الألَم
**قَطعٌ يُمسِكُ ثُمَّ يُطبِقُ فيَستَرسِل**. لَيسَ الألَمُ في هذا الجَذرِ اسماً لِشُعورٍ يَقومُ بِصاحِبِه، بَل وَصفاً لِ**ما أخَذَ ولا يُفلِت**: فَتحٌ حادٌّ أوَّلاً، ثُمَّ تَعَلُّقٌ لا يَنفَكّ، ثُمَّ انطِباقٌ يَحوي ما عَلِقَ به ويَمضي فيه رَنيناً لا يَنقَطِع. ولِذلك لا يَصِفُ القرآنُ المَنشورُ بِهذا الجَذرِ مُتَأَلِّماً واحِداً، ويَصِفُ به العَذابَ أحَدَ عَشَرَ من أحَدَ عَشَر. والمَصدَرُ «الألَم» نَفسُه لا يُكتَبُ في المُسَجَّلِ مَرّةً واحِدة: لا يَحضُرُ الجَذرُ إلّا صِفة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- أ :: انطِباقٌ تامٌّ لِلوَتَرَينِ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه،
فيَحتَبِسُ مَضغوطاً خَلفَ الحَنجَرة، ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مُفاجِئاً حادّاً. شِحنَتُه: قَطعٌ، ثُمَّ احتِباسٌ وتَهَيُّؤ، ثُمَّ إطلاقٌ فُجائيّ. فالمَبدَأُ حَدٌّ يَقَعُ دَفعةً لا تَدَرُّجَ فيه.
- ل :: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ
جَرَيانِ الصَّوتِ مُنساباً مُمتَدّاً من جانِبَيه. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ وحَوز، وامتِدادٌ وانسِياب. فالوَسَطُ أنَّ ما قَطَعَ يَعلَقُ ولا يَنفَصِل، ويَمتَدُّ مَعَ ذلك.
- م :: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ مُغلَقٍ
ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: ضَمٌّ وتَلاصُق، واحتِواءٌ باطِن، ونَفاذٌ مُسترسِل. فالمُنتَهى إطباقٌ يَحوي ولا يَنتَهي بِوَقفٍ بَل بِاستِرسال.
فالتَّركيبُ: قَطعٌ، فتَعَلُّقٌ، فإطباقٌ يَستَرسِل. وهذه ثَلاثُ خُطُواتٍ لا تُوجَدُ في لَفظِ «الوَجَع» ولا في لَفظِ «الضُّرّ»: أنَّ البِدايةَ حَدٌّ واقِعٌ من خارِج، وأنَّ الوَسَطَ إمساكٌ لا إفلاتَ مَعَه، وأنَّ الآخِرَ إغلاقٌ على ما أُمسِكَ لا انفِراجٌ عنه.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الجَذرَ يَصِفُ المُمسِكَ لا المُمسَكَ به. ولو كانَ اسماً لِلشُّعورِ لَكانَ أوَّلَ ما يوصَفُ به مَن يَشعُر، فيُقالُ «قَومٌ أليمون» كما يُقالُ «قَومٌ خائِفون». والقرآنُ المَنشورُ لا يَفعَلُ ذلك مَرّةً واحِدةً في أحَدَ عَشَرَ مَوضِعاً: الأحَدَ عَشَرَ كُلُّها نَعتٌ لِـ«عَذاب».
وأثقَلُ ما يُثبِتُه ١٧:١٠، وحُجَّتُه موجِبة: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. و«أَعْتَدَ» من ع-ت-د، وهو إمساكٌ وادِّخارٌ قَبلَ الحاجة، فالصِّفةُ تَثبُتُ لِلعَذابِ وهو مُهَيَّأٌ لم يَقَعْ على أحَدٍ بَعد: لا مُتَأَلِّمَ في المَشهَدِ أصلاً، ولا شُعورَ قائِمٌ بِأحَد، والوَصفُ تامٌّ مَعَ ذلك. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِلشُّعورِ لَما صَحَّ على مُدَّخَرٍ لا يَشعُرُ بِه أحَد.
ويَتلوهُ ٢:١٠، وحُجَّتُه سالِبة: هو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يَذكُرُ فيه القرآنُ حالاً في الباطِنِ صَريحةً («فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ») ثُمَّ يَذكُرُ الصِّفة، فلا يُنزِلُها على المَرَضِ ولا على أصحابِه بَل على العَذابِ وَحدَه. حَيثُ كانَ لِلصِّفةِ أن تَنتَقِلَ إلى المُتَأَلِّمِ انتَقَلَت إلى ما يَقبِضُ عليه. فالأوَّلُ يُثبِتُ الصِّفةَ حَيثُ لا مَحَلَّ بَشَريَّ البَتّة، والثّاني يَمنَعُها حَيثُ المَحَلُّ حاضِرٌ مُسَمّىً، والمُوجِبةُ أثقَلُ لِأنَّها لا تَحتاجُ إلى تَأويلِ امتِناع.
ومنه في كلامِ العَرَب: الألَم لِما يَأخُذُ فلا يُترَك، وآلَمَه أي أوقَعَ به هذا الأخذ، وتَأَلَّمَ لِمَن وَقَعَ عليه. والصِّيغةُ التي اختارَها القرآنُ فَعيل، وهي صيغةُ الوَصفِ الثّابِتِ لا الحالِ العارِضة، فيَصيرُ المَعنى: عَذابٌ من طَبعِه أن يُمسِك، لا عَذابٌ اشتَدَّ في لَحظة.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ أ-ل-م: حَدٌّ يَقَعُ فيَعلَقُ فيُطبِق.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
أحَدَ عَشَرَ مَوضِعاً في السُّوَرِ المَنشورة، ووَزنٌ واحِدٌ لا ثانِيَ لَه (فَعيل)، وثَلاثُ صُوَرٍ إعرابِيّةٍ لَيسَ بَينَها فَرقٌ في البِنية:
- الصِّفةُ مَرفوعةً مُنَوَّنةً «أَلِيمٌ»: تِسعةُ مَواضِع، كُلُّها
نَعتٌ لِـ«عَذابٌ» مَرفوعاً في جُملةٍ اسمِيّةٍ خَبَرُها جارٌّ ومَجرور («ولَهُم»، «ولِلكافِرين»، «فلَه»).
- الصِّفةُ مَجرورةً مُنَوَّنةً «أَلِيمٍ»: مَوضِعٌ واحِدٌ (٣:٢١)،
نَعتٌ لِـ«عَذابٍ» بَعدَ باءِ التَّعدِية.
- الصِّفةُ مَنصوبةً مُنَوَّنةً «أَلِيمًا»: مَوضِعٌ واحِدٌ (١٧:١٠)،
نَعتٌ لِـ«عَذابًا» مَفعولاً ثانِياً لِـ«أَعْتَدْنَا». وهي الصّورةُ الوَحيدةُ التي يَقَعُ فيها المَوصوفُ مَفعولاً لِفِعلٍ لا خَبَراً في جُملةٍ اسمِيّةٍ ولا مَجروراً بِحَرف.
وما لا يَرِدُ من الجَذرِ أدَلُّ مِمّا يَرِد. لا يَرِدُ منه فِعلٌ البَتّة، لا ماضٍ ولا مُضارِعٌ ولا أمر، فلا يَقولُ المُسَجَّلُ عن أحَدٍ إنَّه تَأَلَّمَ ولا إنَّه يَألَم. ولا يَرِدُ منه مَصدَرٌ، فلا تُكتَبُ «الألَم» ولا «الآلام». ولا تَرِدُ الصِّفةُ مُعَرَّفةً مَرّةً واحِدة، فلَيسَ في المُسَجَّلِ «العَذابُ الأليم»، والتَّنكيرُ لازِمٌ في أحَدَ عَشَرَ من أحَدَ عَشَر. ولا تَرِدُ مُؤَنَّثةً ولا مَجموعة، ولا تَنعَتُ شَيئاً غَيرَ العَذابِ أصلاً.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصُّوَرِ الثَّلاث (قَطعٌ
يُمسِكُ فيُطبِق)، والإعرابُ وَحدَه يَختَلِف. ووَزنُ فَعيلٍ هو ما يَحمِلُ
الحُكمَ كُلَّه: صِفةٌ راسِخةٌ في المَوصوفِ لا حالٌ تَعرِضُ لَه. ولِذلك
لا تَنفَكُّ عَنِ العَذابِ في المُسَجَّلِ ولا يَنفَكُّ العَذابُ عَنها
حَيثُ ذُكِرَت.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
3adhab(العَذاب، ع-ذ-ب): المَوصوفُ الوَحيدُ لِهذه الصِّفةِ في
المُسَجَّلِ كُلِّه، والفَرقُ بَينَهُما فَرقُ اتِّجاه. مَفهومُ 3adhab يَقرَأُ الجَذرَ نَفاذاً من العُمقِ إلى الظّاهِر، أي حَرَكةً من الدّاخِلِ خارِجاً. وهذا الجَذرُ عَكسُ ذلك: حَدٌّ يَقَعُ من خارِجٍ فيَعلَقُ ثُمَّ يُطبِقُ على الباطِن. فالعِبارةُ «عَذابٌ أَليمٌ» تُسَمّي حَدَثاً واحِداً من طَرَفَيه: ما يَخرُجُ من الجَوهَرِ وما يُطبِقُ عليه. ولِهذا لا تَستَقيمُ الصِّفةُ وَحدَها: هي تَحتاجُ إلى ما تُغلِقُ عليه، والقرآنُ لا يَكتُبُها قَطُّ بِلا مَوصوف.
3azim(العَظيم، ع-ظ-م) وshidda(الشَّديد، ش-د-د): الصِّفَتانِ
الأُخرَيانِ اللَّتانِ يَنعَتُ بِهِما القرآنُ العَذاب. و«عَظيم» يَقيسُ المِقدارَ (ثِقَلٌ ذاتيٌّ يَبرُزُ مُجتَمِعاً)، و«شَديد» يَقيسُ الشَّدَّ (حَصرٌ يَضُمُّ فيُثَبِّتُ حتّى لا يَنحَلَّ الشَّيءُ في نَفسِه)، و«أَليم» يَقيسُ الإمساكَ بِالمَوقوعِ عليه. فالأوَّلُ وَصفٌ لِحَجمِ العَذاب، والثّاني وَصفٌ لِتَماسُكِه، والثّالِثُ وَصفٌ لِعَلاقَتِه بِمَن نَزَلَ به. ولِذلك تَصلُحُ «شَديد» لِلبَطشِ ولِلعِقابِ ولِلمِحال، ولا تَصلُحُ «أَليم» إلّا حَيثُ يوجَدُ مَأخوذ.
marad(المَرَض، م-ر-ض): الجَذرُ الوَحيدُ الذي يَجمَعُه القرآنُ
مَعَ هذه الصِّفةِ في آيةٍ واحِدة (٢:١٠). والمَرَضُ انحِرافٌ يَتَراكَمُ في الباطِنِ بِلا حَدٍّ قاطِعٍ يُبتَدَأُ منه، والأليمُ حَدٌّ قاطِعٌ يَقَعُ ثُمَّ يُمسِك. فهُما مُتَقابِلانِ في المَبدَأِ لا مُتَرادِفان، والآيةُ تَفصِلُ بَينَهُما بِأن تُبقِيَ المَرَضَ في القُلوبِ وتُنزِلَ الصِّفةَ على العَذاب.
khizy(الخِزي، خ-ز-ي): الوَجهُ المُقابِلُ بِنيَوِيّاً. الخِزيُ
إخراجُ ما في الباطِنِ إلى مَوضِعٍ فيه ناظِرون، فحَرَكَتُه فَتحٌ وامتِداد. والأليمُ إطباقٌ على الباطِن، فحَرَكَتُه ضَمٌّ وإغلاق. ولِذلك يُقسَمُ لِلخِزيِ ظَرفٌ عَلَنِيٌّ ولا يُقسَمُ لِلأليم، ولا يَنعَتُ القرآنُ الخِزيَ بِأليمٍ ولا العَذابَ بِخِزي.
- الوَجَعُ والضُّرُّ والمَسّ: لا مَفهومَ لِواحِدٍ منها في المُدَوَّنِ
بَعد. والفَرقُ الذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى سُجِّلَت: الضُّرُّ اسمٌ لِنُقصانٍ يَنالُ صاحِبَه، والمَسُّ اسمٌ لِلمُلاقاةِ في أوَّلِها، وهذا الجَذرُ لا يُسَمّي النُّقصانَ ولا أوَّلَ المُلاقاةِ بَل ما يَبقى بَعدَهُما مُمسِكاً.
المَواضع: مَواقعُ الألَمِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٠ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: قاعِدةُ
البَيت. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ نَعتاً، ويَدخُلُ في المَوضِعِ الوَحيدِ الذي تَسبِقُه فيه عِلّةٌ في الباطِنِ مَذكورةٌ بِاسمِها: «فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا». فكانَ لِلصِّفةِ مَحَلٌّ بَشَريٌّ حاضِرٌ تَنزِلُ عليه ولم تَنزِل، وهذا وَحدَه يَفصِلُ في أمرِ الجَذرِ كُلِّه: هو يَصِفُ الآخِذَ لا المَأخوذ. وتُختَمُ الآيةُ بِعِلّةٍ مُستَمِرّةٍ لا واقِعةٍ واحِدة («بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ»)، فيُقابِلُ الاستِمرارُ في السَّبَبِ الاستِرسالَ الذي في م. انظُر marad وkadhib و3adhab.
- ٢:١٠٤ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: تُذكَرُ
الصِّفةُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِلا عِلّةٍ مَذكورةٍ بَعدَها، فلا «بِما» ولا «بِأنَّهُم». الجُملةُ كُلُّها لامُ مِلكٍ ومَوصوفٌ ونَعت. فيَظهَرُ أنَّ الصِّفةَ لا تَحتاجُ إلى تَعليلٍ لِتَثبُت: هي تَلزَمُ المِلكَ نَفسَه. ومَوقِعُها خِتاماً لِآيةٍ مَوضوعُها لَفظٌ يُقالُ ويُبدَلُ بِلَفظٍ («لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا») يَجعَلُ أدنى ما يُمسَكُ به كَلِمةً واحِدة.
- ٢:١٧٤ ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الجَديدُ:
تَقَعُ الصِّفةُ لِأوَّلِ مَرّةٍ خِتاماً لِسِلسِلةٍ من المَنع: لا كَلامَ ولا تَزكِية، وقَبلَهُما أكلٌ في البُطونِ لا يَخرُجُ منها («مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ»). فيَجتَمِعُ في الآيةِ صُورَتانِ لِلإطباق: مَحبوسٌ في الجَوفِ، ومَحجوبٌ عَنِ الصِّلة. والصِّفةُ تَأتي بَعدَهُما لا قَبلَهُما، فتَقرَأُ ما سَبَقَها لا تَستَأنِفُ حُكماً جَديداً. انظُر nar.
- ٢:١٧٨ ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
الجَديدُ: المَوضِعُ الوَحيدُ الذي تَقَعُ فيه الصِّفةُ داخِلَ حُكمٍ عَمَليٍّ مَحدود. وكُلُّ ما قَبلَها في الآيةِ مَكيلٌ بِمِثلِه (الحُرُّ بِالحُرِّ، والعَبدُ بِالعَبدِ)، ثُمَّ يُذكَرُ التَّخفيفُ والرَّحمة، ثُمَّ تُوضَعُ الصِّفةُ حَدّاً لِمَن تَجاوَزَ بَعدَ أن خُفِّفَ عنه. فهي هُنا لَيسَت جَزاءَ الجِنايةِ الأولى بَل جَزاءَ الاعتِداءِ على المُعادَلةِ نَفسِها، أي ما لا يُقَصُّ مِنه بِمِثلِه. وصيغةُ «فَمَن... فَلَه» هي بِعَينِها صيغةُ الحُكمِ المُقابِلِ في ٣:١٨٥، وهُناكَ يَخرُجُ الخارِجُ وهُنا يَلزَمُ اللّازِم. انظُر qisas.
- ٣:٢١ ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: الجَديدُ: الصّورةُ
المَجرورةُ الوَحيدة، وهي وَحدَها التي تَخرُجُ فيها الصِّفةُ من بابِ المِلكِ إلى بابِ الإبلاغ: لا «لَهُم» بَل «بَشِّرهُم». فيَصيرُ العَذابُ الأليمُ خَبَراً يُحمَلُ إلَيهِم لا مِلكاً يوصَفُ به غِيابُهُم، ويُحمَلُ بِفِعلِ التَّبشيرِ المَوضوعِ لِلسّارّ. وهي كَذلك أوَّلُ مَوضِعٍ يُذكَرُ فيه القَتلُ سَبَباً، فيُقابَلُ أشَدُّ ما يُفعَلُ بِالنّاسِ بِأَثبَتِ ما يوصَفُ به العَذاب. انظُر 3adhab.
- ٣:٧٧ ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: تَتَكَرَّرُ خاتِمةُ ٢:١٧٤
بِحُروفِها، ويَتَغَيَّرُ ما حَولَها: المَبيعُ يَصيرُ عَهدَ اللهِ والأيمانَ بَعدَ أن كانَ الكِتاب، وتُزادُ نافِيةٌ ثالِثةٌ هي نَفيُ النَّظَر، وتَسقُطُ النّار. فيَتَبَيَّنُ بِالمُقابَلةِ أنَّ الصِّفةَ هي الثّابِتُ حينَ يَتَغَيَّرُ كُلُّ ما عَداها، وأنَّ الذي يَستَدعيها في المَوضِعَينِ شَيءٌ واحِدٌ لا غَير: «ثَمَنًا قَلِيلًا». فما يُقابِلُ الإمساكَ الذي لا يَنفَكُّ هو بَيعٌ لا يُستَرَدّ.
- ٣:٩١ ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾:
الجَديدُ: المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُعرَضُ فيه فِداءٌ ثُمَّ يُرَدّ: «مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ». فتُحَدَّدُ الصِّفةُ هُنا بِالنَّفيِ لِأوَّلِ مَرّة: أليمٌ أي لا يُشتَرى الخُروجُ منه بِأقصى ما يُملَك، ولا يُنتَزَعُ صاحِبُه منه بِناصِرٍ من خارِج. فسُدَّ البابانِ مَعاً، بابُ العِوَضِ وبابُ النُّصرة، وهُما البابانِ اللّذانِ يُفلِتُ منهُما المُمسَكُ بِه عادةً. وهذا أوضَحُ تَفسيرٍ لِـل وم في الجَذر: تَعَلُّقٌ لا يَنفَصِلُ وإطباقٌ لا يَنفَتِح.
- ٣:١٧٧ ﴿لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
الجَديدُ: المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُصَرَّحُ فيه قَبلَ الصِّفةِ بِأنَّ الضَّرَرَ لم يَقَع. فلا تُقرَأُ الصِّفةُ مُقابَلةً لِأذىً أصابَ غَيرَهُم، ويَسقُطُ تَقديرُ التَّناسُبِ بَينَ ما فَعَلوا وما يوصَفُ به عَذابُهُم. وما يَبقى عِلّةً هو صورةُ الصَّفقةِ وَحدَها: «اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ». فالإمساكُ من جِنسِ ما أمسَكوا به لا من جِنسِ ما أحدَثوا. وهي من أقصَرِ الأَحَدَ عَشَرَ لَفظاً (بَعدَ ١٧:١٠ و٢:١٠)، فتَقِفُ الصِّفةُ فيها شِبهَ مُنفَرِدة.
- ٣:١٨٨ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: المَوضِعُ الوَحيدُ
الذي يُذكَرُ فيه مَخرَجٌ ثُمَّ يُنفى في الجُملةِ السّابِقةِ لَها مُباشَرةً: «فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ». فتُعَرَّفُ الصِّفةُ تَعريفاً سالِباً وتامّاً: الأليمُ ما لا مَفازةَ منه. وتُنفى المَفازةُ نَهياً عن الحُسبان لا خَبَراً عن وُقوع، فيَتَبَيَّنُ أنَّ المَخرَجَ لم يَكُن إلّا في تَقديرِ ناظِر. وهذا المَوضِعُ وَحدَه يَجمَعُ الجَذرَينِ اللَّذَينِ يُسَمّيانِ الحُكمَينِ في المُدَوَّنة. انظُر fawz.
- ١٧:١٠ ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: الجَديدُ: الصّورةُ
المَنصوبةُ الوَحيدة، والمَوضِعُ الوَحيدُ الذي يوصَفُ فيه العَذابُ بِالصِّفةِ وهو مُهَيَّأٌ لم يَقَعْ على أحَدٍ بَعد: «أَعْتَدْنَا» من ع-ت-د، وهو إمساكٌ وادِّخارٌ قَبلَ الحاجة. فتَثبُتُ الصِّفةُ حَيثُ لا مَحَلَّ بَشَريَّ في المَشهَدِ أصلاً، وهذه حُجّةٌ موجِبة تُقابِلُ حُجّةَ ٢:١٠ السّالِبة وتَسبِقُها في الثِّقَل، لِأنَّ الأولى تُثبِتُ والثّانِيةَ تَمنَع. وهو كَذلك المَوضِعُ الثّاني الذي يَقَعُ في سِياقِ تَبشير بَعدَ ٣:٢١: الآيةُ مَعطوفةٌ على ما يُبَشِّرُ بِه القرآنُ في التّاسِعة («أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا»)، فيَجري الخَبَرانِ على فِعلٍ واحِد. وفي ٣:٢١ يُؤمَرُ المُبَلِّغُ بِأن يُبَشِّرَ بِه، وهُنا يُبَشِّرُ بِه الكِتابُ نَفسُه، فالصِّفةُ تَستَقيمُ في البابَينِ كَما استَقامَت في فَمِ مَن لا سُلطانَ لَه. انظُر bashara و3adhab.
- ٣٦:١٨ ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الجَديدُ:
المَوضِعُ الوَحيدُ الذي تُقالُ فيه الصِّفةُ على لِسانِ البَشَر، والوَحيدُ الذي يُسَمّى فيه مَصدَرُ العَذابِ ويُسَمّى مِنهُم («مِّنَّا»)، والوَحيدُ الذي لا تُبنى فيه الجُملةُ على المِلكِ بَل على فِعلٍ مُؤَكَّدٍ بِنونِ التَّوكيدِ هو المَسّ. فيُقالُ التَّهديدُ بِالصِّيغةِ التي يُقالُ بِها الإنذار، حَرفاً بِحَرف، والقائِلُ قَومٌ تَطَيَّروا وهَدَّدوا بِالرَّجم. وفي ذلك تَمامُ الحُجّةِ لِقِراءةِ القِسمِ الأوَّل: الصِّفةُ في بِنيَةِ العَذابِ لا في سُلطانِ مَن يوقِعُه، ولِذلك استَقامَت في فَمِ مَن لا سُلطانَ لَه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
3adhabفي المَواضِعِ الأحَدَ عَشَرَ كُلِّها: المَفهومانِ يَقرَآنِ
كَلِمَتَينِ لا تَفتَرِقانِ في المُسَجَّل. 3adhab يَقرَأُ ما يَنبَعُ من العُمقِ ويَنفُذُ إلى الظّاهِر، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما يُطبِقُ من الظّاهِرِ على الباطِن. ولا يَتِمُّ وَصفُ الحادِثةِ بِأحَدِهِما.
- مَعَ
maradفي ٢:١٠: المَفهومانِ يَقرَآنِ الآيةَ نَفسَها من
جِهَتَينِ لا تَلتَقِيان: marad يَقرَأُ الانحِرافَ المُتَراكِمَ في القَلب، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ أنَّ الصِّفةَ لم تَنزِل عليه. وامتِناعُ الانتِقالِ هو الدَّليل.
- مَعَ
qisasفي ٢:١٧٨: القِصاصُ يُعادِلُ بِالمِثل، والصِّفةُ
تَقَعُ حَيثُ تَنكَسِرُ المُعادَلة. فيُقرَأُ مَوضِعُها في الآيةِ حَدّاً خارِجِيّاً لِلحُكمِ لا بَنداً فيه.
- مَعَ
fawzفي ٣:١٨٨: المَفهومانِ يَقرَآنِ آيةً واحِدة، أحَدُهُما
يَقرَأُ المَخرَجَ المَنفيَّ والآخَرُ يَقرَأُ المُمسِكَ الثّابِت. وبَينَ ٣:١٨٥ و٣:١٨٨ أربَعُ آيات: يُثبَتُ الخُروجُ لِمَن زُحزِحَ، ويُنفى لِمَن حُمِدَ بِما لم يَفعَل.
- مَعَ
khizyفي مُقابَلةِ الدّارَين: الخِزيُ يُقسَمُ لَه ظَرفٌ
يُرى فيه، والصِّفةُ لا ظَرفَ لَها في المُسَجَّل. فالأوَّلُ يُقرَأُ بِمَن يَنظُر، والثّاني بِمَن يُمسَك.
الإشكالات المَفتوحة
- لِمَ لم يَرِدْ من الجَذرِ فِعلٌ ولا مَصدَر؟ الغِيابُ مُطَّرِدٌ في
أحَدَ عَشَرَ من أحَدَ عَشَر، ويُوافِقُ القِراءةَ (الصِّفةُ لِلمُمسِك، والفِعلُ لو وَرَدَ لَنُسِبَ إلى المُمسَكِ به). ونَشرُ الإسراءِ وطه اختَبَرَ الغِيابَ ولم يَنقُضْه: زادَتِ الإسراءُ صورةً إعرابِيّةً ثالِثةً ولم تَزِدْ فِعلاً ولا مَصدَراً، وطه لم تَزِدْ من الجَذرِ شَيئاً. لكنَّ أربَعَ سُوَرٍ لا تَكفي لِبِناءِ حُكمِ غِيابٍ على القرآنِ كُلِّه. يُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى، فإن وَرَدَ الفِعلُ مَنسوباً إلى مُتَأَلِّمٍ وَجَبَ تَضييقُ ما في القِسمِ الأوَّل لا إسقاطُه: يَبقى أنَّ الصِّفةَ لِلعَذابِ ويَنتَقِلُ الحُكمُ من «الجَذرُ لا يَصِفُ إنساناً» إلى «الصِّفةُ لا تَصِفُه».
- «أَليم» بِمَعنى مُؤلِمٍ أم بِمَعنى مُتَأَلَّمٍ بِه؟ الوَزنُ
يَحتَمِلُ الوَجهَين، والتَّوزيعُ في المُسَجَّلِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ تَرجيحاً قَوِيّاً (أحَدَ عَشَرَ من أحَدَ عَشَرَ على العَذابِ لا على أحَد، وفيها مَوضِعٌ لا مُتَأَلِّمَ فيه أصلاً)، ولا يَقطَعُ بِه لِأنَّ الصِّفةَ لو كانَت بِمَعنى المَفعولِ لَجازَ أن تُجرى على العَذابِ أيضاً. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ يَكونُ الأليمُ فاعِلاً في مَن نَزَلَ به، وعلى الثّاني يَكونُ مَحَلّاً لِأَلَمِه. الرّاجِحُ مُعلَنٌ ولا يُدَّعى القَطع.
- لِمَ لَزِمَ التَّنكيرُ في أحَدَ عَشَرَ من أحَدَ عَشَر؟ لا يَرِدُ في
المُسَجَّلِ «العَذابُ الأليم». يَحتَمِلُ أن يَكونَ التَّنكيرُ مَقصوداً (عَذابٌ لا يُعرَفُ حَدُّه فيَبقى مُبهَماً هائِلاً)، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ أثَرَ المَواضِعِ وَحدَها لِأنَّ تِسعَةً منها أخبارُ جُمَلٍ اسمِيّةٍ والخَبَرُ يَغلِبُ عليه التَّنكير. وقد ضَعُفَ هذا الاحتِمالُ الثّاني بِ١٧:١٠: المَوصوفُ فيها مَفعولٌ لا خَبَر، ولَزِمَ التَّنكيرُ مَعَ ذلك. مَفتوح.
- الفَرقُ بَينَ «أَليم» و«شَديد»: كِلاهُما إمساك. والمُقتَرَحُ في
القِسمِ الثّالِث أنَّ الشِّدّةَ تَمنَعُ انحِلالَ الشَّيءِ في نَفسِه والأليمَ يَمنَعُ انفِكاكَ مَن نَزَلَ به عنه. ولا تَجتَمِعُ الصِّفَتانِ على مَوصوفٍ واحِدٍ في المُسَجَّلِ فيُقاسَ عَلَيه، فالمَسأَلةُ مَبنِيّةٌ على الجَذرَينِ لا على مَوضِع. مَفتوح.