تَجعَلُ العَفوَ والصَّفحَ مَوقوتَينِ بِمَجيءِ الأمر، والشَّرطُ الزَّمَنِيُّ يَنتَهي بِبُلوغِ غايَتِه لا بِإلغاءِ الحُكم، فهو مُؤَقَّتٌ في تَطبيقِه ثابِتٌ في أصلِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الوُدُّ رَغبةٌ مُحتَبِسةٌ تُحاسَبُ قَبلَ الفِعل، والحَسَدُ سَحبٌ لِلوُدِّ عَمَّن تَبَيَّنَ حَقُّه، والعَفوُ والصَّفحُ دَورُ قَطعِ المَدارِ حَتّى يَأتِيَ الأمرُ من مَصدَرِه.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِتَحديدٍ عَدَدِيٍّ لا يُهمَل: «كَثيرٌ» لا «جَميع»، وهذا التَّمييزُ حُكمٌ قُرآنِيٌّ يَرفُضُ التَّعميمَ ويَحفَظُ الإنصاف، ولا يُرادُ بِه تَخفيفٌ خِطابِيّ. ثُمَّ تُعَيِّنُ الباعِثَ بِدِقّة: «حَسَداً مِن عِندِ أنفُسِهِم» من جذرَي ح-س-د و ن-ف-س، وهو فَصلٌ بَينَ الكِتابِ وصاحِبِه. والحَسَدُ إحساسٌ نافِذٌ مُحتَبِسٌ يَنشَأُ في النَّفسِ حينَ تَرى قيمةَ ما عِندَ غَيرِها، ولا صِلةَ لَه بِنَصِّ الكِتابِ الذي تَسَلَّموه. وتَزيدُ الآيةُ في تَحديدِ الحالة: الحَسَدُ جاءَ «مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقّ»، أي عن رُؤيةٍ واضِحة، لا عن جَهل. والرَّدُّ الإلهِيُّ على هذا كُلِّه أخلاقِيٌّ غَيرُ حَربِيّ، في فِعلَينِ دَقيقَين: العَفوُ من جذرِ ع-ف-و يَمحو الأثَرَ منَ الباطِن، والصَّفحُ من جذرِ ص-ف-ح يُديرُ الصَّفحةَ ويَمنَعُ الرُّجوعَ إلى نَبشِ الماضي. ومَن يَرُدُّ الفِعلَ يَدخُلُ في مَدارِ الحاسِد، ومَن يَعفو ويَصفَحُ يَقطَعُ المَدارَ ويَترُكُ الحاسِدَ مَعَ حَسَدِه. وتَحديدُ الغايةِ بِـ«حَتَّى يَأتيَ اللهُ بِأمرِه» يَجعَلُ الأمرَ الإلهِيَّ مَرجِعاً واسِعاً لا يَنحَصِرُ في القِتال: قد يَكونُ دُخولَهُم في الإيمان، أو تَغَيُّرَ الأحوال، أو حُكماً كَونِيّاً يُعيدُ مَوازينَ المَشهَد.