الليل · الآية 2

﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ

«النَّهار»: انتِشارُ ضَوءٍ، لا مُجَرَّدُ ساعاتٍ

والفَرقُ بين «اليَوم» و«النَّهار» في العربيّةِ دَقيق، فاليَومُ ظَرفٌ مِنَ الزَّمَنِ يَشمَلُ اللَّيلَ والنَّهارَ مَعاً، أمّا النَّهارُ فَهُوَ القِسمُ المُضيءُ مِنه، الذي يَجري فيه الضَّوءُ كَما يَجري الماءُ في النَّهر. وجِذرُهُما واحد، وهو ن-ه-ر، ويَحمِلُ صورَةَ السَّيَلانِ المُنتَشِرِ في وُضوح.

وعُدِلَ في الآيةِ عن «وَالنَّهارِ السَّاطِع» إلى «النَّهارِ إذا تَجَلَّى»، فهو نَهارٌ في فِعلِ التَّجَلّي، والصِّيغَةُ مُوازِيَةٌ تَماماً لِلآيةِ الأُولى: ظَرفٌ يَدخُلُ في فِعل، وكأنَّ السورةَ تُريدُ أن تَلفِتَ الانتِباهَ إلى أنّ كِلا الطَّرَفَين فاعِلٌ غَيرُ مُنفَعِل.

«تَجَلَّى»: الانكِشافُ بَعدَ السَّتر

والجِذرُ ج-ل-و يَدُلُّ عَلى انكِشافٍ وَوُضوح، ومنه «جَلا الصَّقيلُ السَّيفَ» إذا أزالَ صَدَأه فَأظهَرَ لَمَعانَه، ومنه «التَّجَلِّي»، وهو الظُّهورُ بَعدَ الخَفاء. واختِيارُ هذه الصِّيغَةِ بِالذَّاتِ مَع النَّهارِ يُقابِلُ بِدِقَّةٍ ما فَعَلَه «يَغشى» مَع اللَّيل، فالأُولى تَغطِيَةٌ تَنتَشِر، والثانيةُ كَشفٌ يَنتَشِر، وكِلتاهُما حَرَكَةٌ لا حالَة.

والصِّيغَةُ «تَجَلَّى» مُطاوَعَةٌ مِن «جَلا»، فمَعناها أنَّ النَّهارَ نَفسَه يَنكَشِف، لا أنَّه يَكشِفُ شَيئاً، وهو يَتَجَلَّى عَلى نَفسِه قَبلَ أن يَكشِفَ ما تَحتَه، كَأنَّه يَخرُجُ مِنَ السِّترِ الذي وَضَعَه عَلَيه اللَّيل. والقَسَمُ بِما يَنكَشِفُ يُعِدُّ القارئَ لِما سَيَأتي: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ، فسَيَأتي مَن يَتَجَلَّى سَعيُهُ كالنَّهار، ومَن يَغشى سَعيَه كاللَّيل.

وَيَعودُ الجِذرُ نَفسُه في الكِتابِ في مَواضِعَ تُضيءُ هذه الآية، مِنها تَجَلّي الرَّبِّ لِلجَبَل: فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، والجَبَلُ لَم يَحتَمِلِ الانكِشاف، وهُنا يَتَجَلَّى النَّهارُ عَلى الكَونِ كلَّ يَومٍ بِما تَحتَمِلُهُ المَخلوقاتُ مِنَ الضَّوء. فالتَّجَلّي إذَن انكِشافٌ يُقاسُ بِما يَستَطيعُ المُتَلَقّي حَملَه.


حَصيلة

يَأتي النَّهارُ قُطباً مُضادّاً في الآيةِ التالية. و«تَجَلَّى» من الجِذرِ ج-ل-و، وهو هنا انكِشافٌ يَصدُرُ من الذَّاتِ نَفسِها، بخِلافِ «جَلّاها» في سورةِ الشَّمسِ حيث كانَ النَّهارُ يَجلو الشَّمسَ، والصِّيغَةُ مُطاوَعَةٌ، فالنَّهارُ يَنكَشِفُ مِن ذاتِه. والجِذرُ ن-ه-ر سَيَلانٌ يَتَّسِعُ كالنَّهر. وبالآيَتَينِ مَعاً يَرتَسِمُ المَدارُ الكَونيُّ الكامِل: ليلٌ يَحوي ما تَحتَه، ونَهارٌ يَنشُرُ ما حَواه اللَّيل، والوُجودُ البَشَريُّ يَجري بَينَهُما.