الإسراء · الآية 10

﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

«وَأَنَّ»: الجُملةُ لم تَنتَهِ عِندَ الأجر

حَرفٌ واحِدٌ يَصِلُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها. «وَأنَّ» مَعطوفةٌ على «أنَّ» الأولى، وتِلكَ مُعَلَّقةٌ بِـوَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فالفِعلُ الحامِلُ لِلخَبَرَينِ واحِد، ولم يُستَأنَف لِلفَريقِ الثاني فِعلٌ جَديد. بِشارةٌ واحِدةٌ تَحمِلُ أجراً كَبيراً وعَذاباً أليماً.

ولَيسَ هذا شاذّاً في الكِتاب. تَقَعُ الصّورةُ نَفسُها صَريحةً في فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: فِعلُ التَّبشيرِ بِعَينِه، ومَفعولُه العَذابُ نَفسُه بِنَعتِه نَفسِه. والبِشارةُ في جَذرِها خَبَرٌ يَظهَرُ أثَرُه على البَشَرة، ولم يُشتَرَط في الجَذرِ أن يَكونَ الأثَرُ سُروراً. خَبَرٌ واحِدٌ يُحمَلُ إلى وَجهَين، فيَظهَرُ على كُلِّ وَجهٍ ما يَخُصُّه.

«الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ»: امتِناعٌ مَذكورُ المَوضِع

لم تَقُلِ الآيةُ «الَّذينَ كَفَروا». قالَت فِعلاً مُضارِعاً مَنفِيّاً، ثُمَّ عَيَّنَت مَوضِعَ النَّفيِ بِالباء: «بِالآخِرة». فهؤُلاءِ لا يُعَرَّفونَ بِاسمٍ ولا بِمِلّة، بَل بِتَصديقٍ واحِدٍ يُمنَع، ويُسَمّى الشَّيءُ الذي مُنِعَ عنه. والمُضارِعُ يُبقي الامتِناعَ مُتَجَدِّداً، فهو مَوقِفٌ يُعادُ لا واقِعةٌ مَضَت.

والمُقابَلةُ مَعَ الآيةِ قَبلَها مَحفوظةٌ حَرفاً بِحَرف. هُناكَ «المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعمَلونَ الصّالِحات»: اسمٌ أُتبِعَ بِصِلةٍ تَذكُرُ فِعلاً. وهُنا صِلةٌ تَذكُرُ امتِناعاً. في المَوضِعَينِ تَحمِلُ الصِّلةُ التَّعريفَ كُلَّه.

والآخِرةُ من أ-خ-ر: تَأكيدٌ يَختَرِقُ ما تَقَدَّمَه ثُمَّ يَجري في امتِداد، أي ما يَقَعُ وَراءَ ما يُدرَكُ الآن. ومَنِ امتَنَعَ عن تَصديقِ ما بَعدُ لم يَبقَ لَه إلّا الآن، فصارَ الحاضِرُ عِندَه كُلَّ ما هُناك.

«أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا»: مُهَيَّأٌ قَبلَ أن يَبلُغَه أحَد

الفِعلُ ماضٍ: «أَعتَدنا». فُرِغَ منه قَبلَ أن يُقالَ الخَبَر. والجَذرُ ع-ت-د قَبضٌ يَحتَبِسُ بِدِقّةٍ ثُمَّ يَثبُت، ومنه «العَتاد»: ما جُمِعَ وحُبِسَ فصارَ حاضِراً لِوَقتِه، و«العَتيد» المَوضوعُ في مَوضِعِه قَبلَ أن يُطلَب. فانظُر ما فَعَلَتهُ الآيةُ بِمَنِ امتَنَعَ عن تَصديقِ ما بَعدُ: أجابَتهُ بِشَيءٍ فُرِغَ من تَهيِئَتِه قَبلَه. الذي أُنكِرَ مَجيئُه حاضِرٌ مُعَدٌّ سَلَفاً.

والعَذابُ من ع-ذ-ب ظُهورٌ من العُمقِ يَنفُذُ بِحِدّةٍ ثُمَّ يَلتَصِقُ فلا يُفارِق: حَرَكَتُه من الباطِنِ إلى الظّاهِر. والأليمُ من أ-ل-م قَطعٌ يَتَعَلَّقُ ويَتَجَمَّعُ فيُطبِق: حَرَكَتُه من الظّاهِرِ على الباطِن. فالمَوصوفُ يَخرُجُ والصِّفةُ تُطبِق، ويَلتَقي الاثنانِ على شَيءٍ واحِدٍ من طَرَفَيه.

ومَواقِعُ الإعرابِ تَقطَعُ في أمرِ الصِّفة. «عَذاباً» مَفعولٌ مَنصوبٌ لِـ«أَعتَدنا»، و«أليماً» نَعتٌ تابِعٌ لَه في نَصبِه وتَنكيرِه. أمّا القَومُ فمَجرورونَ بِاللّامِ في «لَهُم». فالإمساكُ مَوصوفٌ بِه المُعَدُّ لا المُعَدُّ لَه، ولَيسَ في الآيةِ لَفظٌ واحِدٌ يُنزِلُ الوَجَعَ على أحَد.

وأدَقُّ من ذلك: وُصِفَ بِالأليمِ وهو ما يَزالُ مُهَيَّأً لم يَبلُغهُ أحَد. لو كانَتِ الصِّفةُ اسماً لِما يَجِدُه الواقِعُ عَلَيه لَما استَقامَ وَصفُ شَيءٍ لم يَقَع بَعدُ على أحَد. يوصَفُ بِالإمساكِ قَبلَ أن يَجِدَ ما يُمسِكُه.


حَصيلة

حَرفُ عَطفٍ يُبقي الآيةَ مُعَلَّقةً بِفِعلِ التَّبشيرِ في الآيةِ قَبلَها، فيَحمِلُ فِعلٌ واحِدٌ خَبَرَينِ إلى فَريقَين. والفَريقُ الثاني لا يُسَمّى بِاسمٍ بَل بِامتِناعٍ عُيِّنَ مَوضِعُه: «بِالآخِرة»، أي بِما يَقَعُ وَراءَ الحاضِر. فيُجابُ إنكارُ ما بَعدُ بِفِعلٍ ماضٍ، «أَعتَدنا»، من جَذرٍ يَقبِضُ ويَحبِسُ ويُثبِتُ حتّى يَصيرَ الشَّيءُ حاضِراً لِوَقتِه. والمُعَدُّ عَذابٌ يَنفُذُ من العُمقِ إلى الظّاهِر، ونَعتُه أليمٌ يُطبِقُ من الظّاهِرِ على الباطِن، والنَّعتُ مَنصوبٌ مَعَ مَنعوتِه لا مَعَ القَومِ المَجرورينَ بِاللّام. فالوَصفُ لازِمٌ لِلمُعَدِّ لا لِمَن أُعِدَّ لَه، وقد لَزِمَه قَبلَ أن يَبلُغَه أحَد.