الليل · الآية 4

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ

«إنّ ... لَ»: تَأكيدانِ يَلتَقيان

«إنّ» تَأكيدٌ في صَدرِ الجُملَة، واللامُ في «لَشَتَّى» تَأكيدٌ على الخَبَر، وفي اجتِماعِهِما تَأكيدٌ مُضاعَفٌ يَدُلُّ على أنَّ ما يُقالُ غَيرُ عابِر، فالسَّعيُ مُتَنَوِّعٌ بِبِنيَتِه لا بِالصُّدفَة. وهذا ما يَستَدعي القَسَمَ الكَبيرَ قَبلَه: لَيلٌ ونَهار، وذَكَرٌ وأُنثى، ثُمَّ إعلانُ أَنَّ السَّعيَ نَفسَه يَتَفَرَّعُ تَفَرُّعاً عَميقاً.

ويَنقَلِبُ مَوقِعُ القارئِ في هذه الآية، فالآياتُ السابِقَةُ كانَت تَتَكَلَّمُ عَن الكَونِ والخَلق، وهذه الآيةُ تَلتَفِتُ إلَيه: «سَعيُكُم»، والكافُ ضَميرُ خِطابٍ يَستَدعي القارئَ مُباشَرَةً، فما كانَ مَنظَراً صارَ خِطاباً.

«السَّعي»: حَرَكَةٌ مُلتَصِقَةٌ بِقَصدِ صاحِبِها

والجِذرُ س-ع-ي يَدُلُّ على انسيابٍ مُلتَصِقٍ بِمَقصِد، ومنه «سَعى في حاجَتِه» إذا مَشى لَها مُتَوَجِّهاً، و«المَسعى» لِلمَكانِ الذي يَجري فيه هذا السَّعي. ويُذكَرُ السَّعيُ في الكِتابِ في مَواضِعَ كَريمَة: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، وَوَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا﴾، والكَلِمَةُ في ذاتِها مُحايِدَة، تَلتَقِطُ الإنسانَ في حَرَكَتِه نَحوَ ما يُريدُه.

وتَنزِلُ الكَلِمَةُ في هذه السورةِ بِالجَمعِ المُضافِ إلى ضَميرِ المُخاطَبين: «سَعيُكُم»، فالمُخاطَبُ جَماعَةٌ غَيرُ فَردٍ واحِد، وكلُّ القارئينَ مَدعُوّون. والسورةُ لا تَنفي السَّعي، ومَقصِدُها أن تَلفِتَ النَّظَرَ إلى أَنَّه يَنقَسِمُ بِبِنيَتِه، فكلُّ ساعٍ ساعٍ، غَيرَ أنّ السَّعيَين قد يَكونانِ في جِهَتَين مُتَقابِلَتَين.

«شَتَّى»: تَفَرُّقٌ يَستَقِرُّ في حُدودٍ مُتَمَيِّزَة

و«شَتَّى» جَمعُ «شَتيت»، مِن جِذرِ ش-ت-ت، وهو يَدُلُّ على التَّفَرُّقِ الذي يَستَقِرُّ فيه كلُّ جُزءٍ بِحَدِّه، فهو تَفَرُّقٌ مُحَدَّدٌ كلُّ طَرَفٍ مِنه قائمٌ بِنَفسِه، غَيرُ هَلامِيٍّ يَنتَهي إلى ضَياع. وفي الكِتاب: وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾، فالماءُ واحِدٌ يَنزِل، ويَخرُجُ بِه أزواجٌ مِن نَباتٍ شَتَّى، كلٌّ مِنها مُتَمَيِّزٌ بِحَدِّه.

وهذا بِالضَّبطِ ما يُقالُ عَن السَّعيِ هُنا، فهو مَفهومٌ واحِدٌ في صورَتِه (كُلُّ إنسانٍ في سَعي)، ولكنَّه يَتَفَرَّقُ في جِهَتِه إلى صُنوفٍ مُتَمَيِّزَة. وستَكشِفُ السورةُ في الآياتِ التاليَةِ كَيفَ يَنقَسِمُ هذا التَّفَرُّقُ إلى قُطبَين أساسِيَّين: مَن أَعطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ، ومَن بَخِلَ وَاستَغنى وَكَذَّب، فكما يَجري الكَونُ في زَوجَين يَنقَسِمُ السَّعيُ البَشَريُّ بِدَورِه في جِهَتِه إلى زَوج.

والقارئُ حينَ يَسمَعُ «إنَّ سَعيَكُم لَشَتَّى» يَنبَغي أن يَستَوقِفَ نَفسَه قائلاً: لَستُ مُتَفَرِّجاً على هؤلاءِ المُخاطَبين، وإنَّما أنا في وَسَطِ مَن يُخاطَب. والسَّعيُ في حَركَتِه كثيرٌ، ولكنَّه في وُجهَتِه قَليل، والسورةُ ستَأخُذُ القارئَ بَعد قَليلٍ إلى ما يُحَدِّدُ هذه الوُجهَة.


حَصيلة

يَنزِلُ جَوابُ القَسَمِ الثُّلاثيِّ بِتَأكيدَين: «إنَّ» في أوَّلِه، واللامِ في «لَشَتَّى». والجِذرُ س-ع-ي مَشيٌ بِقَصدٍ مُلتَصِقٍ بالماشي، و«شَتَّى» جَمعُ «شَتيت»، أي مُتَفَرِّق. والسَّعيُ مَوجودٌ في كلِّ إنسان، والتَّفَرُّقُ في الجِهَةِ هو ما تُعلِنُه القَضِيَّة، والكَونُ يَجري في أزواجٍ مُتَقابِلَة، والسَّعيُ البَشَريُّ يَسيرُ في جِهَتَين. وتَكشِفُ السورةُ هذا الانقِسامَ حَقيقَةً لا لَوماً، ثمَّ تُفَصِّلُ مَآلَ كلِّ جِهَة.