الليل · الآية 1

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ

«وَاللَّيلِ»: الظَّرفُ الذي يَستُرُ كلَّ شَيءٍ آخَر

اللَّيلُ في العربيّةِ ليس مُجرَّدَ غِيابِ النَّهار. هُوَ كَيانٌ قائمٌ بِنَفسِه. تَقولُ «دَخَلتُ في اللَّيل» كَأنَّك دَخَلتَ بَيتاً. واللَّيلُ يُجمَعُ على «لَيالٍ»: كلُّ لَيلَةٍ كَيانٌ مُتَمَيِّز، لا مُجَرَّدُ فَترةٍ فاصلة. والقَسَمُ هُنا بِهذا الكَيانِ الذي يَحتَوي ما داخِلَه.

وفي الكِتابِ يَتَكَرَّرُ القَسَمُ بِاللَّيلِ في أكثَرَ من مَوضِع: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾. كلُّ صيغةٍ تَلتَقِطُ زاويةً مِن فِعلِه: السَّرَيان، الإدبار، السُّكون. وهنا في سورتِنا يُلتَقَطُ فِعلُ التَّغطية: اللَّيلُ كَوِعاءٍ يَنزِلُ عَلى ما تَحتَه فَيَحتَويه.

«إذا يَغشى»: الفِعلُ المُضارِعُ في ظَرفِ الزَّمَن

«إذا» ظَرفٌ زَمانيٌّ يَدُلُّ على ما يَحدُثُ، ويَأتي مَع الفِعلِ المُضارِع. والصِّيغَةُ هُنا «إذا يَغشى» لا «إذا غَشى»: فِعلٌ مُضارِعٌ يَستَدعي الحالَ المُتَجَدِّدة. كأنَّ القَسَمَ ليس بِلَيلَةٍ مُعَيَّنةٍ مَضَت، بَل بِكلِّ لَيلَةٍ تَأتي وتَغشى ما تَحتَها.

والجِذرُ غ-ش-و حَرفِيّاً تَغطِيَةٌ تَنتَشِرُ تَشمَلُ كلَّ شَيء. الغِشاوةُ في العَين هي ما يَنزِلُ عَلَيها فَيَحجُبُها. والغَشيُ هُوَ نُزولُ الإغماءِ على الواعي. واللَّيلُ في الآيةِ يَفعَلُ هذا تَماماً: يَنزِلُ على المَرئيِّ كلِّه فَيَحجُبُ تَفاصيلَه. لا يُلغيها، ولكنَّه يُخفيها. وَلِذلِكَ يُحسَنُ اختِيارُه قَسَماً يُمَهِّدُ لِلآيةِ التالية: وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ. اللَّيلُ يَحجُب، والنَّهارُ يَكشِف. والوُجودُ يَجري بَينَهُما.

وفي اختِيارِ الظَّرفِ المُضارِعِ تَنبيهٌ آخَر. لو قِيلَ «وَاللَّيلِ المُظلِم» لَتَكَلَّمَت الآيةُ عَن صِفَةٍ ساكِنة. لكنّها قالت «إذا يَغشى»، فَجَعَلَت اللَّيلَ في حَركَةٍ مُتَجَدِّدة. الكَونُ ليس مَنظَراً ثابِتاً، بَل عَمَلٌ يَتَجَدَّد. والقَسَمُ بِما يَتَجَدَّدُ يَجُرُّ السامعَ إلى لَحظَتِه: اللَّيلُ الذي يَغشاكَ الآن، لا لَيلٌ في كِتابٍ بَعيد.


حَصيلة

واوُ القَسَمِ تَفتَتِحُ السورةَ بالليلِ في فِعلِ التَّغطِيَة. الجِذرُ ل-ي-ل ظَرفٌ يَلتَفُّ على ما تَحتَه فيَحتَويه. وفِعلُ «يَغشى» من الجِذرِ غ-ش-و: تَغطِيَةٌ تَنتَشِرُ على سَطحٍ حتّى تَشمَلَ كلَّ شَيء، كالغِشاوَةِ على العَينِ والغَشيِ على الواعي. المُضارِعُ بَعدَ «إذا» يَجعَلُ الفِعلَ يَتَجَدَّدُ مَع كلِّ ليلَةٍ تَأتي. الليلُ ليس وَقتاً مُنتَهِياً بل كَيانٌ يَفعَلُ، ويَدعو القارئَ إلى أن يُدرِكَ أنَّ ما سَيُقالُ عن السَّعيِ البَشَريِّ يَجري في كَونٍ يُجسِّدُ بِنَفسِه مَعنى الطَّرَفَين.