المَيل
مُمسِكٌ يَمُدُّه تَعَلُّقُه إلى ما يَحوزُه حتّى يَصيرَ في جانِبِه دونَ غَيرِه. والجَذرُ في المُصحَفِ كُلِّه ثَلاثُ آياتٍ من سورةِ النِّساء: مَيلٌ يُريدُه لِلمُخاطَبينَ مُتَّبِعو الشَّهَوات، ومَيلةٌ يَتَمَنّاها عَدُوُّهُم عَلَيهِم، ومَيلٌ تامٌّ يُنهَونَ عَنه بَينَ النِّساء. وفي كُلِّ مَرّةٍ يُقاس: عَظيمٌ، ثُمَّ واحِدة، ثُمَّ كُلُّه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، أوسَطُها حَرفُ مَدّ:
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ مُغلَق. شِحنَتُه: الامتساكُ والاحتواءُ الباطن.
- ي: حَرفُ مَدٍّ بَينَ الحَرفَين. شِحنَتُه: امتداد + لِين + سَريان.
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً. شِحنَتُه: التعلُّق والالتصاق والحَوز.
النَّواةُ مل (م + ل) = إمساكٌ يَحتَوي ما يَتَعَلَّقُ بِه فيَحوزُه. وي (امتداد + لِين + سَريان) بَينَهُما مَدٌّ يُطيلُ هذا التَّعَلُّقَ حتّى يَمتَدَّ المُمسِكُ نَفسُه إلى ما تَعَلَّقَ بِه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: مُمسِكٌ يَمُدُّه تَعَلُّقُه إلى ما يَحوزُه حتّى يَصيرَ في جانِبِه دونَ غَيرِه.
والنَّواةُ مل بِقِراءَتِها هذه نَواةُ الجَذرِ التَّوأَمِ م-و-ل أيضاً: الجَذرانِ يَشتَرِكانِ في الحَرفَينِ الصَّحيحَين، ويَفتَرِقانِ بِحَرفِ المَدِّ وَحدَه، والمَدُّ يُطيلُ الحَدَثَ ولا يَحمِلُ مَعنىً من عِندِه، فتَفتَرِقُ قِراءَتاهُما الحَرفِيَّتانِ بِالاستِعمال.
ومن هذه القِراءةِ يَخرُجُ المَيلُ إلى جانِب. التَّعَلُّقُ يَقَعُ على شَيءٍ بِعَينِه، فإذا طالَ حتّى مَدَّ المُمسِكَ إلَيه صارَ المُمسِكُ في جِهَتِه، وخَرَجَ من إمساكِه ما لم يَتَعَلَّقْ بِه. فالمائِلُ يَمُدُّه ما تَعَلَّقَ بِه، وخُروجُه عن الوَسَطِ أثَرُ هذا الامتِداد.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- مالَ إلَيه: انجَذَبَ إلَيه وآثَرَه على غَيرِه، و«إلى» تُسَمّي ما تَعَلَّقَ بِه المائِل.
- مالَ عَلَيه: أقبَلَ عَلَيه لِيَأخُذَه، و«على» تُسَمّي ما يَبلُغُه الامتِدادُ لِيَحوزَه.
- مالَ عَنه: تَرَكَه إلى غَيرِه، و«عن» تُسَمّي ما خَرَجَ من الإمساك.
فالجارّاتُ الثَّلاثةُ تُري حَرَكةً واحِدةً من ثَلاثِ جِهات: ما يُمالُ إلَيه، وما يُمالُ عَلَيه، وما يُمالُ عَنه. فالانجِذابُ والإقبالُ لِلأخذِ والتَّركُ امتِدادٌ واحِدٌ يُعَيِّنُ الجارُّ جِهَتَه.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ م-ي-ل: امتِدادُ المُمسِكِ إلى ما تَعَلَّقَ بِه حتّى يَصيرَ في جانِبِه، ويَخرُجَ من إمساكِه ما سِواه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَواضِعِها الثَّلاثِ في ثَلاثِ مَسائِل:
الأولى: لِماذا يُقاسُ المَيلُ في كُلِّ مَرّة. ي تُطيلُ الحَدَث، فالمَيلُ امتِدادٌ لَه طول، وما لَه طولٌ يُقاس. والفِعلُ في مَواضِعِه الثَّلاثةِ يَصحَبُه مَصدَرُه مَقيساً: «مَيْلًا عَظِيمًا» (٤:٢٧)، و«مَّيْلَةً وَاحِدَةً» (٤:١٠٢)، و«كُلَّ الْمَيْلِ» (٤:١٢٩).
الثّانية: لِماذا تُسَمّى عاقِبةُ المَيلِ التّامِّ «كَالْمُعَلَّقَةِ». في النَّواةِ إمساكٌ وتَعَلُّق، والمَيلُ التّامُّ يَنقُلُ الإمساكَ كُلَّه إلى جانِبٍ واحِد، فالتي مِيلَ عَنها يَبقى لَها التَّعَلُّقُ ويَذهَبُ عَنها الإمساك: مَشدودةٌ بِما عُلِّقَت بِه ولا يَحمِلُها شَيء. فالصّورةُ في ٤:١٢٩ صورةُ الجَذرِ نَفسِه مَمضِيّاً إلى آخِرِه.
الثّالثة: لِماذا يَصيرُ المَيلُ أخذاً في ٤:١٠٢. الامتِدادُ في الجَذرِ امتِدادٌ إلى ما يُحاز، فإذا عُدِّيَ بِـ«على» صارَ بُلوغاً لِلمُخاطَبينَ لِأخذِهِم: «فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم». والجَذرُ الذي يُسَمّي في ٤:٢٧ مَيلاً يُريدُه لِلمُخاطَبينَ غَيرُهُم يُسَمّي هُنا امتِدادَ عَدُوِّهِم عَلَيهِم.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- تَمِيلُوا (مُضارِعٌ لِجَماعةِ المُخاطَبين): مَوضِعان. في ٤:٢٧ مَنصوبٌ بِـ«أن» مَفعولاً لِإرادةِ غَيرِهِم، وفي ٤:١٢٩ مَجزومٌ بِـ«لا» النّاهية. فالمُخاطَبونَ هُمُ المائِلونَ في المَوضِعَين: يُرادُ مِنهُمُ المَيلُ مَرّة، ويُنهَونَ عن تَمامِه مَرّة.
- فَيَمِيلُونَ (مُضارِعٌ لِجَماعةِ الغائِبين): مَوضِعٌ واحِد، ٤:١٠٢، مَرفوعٌ مَعطوفٌ بِالفاءِ على «تَغفُلون» في ما وَدَّه الذينَ كَفَروا، ومَعَه «عَلَيكُم»، وهو الفِعلُ الوَحيدُ من الجَذرِ الذي يُعَدّى بِجارّ.
- مَيْلًا (مَصدَرٌ نَكِرةٌ على فَعْل): مَوضِعٌ واحِد، ٤:٢٧، مَفعولٌ مُطلَقٌ مَوصوفٌ بِـ«عَظيماً»: يُثبِتُ الحَدَثَ ثُمَّ يَصِفُ قَدرَه.
- مَّيْلَةً (اسمُ مَرّةٍ على فَعْلة): مَوضِعٌ واحِد، ٤:١٠٢، مَفعولٌ مُطلَقٌ مَوصوفٌ بِـ«واحِدةً»، فالوَزنُ يَعُدُّ الحَدَثَ والنَّعتُ يُؤَكِّدُ العَدَد.
- الْمَيْلِ (مَصدَرٌ مُعَرَّف): مَوضِعٌ واحِد، ٤:١٢٩، مَجرورٌ بِإضافةِ «كُلَّ» إلَيه، و«كُلَّ» هي المَفعولُ المُطلَق، فالتَّعريفُ يُحيلُ على المَيلِ الذي في الفِعلِ قَبلَه، والإضافةُ تَستَغرِقُه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الفِعلُ في مَواضِعِه كُلِّها ثُلاثيٌّ مُجَرَّد (مالَ يَميل)،
ولا يَستَعمِلُ المُصحَفُ من الجَذرِ «أمالَ» ولا «استَمال»، فالمَيلُ فيه فِعلُ
المائِلِ نَفسِه. وكُلُّ فِعلٍ مِنه يَصحَبُه مَصدَرُه في الآيةِ نَفسِها، والمَصدَرُ
مَقيسٌ في كُلِّ مَرّة: بِنَعتٍ يَصِفُ القَدر، ثُمَّ بِوَزنٍ ونَعتٍ يَعُدّانِ
المَرّة، ثُمَّ بِإضافةٍ تَستَغرِقُه. والقِياسُ من الوَزنِ والتَّركيب، والطّولُ
الذي يُقاسُ من ي في الجَذر.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
الصِّيَغُ الخَمسُ لِلجَذرِ في المُصحَفِ كُلُّها هُنا، ولا مَفهومَ ثانِياً لَه. ويُجاوِرُه:
- الزَّيغ (الزَّيغ، ز-ي-غ): مَسارٌ ماضٍ في جِهَتِه يَنزِلُ عَنها غائِراً حتّى يَغيبَ عن مَجراه. الزَّيغُ يُسَمّي خُروجَ المَسارِ عن وِجهَتِه، والمَيلُ يُسَمّي امتِدادَ المُمسِكِ إلى ما تَعَلَّقَ بِه، فالزّائِغُ يُعرَفُ بِما تَرَكَ من جِهَتِه، والمائِلُ يُعرَفُ بِما امتَدَّ إلَيه.
- الجَنَف (الجَنَف، ج-ن-ف): مَيلٌ يَنشَأُ في باطِنِ الفاعِلِ ويَظهَرُ في فِعلِه، ويُقابَلُ بِالإصلاحِ في «فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ» (٢:١٨٢). والمَيلُ في ٤:١٢٩ يَتبَعُه «وَإِن تُصْلِحُوا» كَذلك، فالمُصحَفُ يُقابِلُ الانحِرافَينِ بِالإصلاح، والحُروفُ تُفَرِّقُ بَينَهُما: الجَنَفُ يُسَمّي ما يَنشَأُ في الباطِنِ مائِلاً، والمَيلُ يُسَمّي امتِدادَ المُمسِكِ إلى ما تَعَلَّقَ بِه.
- الجُناح (الجُناح، ج-ن-ح): انحِرافٌ يَتَجَمَّعُ على صاحِبِه مَسؤوليّة، والمُصحَفُ يَرفَعُه بِـ«لا جُناحَ عَلَيكُم». فالجُناحُ مَيلٌ يُحسَبُ على صاحِبِه أو يُرفَعُ عَنه، والمَيلُ في هذا الجَذرِ حَرَكةُ المائِلِ نَفسِها يُقاسُ قَدرُها ويُنهى عن تَمامِها.
- الحَنيف (الحَنيف، ح-ن-ف): مَيلٌ عن الباطِلِ إلى الحَقّ، والجَذرُ فيه مَحمود. والمَيلُ في مَواضِعِه الثَّلاثةِ يَأتي من غَيرِ جِهةِ المَدح: يُريدُه لِلمُخاطَبينَ غَيرُهُم، ويَتَمَنّاه عَدُوُّهُم، ويُنهَونَ عن تَمامِه.
- العَول (ع-و-ل، ولَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحالُ عَلَيه): «ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا» (٤:٣) في المَسأَلةِ نَفسِها عِندَ بابِ النِّكاح. قِراءَتُه المُعتَمَدةُ جَرَيانٌ يَمتَدُّ بِالشَّيءِ إلى أحَدِ جانِبَيه حتّى يَتَمَيَّزَ عن الاستِواء: العَولُ يُسَمّي انحِرافاً يَجري بِالأمرِ نَفسِه، والمَيلُ يُسَمّي امتِدادَ صاحِبِه إلى ما تَعَلَّقَ بِه.
- العَدل (العَدل، ع-د-ل): الطَّرَفُ الآخَرُ في ٤:١٢٩. تُخبِرُ الآيةُ أنَّ العَدلَ بَينَ النِّساءِ لا يُستَطاعُ ولو حُرِصَ عَلَيه، ثُمَّ تَنهى عن كُلِّ المَيل، والمُخاطَبُ قائِمٌ بَينَ الطَّرَفَين.
المَواضع: مَواقعُ المَيلِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٤:٢٧ ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «تَميلوا» مُضارِعٌ لِجَماعةِ المُخاطَبينَ بَعدَ «أن»، مَفعولٌ لِإرادةِ الذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَوات، يَتبَعُه مَصدَرُه «مَيلاً» مَوصوفاً بِـ«عَظيماً»، وفي صَدرِ الآيةِ إرادةٌ لِلهِ أن يَتوبَ عَلَيهِم. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ فِعلاً يُرادُ لِلمُخاطَبينَ من غَيرِهِم، والفِعلُ مُطلَقٌ من الجارِّ فما يُمالُ إلَيه مَطوِيّ، ومُريدو المَيلِ مُسَمَّونَ بِما يَسيرونَ خَلفَه: الشَّهَوات. ويوصَفُ المَيلُ بِالعِظَم، فالامتِدادُ الذي في الجَذرِ لَه قَدرٌ يُقاس. ويُقابِلُه في الآيةِ رُجوعٌ يُريدُه الله: التَّوبةُ عَودٌ إلى المَوضِع، والمَيلُ امتِدادٌ عَنه إلى جانِب. انظُر التَّوبة.
- ٤:١٠٢ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾: «فيَميلونَ» مُضارِعٌ لِجَماعةِ الغائِبينَ مَعطوفٌ بِالفاءِ على «تَغفُلون» في ما وَدَّه الذينَ كَفَروا، و«عَلَيكُم» تُعَيِّنُ مَن يَبلُغُه المَيل، و«مَيلةً» اسمُ مَرّةٍ مَوصوفٌ بِـ«واحِدةً». الجَديدُ: يَنتَقِلُ الفِعلُ من المُخاطَبينَ إلى عَدُوِّهِم، فيَصيرُ المُخاطَبونَ مَن يُمالُ عَلَيهِم بَعدَ أن كانوا في ٤:٢٧ مَن يُرادُ مَيلُهُم، ويَظهَرُ الجارُّ لِأوَّلِ مَرّة: «على» تَجعَلُ الامتِدادَ بُلوغاً لِلمُخاطَبينَ لِأخذِهِم. ويُقاسُ المَيلُ هُنا بِالعَدَد: مَرّةٌ واحِدةٌ تَلي غَفلةً عن السِّلاحِ والمَتاع، فالامتِدادُ يَرقُبُ الثُّغرةَ ثُمَّ يَأخُذُ دَفعةً واحِدة. انظُر الواحِد / الوَحدانيَّة.
- ٤:١٢٩ ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: «تَميلوا» مَجزومٌ بِـ«لا» النّاهيةِ لِجَماعةِ المُخاطَبين، بَعدَ خَبَرٍ بِأنَّهُم لَن يَستَطيعوا أن يَعدِلوا بَينَ النِّساءِ ولو حَرَصوا، و«كُلَّ» مَفعولٌ مُطلَقٌ مُضافٌ إلى المَصدَرِ المُعَرَّف، ثُمَّ تَصِلُ الفاءُ بِالمَيلِ تَركاً: «فتَذَروها كالمُعَلَّقة». الجَديدُ: يُنهى عن المَيلِ لِأوَّلِ مَرّة، وكانَ في ٤:٢٧ مُراداً لِلمُخاطَبينَ من غَيرِهِم وفي ٤:١٠٢ مُتَمَنّىً لِعَدُوِّهِم، والنَّهيُ واقِعٌ على تَمامِه. وتُسَمّى عاقِبةُ التَّمام: المائِلُ كُلَّ المَيلِ يَصيرُ في جانِبِ واحِدة، والتي مالَ عَنها تَخرُجُ من إمساكِه، والضَّميرُ فيها مُفرَدٌ بَعدَ «النِّساءِ» جَمعاً، فتَبقى مُعَلَّقةً بِما عُلِّقَت بِه ولا يُمسِكُها أحَد. انظُر العَدل والكُلّ.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ التَّوبة والإرادة في ٤:٢٧: إرادَتانِ على مَحَلٍّ واحِد: اللهُ يُريدُ أن يَتوبَ على المُخاطَبين، ومُتَّبِعو الشَّهَواتِ يُريدونَ أن يَميلوا. فالتَّوبةُ رُجوعٌ إلى المَوضِع، والمَيلُ امتِدادٌ عَنه إلى جانِب، والأولى فِعلٌ يَفعَلُه اللهُ بِهِم، والثّاني فِعلٌ يُرادُ مِنهُم.
- مَعَ العَظيم في ٤:٢٧ والواحِد / الوَحدانيَّة في ٤:١٠٢ والكُلّ في ٤:١٢٩: الجَذرُ يَرِدُ مَقيساً في مَواضِعِه الثَّلاثة، والمِقياسُ في كُلِّ مَرّةٍ من مَفهومٍ آخَر: العِظَمُ ثُمَّ الوَحدةُ ثُمَّ الكُلّ. فالطّولُ الذي تَمُدُّه ي في الجَذرِ تُسَمّي الآياتُ قَدرَه.
- مَعَ الغَفلة والحَذَر في ٤:١٠٢: المَيلةُ الواحِدةُ مَعطوفةٌ بِالفاءِ على غَفلةٍ يَتَمَنّاها الذينَ كَفَروا، والآيةُ تَأمُرُ بِأخذِ الحِذرِ مَرَّتَين، آخِرُهُما «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ». فالحِذرُ يُغلِقُ الثُّغرةَ التي يَنفُذُ مِنها الامتِدادُ إلى المُخاطَبين.
- مَعَ الجُناح في ٤:١٠٢: «عَلَيكُم» مَرَّتانِ في الآيةِ نَفسِها: مَيلةٌ يَتَمَنّاها العَدُوُّ على المُخاطَبين، وجُناحٌ يُرفَعُ عَنهُم في «وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ». فما يُرادُ لَهُم من الخارِجِ يُحذَرُ مِنه، وما قد يُحسَبُ عَلَيهِم في وَضعِ السِّلاحِ يُرفَع.
- مَعَ العَلَق والوَذر في ٤:١٢٩: «فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ». الوَذرُ انفِراجُ ما كانَ مُحيطاً، والعَلَقُ ما يوجَدُ بِانعِلاقِه بِما فَوقَه. فالمَيلُ التّامُّ يَفتَحُ الإمساكَ عن واحِدة، ويُبقيها مُعَلَّقةً بِما عُلِّقَت بِه ولا يَحمِلُها أحَد.
- مَعَ الإصلاح والتَّقوى في ٤:١٢٩: يَتبَعُ النَّهيَ شَرطٌ فِعلاه الإصلاحُ والتَّقوى: «وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا». فيوضَعُ في مُقابِلِ مَيلٍ يُخرِجُ واحِدةً من الإمساكِ فِعلٌ يَلُمُّ ما انفَكّ.
الإشكالات المَفتوحة
- المَيلُ والعَول: أمرٌ واحِدٌ بِاسمَين؟ تَفتَتِحُ السّورةُ المَسأَلةَ بِـ«ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا» (٤:٣) وتَعودُ إلَيها بِـ«فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» (٤:١٢٩). والحُروفُ تُفَرِّقُ بَينَهُما: ع-و-ل جَرَيانٌ يَمضي بِالشَّيءِ إلى أحَدِ جانِبَيه، وم-ي-ل مُمسِكٌ يَمُدُّه ما تَعَلَّقَ بِه. والجَوابُ العامِل: هُما وَجهانِ لِأمرٍ واحِد، العَولُ يُسَمّي انحِرافَ الأمرِ عِندَ بابِ النِّكاح، والمَيلُ يُسَمّي انجِذابَ صاحِبِه في داخِلِه. مَفتوح.
- لِماذا يُقاسُ المَيلُ في كُلِّ مَواضِعِه؟ الجَوابُ من الحُروف: ي تُطيلُ الحَدَث، فلِلمَيلِ طولٌ يُقاس. ويَحتَمِلُ أن يَكونَ القِياسُ من أُسلوبِ سورةٍ تَزِنُ ما تَذكُرُه. ولا يُختَبَرُ الوَجهانِ بِنَشرِ سُوَرٍ جَديدة، لِأنَّ الجَذرَ في المُصحَفِ كُلِّه هذه الآياتُ الثَّلاث. مَفتوح.
- إلامَ يُمالُ في ٤:٢٧؟ الفِعلُ مُطلَقٌ من الجارّ، والآيةُ تُسَمّي مُريدي المَيلِ بِما يَتبَعونَه. والقِراءةُ من الحُروفِ تَجعَلُ الامتِدادَ إلى ما يُتَعَلَّقُ بِه، فأقرَبُ ما يُحمَلُ عَلَيه الشَّهَواتُ التي يَسيرُ خَلفَها مُريدوه، ويَبقى هذا حَملاً لا نَصّاً. مَفتوح.