الشَّهيد / الشُّهَداء
الحُضورُ الذي يَرى ويَقدِرُ على الإخبار. لَيسَ الشَّاهدُ مَن عَلِمَ فَحَسب، بَل مَن حَضَرَ بِأُمِّه وبَصَرِه فَرأى وأَمكَنَه أن يُخبِرَ عَمَّا رَأى.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ش: هَواءٌ يَتَشَتَّتُ من مُقَدَّمِ الفَم. شِحنَتُه: انتِشارٌ
وتَفَرُّق، حُضورٌ يَتَبَدَّى في اتِّجاهاتٍ مُتَعَدِّدة.
- ه: نَفَسٌ خَفيفٌ من الحَلق. شِحنَتُه: هَمسٌ وظُهور، خُروجٌ
رَقيقٌ يُعلَن.
- د: اللِّسانُ في ضَبطٍ مُحكَم. شِحنَتُه: ثَباتٌ وضَبط،
تَثبيتٌ في مَوضِع.
النَّواةُ شه (ش + ه) = انتِشارٌ يَظهَر، حُضورٌ يُعلِنُ نَفسَه على السَّطح. الإغلاقُ بـد يَختِمُ هذا الحُضورَ في مَوضِعٍ ثابِتٍ مُحكَم، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: حُضورٌ مُنتَشِرٌ يَثبُتُ في مَوضِعٍ فيَقدِرُ على الإخبار.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- شَهِدَ = حَضَرَ ورَأى. الفِعلُ يَجمَعُ الحُضورَ والرُّؤيةَ
والقُدرةَ على الإخبار.
- الشَّهادة: الإخبارُ عَمَّا حُضِرَ ورُؤِيَ. الشَّهادةُ لا
تَصِحُّ إلّا بِحُضورٍ سابِق.
- الشَّهيد: في الاستِعمالِ القُرآنيّ: مَن يَشهَدُ لِلهِ،
ومَن قُتِلَ في سَبيلِه شَهيداً لِصِحَّةِ ما انقادَ له. الرَّبطُ بَين المَعنَيَين واضِح: الشَّهيدُ حَضَرَ بِنَفسِه وشَهِدَ بِدَمِه.
- اللهُ شَهيد: أكثَرُ ما وَرَدَ «شَهيد» وَصفاً لله في القرآن:
الحُضورُ المُطلَقُ الذي يَرى ويُحيطُ ولا يَغيبُ عن شيء.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ش-ه-د: حُضورٌ مُنتَشِرٌ ثابِتٌ يَرى ويَقدِرُ على إخراجِ ما رآه. الشَّاهدُ ليسَ مُجَرَّدَ عالِم بالعِلمِ المُجَرَّد، بَل مَن مَرَّ بالحَدَثِ بِجِسمِه ووَعيِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ «الشَّهيد» في القرآن
- شُهَداءَكُم (جَمع، مُضاف للضَّمير): في ٢:٢٣: أَنتُم
تَختارون شُهَداءَكم. الإضافةُ تَجعَلُ الشُّهَداءَ مِلكَ المُتَحَدِّين: هُم أنفُسُهم يَستَدعونَهم.
- شَهيد (صِيغةُ مُبالَغة): كَثيرُ الشَّهادة أو دائِمُها.
«اللهُ على ذلك شَهيد».
- شاهِد (اسمُ فاعِل): مَن يَشهَدُ في لَحظةٍ مُعَيَّنة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغِ الحُضورُ الذي يَرى
ويُخبِرُ قائِم. الوَزنُ يُحَدِّدُ المِقدارَ والزَّمَن.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
(لا فَرعَ مُستَقِلاً في هذه المَرحَلة. كلُّ صِيَغِ ش-ه-د تَدورُ على الحُضورِ الشَّاهِد.)
المَواضع: مَواقعُ الشَّهيدِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٣ ﴿وادعوا شُهَداءَكُم مِن دونِ اللهِ إن كُنتُم صادِقين﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الشُّهَداءُ هنا في مَقامِ الاختِبار: ادعوا مَن حَضَرَ بِكم ورَأى ويَقدِرُ على الإخبار. المَطلوبُ لَيسَ عُلَماءَ يَعرِفون من وَراءِ حِجاب، بَل مَن كانَ شاهِداً حاضِراً بِأُمِّه. والقَيدُ «مِن دونِ اللهِ» يَجعَلُ الاختِبارَ عادِلاً: لا تَستَعِن بِحُضورٍ تَدَّعي أنّه أَعلى من الحُضورِ البَشَريّ. استَدعِ مَن كانَ حاضِراً كَما يَكونُ الإنسانُ حاضِراً. ثُمَّ «إن كُنتُم صادِقين» يَجعَلُ الشَّهادةَ اختِباراً للصِّدق: مَن كانَ رَيبُه حَقيقيّاً، فَعَلَ؛ ومَن ادَّعى، تَوَقَّف.
- ٢:١٤٠ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: «شَهادةً عِندَه مِنَ الله»، الشَّهادةُ هنا مَصدَرُها إلهيٌّ: اللهُ أَودَعَها في صاحِبِها. مَن كَتَمَها قاطَعَ الأَمانةَ الإلَهيَّةَ التي يَحمِلُها. الجَديدُ: هنا كِتمانُ الشَّهادةِ لَيسَ ضُعفاً أو تَرَدُّداً، هو ظُلمٌ مُتَعَمَّدٌ وَصفَه القرآنُ بِأنَّه لا أَظلَمَ منه. الشَّهادةُ الإلَهيَّةُ الودِيعةُ تَستَحِقُّ الإعلانَ.
- ٢:٢٨٢ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾: الشَّهادةُ في آيةِ الدَّيْن: مَفصَّلةٌ تَفصيلاً عَمَليّاً. «استَشهِدوا شَهيدَين»، طَلَبُ حُضورٍ شاهِد. التَّعادُلُ: رَجُلانِ أَو رَجُلٌ وامرأَتان، «أَن تَضِلَّ إحداهُما فَتُذَكِّرَ إحداهُما الأُخرى»، الشَّهادةُ ذاكِرةٌ حيَّة. «ولا يَأبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعوا»، الحُضورُ الشّاهِدُ مُلزَمٌ إذا طُلِب.
- ٢:٢٨٣ ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾: كِتمانُ الشَّهادة: الشَّاهِدُ الذي لا يَشهَدُ يَحمِلُ إِثماً قَلبيّاً. «آثِمٌ قَلبُه»، الإثمُ يُحَدِّدُ المَوضِعَ: القَلبُ لا اليَد. الشَّهادةُ فِعلٌ أَخلاقيٌّ لا مُجَرَّدُ إجراء.
- ٣:١٨ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: الجَديدُ: الشَّهادةُ تُنسَبُ هُنا إلى الشّاهِدِ الأعلى نَفسِه، فبَعدَ أن كانَت في ٢:٢٣ مَطلوبةً من حاضِرينَ بَشَريّين، وفي ٢:١٤٠ أمانةً عِندَ صاحِبِها، تَصيرُ فِعلاً يَصدُرُ عنِ الله. والشُّهودُ ثَلاثُ مَراتِبَ في نَسَقٍ واحِد: اللهُ، فالمَلائكةُ، فأولو العِلم، والوَصفُ الأخيرُ يَجعَلُ العِلمَ شَرطَ الدُّخولِ في الشَّهادةِ لا النَّسَبَ ولا العَدَد. و«قائماً بِالقِسط» حالٌ تَصِلُ الشَّهادةَ بِالقِيامِ على المِيزان، فالشّاهِدُ هُنا هو المُقيمُ لِلقِسطِ نَفسُه. انظُر العِلم.
- ٣:٥٣ ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: الجَديدُ: تُطلَبُ الشَّهادةُ بِصيغةِ الكِتابةِ في عِدادِ أهلِها: «فاكتُبنا مَعَ الشّاهِدين»، فتَصيرُ مَقاماً يُسأَلُ الانتِظامُ فيه بَعدَ إيمانٍ واتِّباع. انظُر الكِتاب.
- ٣:٧٠ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: الجَديدُ: تُجعَلُ الشَّهادةُ حالاً مُلازِمةً لِلتَّغطية، فيَجتَمِعُ في الفاعِلِ الواحِدِ حُضورٌ يُعايِنُ وسَترٌ يُغَطّي. فالشَّهادةُ لا تَمنَعُ الكُفرَ بِذاتِها، وهي التي تَجعَلُه سُؤالاً يُسأَلُ عن عِلَّتِه. انظُر الكُفر.
- ٣:٩٨ ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾: الجَديدُ: الشُّهودُ هُنا صِفةٌ ثابِتةٌ على وَزنِ فَعيل لا فِعلٌ واقِعٌ في مَقام، ومُتَعَلَّقُها «ما تَعمَلون»: العَمَلُ لا القَولُ ولا العَقد. فبَعدَ شَهادَتِه على ما هو كائنٌ في ٣:١٨ تَجيءُ شَهادَتُه على ما يَقَعُ من الفاعِلين. والجُملةُ خِتامُ سُؤالٍ عنِ الكُفرِ بِالآيات، فالشُّهودُ يُذكَرُ حَيثُ يُنكَرُ المَشهود.
- ٣:١٤٠ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾: الجَديدُ: «شُهَداء» جَمعٌ مُنَكَّرٌ مَفعولٌ لِـ«يَتَّخِذ»، فالشّاهِدُ يُتَّخَذُ اتِّخاذاً: الشَّهادةُ هُنا مَقامٌ يُصطَفى لَه لا خَبَرٌ يُؤَدّى. وسِياقُها مُداوَلةُ الأيّامِ بَينَ النّاسِ وإصابةُ القَرح، فالمَوضِعُ الذي يُتَّخَذُ فيه الشُّهَداءُ مَوضِعُ ابتِلاءٍ لا مَجلِسُ قَضاء. وهذا وَجهٌ لم يَسبِقْ فيما مَضى من المَواضِع: الشَّهادةُ تُعطى، لا تُؤَدّى فَحَسب.
- ٨٥:٣ ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: القَسَمُ الثالثُ في سورةِ البُروج. «شاهِد» اسمُ فاعِلٍ = الحاضِرُ الذي يَرى، و«مَشهود» اسمُ مَفعولٍ = ما يُشهَدُ عليه ويُرى. الآيةُ تَجمَعُ الطَّرَفَين: الشُّهودَ والمَشهودَ في قَسَمٍ واحِد. بعدَ القَسَمِ بالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ (٨٥:١، الشُّهودُ الكَونيّ) واليَومِ الموعودِ (٨٥:٢، الشُّهودُ الأُخرَويّ) يَأتي «شاهِدٌ ومَشهود» لِيَعُمَّ كُلَّ حادِثةِ شُهود. جَمعُ النَّكِرتَين (شاهِد/مَشهود) يُوَسِّعُ: كُلُّ ما يَشهَدُ وكُلُّ ما يُشهَد.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
sidq: «إن كُنتُم صادِقين» في ٢:٢٣ مُتَّصِلٌ بِالشَّهادة:
الصِّدقُ شَرطُ الشَّهادة الحَقيقيّة.
rayb: الشُّهَداءُ جَوابُ الرَّيب: إن كانَ رَيبُك حَقيقيّاً
استَدعِ الشُّهَداءَ واختَبِر.
ilm: الشَّهادةُ أَعلى من العِلمِ المُجَرَّد: تَضمُّ
الحُضورَ الحِسِّيَّ.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «الشَّهيد» في القرآنِ يَعني دائِماً المَقتولَ في سَبيلِ الله؟
لا. في كثيرٍ من المَواضِع يَعني «الحاضِرَ الشَّاهِد». مَوقِفُنا: الأَصلُ هو الحُضورُ والرُّؤية؛ «الشَّهيدُ المَقتول» مَن شَهِدَ بِنَفسِه وجَسَدِه على صِدقِ ما انقادَ له.