الخِزي
**خَواءٌ في الباطِنِ يُدفَعُ إلى الظّاهِرِ فيَمتَدُّ في العُيونِ ولا يَنغَلِق**. لَيسَ الخِزيُ ألَماً يَقَعُ على صاحِبِه، ولا هَواناً يَلتَصِقُ بِه فيَصيرُ لَه وَصفاً، بَل إخراجُ ما كانَ فارِغاً في الدّاخِلِ إلى مَوضِعٍ يُرى فيه. ولِذلك يُقسَمُ لَه في القرآنِ ظَرفٌ فيه ناظِرون، ويُقابَلُ بِالعَذابِ ولا يَنوبُ عنه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- خ: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ أقصى اللِّسانِ وأقصى الحَنَك، يَختَرِقُه
النَّفَسُ جَرَياناً مُحتَكّاً خَشِناً مُتَّصِلاً يُخَلخِلُ ما يَمُرُّ فيه ويُنقِصُه، وهو مَهموسٌ لا صَوتَ مَعَه. شِحنَتُه: اختِراقٌ جارٍ يُفرِغُ ويُنقِص.
- ز: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ طَرَفِ اللِّسانِ واللِّثةِ فيَكتَنِزُ فيه
النَّفَسُ مُتَضاغِطاً، ثُمَّ يَجري جَرَياناً حادّاً نافِذاً، والوَتَرانِ يَهتَزّانِ مَعَه صَفيراً مَجهوراً من أوَّلِ الحَدَثِ إلى آخِرِه. شِحنَتُه: اكتِنازٌ في مَضيقٍ ثُمَّ نَفاذٌ حادٌّ مَسموع.
- ي: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا حَبسَ
فيه، فيَسري الصَّوتُ في مَجراهُ سَرَياناً مَمدوداً، ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً إلى ما بَعدَه. شِحنَتُه: امتِدادٌ سارٍ ثُمَّ إطلاقٌ إلى الخارِج.
النَّواةُ خَز (خ + ز) = تَخَلخُلٌ يَحدُثُ بِالاختِراقِ ثُمَّ يَكتَنِزُ في مَضيقٍ فيَنفُذُ نُفوذاً مَسموعاً. والمُهِمُّ في هذه النَّواةِ أنَّ الحَرفَينِ يَنتَقِلانِ من الهَمسِ إلى الجَهر: خ يُخَلخِلُ في صَمت، وز يُخرِجُ المُخَلخَلَ بِصَفيرٍ يُسمَع. فالنَّواةُ نَفسُها حَرَكةٌ من باطِنٍ لا يُدرَكُ إلى ظاهِرٍ يُدرَك. والإغلاقُ بِـي لا يَحبِسُ هذا الخُروجَ كَما تَحبِسُه الحُروفُ الشَّديدة، بَل يَمُدُّه ويُطلِقُه إلى ما بَعدَه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: خَواءٌ يُستَخرَجُ من الباطِنِ إلى العَيانِ ثُمَّ يَمتَدُّ ولا يَنغَلِق.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- خَزِيَ خِزياً: افتَضَحَ وهانَ بِما ظَهَرَ منه. والهَوانُ هُنا لاحِقٌ
بِالظُّهورِ لا سابِقٌ عليه.
- الخَزاية: الحَياءُ الذي يَلحَقُ عِندَ انكِشافِ ما كانَ مَستوراً.
الجَذرُ يُعطي الوَجهَينِ مَعاً: هَواناً عِندَ النّاظِرِ وحَياءً عِندَ المَنظورِ إليه، وهُما أثَرا كَشفٍ واحِد.
- أخزاهُ: أوقَعَ بِه الخِزي، أي أخرَجَ ما فيه إلى مَوضِعِ النَّظَر.
وَزنُ أَفعَلَ هُنا تَعدِيَةٌ صَريحةٌ إلى فاعِلٍ يُظهِر.
ويَشهَدُ لِوَجهِ خ أنَّ أخَواتِها في هذا الوَجهِ كُلَّها إخلاء: خَرِبَ المَوضِعُ إذا خَلا مِمّا يَملَؤُه، وخَلا إذا فَرَغ، وخَسِرَ إذا نَقَصَ رَصيدُه (انظُر الخُسر / الخاسِرون). فالخاءُ في هذه المادّةِ لا تَصنَعُ ألَماً بَل تَصنَعُ فَراغاً، وهذا هو الفَرقُ الذي يُبنى عليه القِسمُ الثّالِث.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ خ-ز-ي: إظهارُ الخَواءِ الباطِنِ في مَشهَدٍ مُمتَدّ. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآنِ ويَحُلُّ ثَلاثةَ مَواضِعَ لا يَحُلُّها ظاهِرُ اللَّفظ: لِمَ قُسِمَ لِلخِزيِ ظَرفُ الدُّنيا وقُسِمَ لِلعَذابِ ظَرفُ الآخِرةِ في آيَتَينِ مُتَقارِبَتَين، ولِمَ كانَ جَزاءُ مَن سَعى في خَرابِ المَسجِدِ خِزياً بِعَينِه، ولِمَ اجتَمَعَ في دُعاءٍ واحِدٍ طَلَبُ التَّكفيرِ وطَلَبُ رَفعِ الخِزي.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- خِزْيٌ (مَصدَرٌ نَكِرةٌ مَرفوع): مَوضِعانِ، كِلاهُما في البَقَرة،
وكِلاهُما مَقرونٌ بِظَرفِ الدُّنيا ومُسنَدٌ إليهِم لا صادِرٌ عنهُم. ولا يَرِدُ في المُسَجَّلِ مُعَرَّفاً ولا مُضافاً، فيَبقى قِسمةً تَقَعُ لا حالاً تُوصَف.
- أَخْزَيْتَهُ (ماضي أَفعَلَ، الفاعِلُ مُخاطَبٌ والمَفعولُ غائِب):
مَوضِعٌ واحِد، وهو أوَّلُ خُروجٍ لِلجَذرِ من الاسمِ إلى الفِعل.
- تُخْزِنَا (مُضارِعُ أَفعَلَ مَجزومٌ بِلا النّاهِية): مَوضِعٌ واحِد،
والنَّهيُ فيه دُعاءٌ لا تَكليف.
- نَخْزَىٰ (مُضارِعُ الثُّلاثيِّ المُجَرَّدِ مَنصوبٌ في جَوابِ
التَّحضيض): مَوضِعٌ واحِد، وفاعِلُه المُتَكَلِّمونَ عن أنفُسِهِم، وهي الصّيغةُ الوَحيدةُ من الجَذرِ التي لا تَعدِيَةَ فيها.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الصِّيَغِ الأربَعِ واحِدة (خَواءٌ
يَظهَر)، ووَزنُ أَفعَلَ يُضيفُ التَّعدِيَة: الإخزاءُ لا يَقومُ
بِنَفسِه بَل يُخرِجُه مُخرِج. ولِذلك انقَسَمَ المُسَجَّلُ قِسمةً
مُطَّرِدة: الاسمُ مَنسوبٌ إليهِم («لَهُم... خِزيٌ»)، والمُعَدّى
بِأَفعَلَ مَنسوبٌ إلى اللهِ («أَخزَيتَه»، «لا تُخزِنا»)، فلا يُخزي
في المُسَجَّلِ إنسانٌ أحَداً. وأمّا الثُّلاثيُّ المُجَرَّدُ فيُسنَدُ
إلى الإنسانِ عن نَفسِه («نَخْزَىٰ» في ٢٠:١٣٤): فاعِلٌ في اللَّفظِ
مَوقوعٌ بِه في المَعنى، إذ لَيسَ في الصّيغةِ تَعدِيَةٌ إلى مَفعول.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
3adhab(العَذاب، ع-ذ-ب): الفَرقُ في الحَرفِ الأخيرِ من كُلٍّ
مِنهُما. جَذرُ العَذابِ يُغلَقُ بِـب، وهي انطِباقُ الشَّفَتَينِ ثُمَّ انفِتاحُهُما، فيَنتَهي النَّفاذُ إلى سَطحٍ يَقِفُ عِندَه: العَذابُ يَبلُغُ حامِلَه ويَستَقِرُّ فيه. وجَذرُ الخِزيِ يُغلَقُ بِـي، وهي لا تَحبِسُ شَيئاً بَل تُطلِقُ إلى ما بَعدَها: الخِزيُ لا يَقِفُ عِندَ صاحِبِه بَل يَجري إلى غَيرِه. ويُضافُ إلى ذلك أنَّ ع وذ قَبضٌ وشِدّةٌ ونَفاذٌ مُؤلِم، وخ تَخَلخُلٌ ونَقص: فالعَذابُ يَملَأُ بِالألَمِ والخِزيُ يَكشِفُ عن فَراغ. ولِأنَّهُما مُختَلِفا المَحَلّ والأثَرِ جُمِعا في ٢:١١٤ ولم يُغنِ أحَدُهُما عن الآخَر. انظُر العَذاب.
dhilla(الذِّلّة، ذ-ل-ل): تُغلَقُ بِلامٍ مُضاعَفة، واللّامُ
تَعَلُّقٌ والتِصاق، فتَصيرُ الذِّلّةُ هَواناً يَلزَمُ صاحِبَه حتّى يَصيرَ وَصفاً لِذاتِه، ومنه «الذَّليل» و«أَذِلّة». والخِزيُ يُغلَقُ بِياءٍ مُطلَقةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيء، فيَبقى مَشهَداً يَجري ولا يَصيرُ نَعتاً لازِماً. ويُصَدِّقُ هذا اختِلافُ البِناءِ في المُصحَف: الذِّلّةُ «ضُرِبَت عَلَيهِم» فوقَهُم إحاطةً وتَثبيتاً (٢:٦١)، والخِزيُ «لَهُم في الدُّنيا» قِسمةً في ظَرف. فالذِّلّةُ تَنزِلُ وتُقيم، والخِزيُ يَخرُجُ ويُرى، وقَد يَجتَمِعانِ ولا يَتَرادَفان. انظُر الذِّلَّة.
la3n(اللَّعنة، ل-ع-ن): قَطعُ الرّابِطةِ وإبعادٌ عن المَصدَر.
والحَرَكَتانِ مُتَعاكِسَتان: اللَّعنُ يُخرِجُ المَلعونَ من الدّائِرةِ فيَغيبُ عن أعيُنِ أهلِها، والخِزيُ يُبقي صاحِبَه في الدّائِرةِ مَكشوفاً لَها. فالأوَّلُ إقصاءٌ عن النَّظَرِ والثّاني إبقاءٌ تَحتَه. انظُر اللَّعنة.
khusran(الخُسر، خ-س-ر): يُشارِكُ الخِزيَ في خائِه، فَوَجهُ
التَّخَلخُلِ والنَّقصِ واحِدٌ فيهِما. والفَرقُ في الحَرفِ الثّاني: س سَيَلانٌ مُمتَدٌّ يُنقِصُ الرَّصيدَ في مَجراه، وز اكتِنازٌ في مَضيقٍ ثُمَّ نَفاذٌ مَسموع. فالخُسرُ نَقصٌ يَقَعُ في المَملوكِ ولَو لم يَرَهُ أحَد، والخِزيُ نَقصٌ لا يَتِمُّ حتّى يُرى. انظُر الخُسر / الخاسِرون.
وأقرَبُ الألفاظِ إلى الخِزيِ في الأثَرِ الفَضيحة، ولا مَفهومَ لِجَذرِها في المُعجَمِ بَعد، فتُذكَرُ هُنا نَثراً: الفَضحُ رَفعُ سِترٍ عن شَيءٍ قائِمٍ تَحتَه، والخِزيُ إظهارُ خَواءٍ لا شَيءَ تَحتَه. ولِذلك يَصلُحُ الفَضحُ لِلمُحسِنِ يُكشَفُ سِرُّه ولا يَصلُحُ لَه الخِزي.
المَواضع: مَواقعُ الخِزيِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٨٥ ﴿فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ جَزاءً مَحصوراً بِـ«فَما... إلّا»، لا وَصفاً لِحالٍ ولا دُعاءً، فيَثبُتُ من أوَّلِ مَوضِعٍ أنَّها مُقابِلُ عَمَلٍ لا حالٌ في النَّفس. والعَمَلُ المُقابَلُ بِها مَنصوصٌ قَبلَها: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ»، وهو دَعوى ظاهِرُها مَملوءٌ وباطِنُها خالٍ. فالجَزاءُ من جِنسِ العَمَل: ما كانَ خاوِياً في الدَّعوى أُخرِجَ إلى العَيان. ثُمَّ تُذكَرُ الدّارُ الأُخرى بِلَفظٍ آخَر: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ»، فيَنقَسِمُ الجَزاءُ دارَينِ ولَفظَين، ويَثبُتُ من المَوضِعِ الأوَّلِ أنَّ الخِزيَ والعَذابَ لا يَتَرادَفان. انظُر الجَزاء.
- ٢:١١٤ ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: الدّارانِ في جُملَتَينِ مُتَوازِيَتَين. الجَديدُ: ما كانَ في ٢:٨٥ تَعقيباً يَصيرُ هُنا بِناءً صَريحاً: لامُ اختِصاصٍ مُكَرَّرة، وظَرفانِ مُتَقابِلان، وخَبَرانِ مُختَلِفان. فتُقرَأُ القِسمةُ قاعِدةً لا مُصادَفة. والمُوجِبُ هُنا لَيسَ تَناقُضَ قَولٍ كَما هُناكَ بَل فِعلاً في مَكان: «مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا». والخَرابُ إخلاءُ المَوضِعِ مِمّا يَملَؤُه، وهو وَجهُ الخاءِ نَفسُه الذي في الخِزي، فيَعودُ الإخلاءُ على المُخلي في مَحَلٍّ يُرى فيه. ويَزيدُ السِّياقُ أنَّ حَقَّهُم في الدُّخولِ مَشروطٌ بِحال: «مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ»، فمَن أخافَ أهلَ المَوضِعِ لم يُقَدَّرْ لَه فيه إلّا الخَوف. انظُر المَسجِد.
- ٣:١٩٢ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾: أوَّلُ وُرودِ الجَذرِ فِعلاً، وأوَّلُ خُروجِه من ظَرفِ الدُّنيا. الجَديدُ: يُجعَلُ دُخولُ النّارِ نَفسُه هو الإخزاءَ بِفاءِ التَّعقيبِ و«قَد» («فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ»)، لا مُقَدِّمةً لَه ولا نَتيجةً بَعدَه. ولَو كانَ الخِزيُ ألَماً لَكانَ اللَّفظُ فَضلاً بَعدَ ذِكرِ النّار، وإنَّما هو الإظهار: الإدخالُ حُكمٌ يُعلَنُ على مَلَإٍ. وبِهذا يَنكَسِرُ ما كانَ يَبدو قاعِدةً في المَوضِعَينِ قَبلَه من قَصرِ الخِزيِ على الدُّنيا: الجَذرُ مُعَلَّقٌ بِالنَّظَرِ لا بِالزَّمَن، وأوسَعُ مَشهَدٍ يَومُ القِيامةِ لا الحَياةُ الدُّنيا. ويُذَيَّلُ بِـ«وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ»، فيُنفى مَن يَحولُ دونَ هذا الإظهار. انظُر النّار.
- ٣:١٩٤ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: النَّهيُ الدُّعائيُّ في خِتامِ السّورة. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من الخَبَرِ عن مَصيرِ غَيرِهِم إلى الطَّلَبِ عن أنفُسِهِم، فيَصيرُ مَطلوباً رَفعُه لا مُخبَراً بِوُقوعِه، وهو الوَجهُ الوَحيدُ الذي يَقَعُ فيه الجَذرُ في سِياقِ رَجاء. ومَوقِعُه بَعدَ «وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا» في الآيةِ السّابِقةِ يَكشِفُ بِناءَ الدُّعاء: التَّكفيرُ تَغطِيةٌ لِما في الباطِن، والخِزيُ إخراجُه إلى العَيان، فالطَّلَبانِ حَرَكةٌ واحِدةٌ في اتِّجاهَينِ على مَحَلٍّ واحِد. ولم يَقولوا «ولا تُعَذِّبنا» مَعَ أنَّ العَذابَ أشَدُّ في الحِسّ، لِأنَّ المَطلوبَ في هذا المَوضِعِ سَترُ المَكشوفِ لا رَفعُ الألَم. ويُختَمُ بِـ«إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ»، فيُبنى الطَّلَبُ على وَعدٍ سابِقٍ لا على تَفَضُّلٍ مُبتَدَإ. انظُر الدُّعاء.
- ٢٠:١٣٤ ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾: أوَّلُ وُرودٍ لِلثُّلاثيِّ المُجَرَّد. الجَديدُ: يُسنَدُ الجَذرُ إلى الإنسانِ فاعِلاً عن نَفسِه لا مَفعولاً بِه، فيَنكَسِرُ ما كانَ يَبدو مُطَّرِداً في المَواضِعِ الأربَعةِ قَبلَه من قَصرِ الفِعلِ على الله. ولا يَنقُضُ ذلك قِراءةَ الجَذر: الصّيغةُ لا تَعدِيَةَ فيها، فالقائِلُ يُخبِرُ عن خَواءٍ يَظهَرُ مِنه هو، لا عن شَيءٍ يُوقِعُه بِغَيرِه. ومَوقِعُه بَعدَ «نَذِلَّ» يَجمَعُ اللَّفظَينِ اللَّذَينِ فُرِّقَ بَينَهُما في القِسمِ الثّالِث: الذِّلّةُ تَثبُتُ والخِزيُ يُرى، وقَد طُلِبَ دَفعُهُما مَعاً في جُملةٍ واحِدة، فيَتَأَكَّدُ أنَّهُما لا يَتَرادَفان. وهو ثالِثُ مَوضِعٍ فِعليّ، وثَلاثَتُها تَقَعُ في خِطابٍ مُصَدَّرٍ بِـ«رَبَّنا»، وهذا في قَولٍ مُقَدَّرٍ لَو وَقَعَ الإهلاكُ قَبلَ الرِّسالة، فيُقالُ الخِزيُ هُنا خَوفاً مِنه قَبلَ وُقوعِه لا خَبَراً عن وُقوعِه. انظُر الذِّلَّة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ العَذاب في ٢:٨٥ و٢:١١٤: اللَّفظانِ يَتَجاوَرانِ في
الآيَتَينِ ولا يَنوبُ أحَدُهُما عن الآخَر، ويُقسَمُ لِكُلٍّ ظَرفُه. فتُقرَأُ القِسمةُ من بِنيَةِ الجَذرَينِ لا من شِدّةِ العُقوبَتَين: هذا يُكشَفُ حَيثُ النّاظِرون، وذاكَ يُحَسُّ حَيثُ يَقَعُ.
وإدخالُ خَوفٍ على أهلِه، والجَزاءُ إخلاءٌ يُرى وخَوفٌ يُشتَرَطُ في دُخولِهِم. فيُقرَأُ الجَزاءُ في جِنسِ العَمَلِ مَرَّتَينِ في آيةٍ واحِدة.
دُعاءٍ واحِدٍ يَختِمُ السّورة، والجَذرُ فيهِما مَرَّةً خَبَراً عن مَصيرِ غَيرِهِم ومَرَّةً طَلَباً لِأنفُسِهِم. فتُقرَآنِ مَعاً: عَرَفوا ما هو ثُمَّ سَألوا رَفعَه، ولا يُطلَبُ رَفعُ ما لم يُعرَف.
- مَعَ الذِّلَّة في ٢:٦١ و٢:٨٥: السّورةُ الواحِدةُ تَذكُرُ
الذِّلّةَ مَضروبةً عليهِم ثُمَّ الخِزيَ مَقسوماً لَهُم، والمَقولُ فيهِ واحِد. فيَظهَرُ أنَّ اللَّفظَينِ لَيسا تَكراراً: الأوَّلُ هَيئةٌ تُثَبَّتُ فَوقَهُم، والثّاني مَشهَدٌ يَخرُجُ منهُم.
- مَعَ الظُّلم في ٣:١٩٢: نَفيُ الأنصارِ يَقَعُ بَعدَ الإخزاءِ
مُباشَرةً، فيُنفى النّاصِرُ في مَوضِعٍ يُطلَبُ فيه السّاتِرُ لا المُقاتِل، ويُقرَأُ النَّصرُ هُنا سَتراً.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الخِزيُ قائِمٌ بِصاحِبِه أم بِمَن يَنظُرُ إليه؟ الجَذرُ يَجعَلُه
خُروجاً من باطِنٍ إلى عَيان، فهو مُتَعَلِّقٌ بِالطَّرَفَينِ مَعاً. ويُؤَيِّدُه أنَّ المادّةَ في كَلامِ العَرَبِ تُعطي الهَوانَ (خِزي) وتُعطي الحَياءَ (خَزاية)، وهُما أثَرا كَشفٍ واحِدٍ عِندَ ناظِرٍ ومَنظورٍ إليه. والمَواضِعُ الأربَعةُ الأُولى كُلُّها تَنظُرُ من خارِج، والخامِسُ (٢٠:١٣٤) يَنطِقُ بِه مَن يَخافُ وُقوعَه على نَفسِه، فيُضافُ النَّظَرُ من داخِلٍ ولا يُحسَمُ الطَّرَفانِ بَعد. مَفتوح.
- أيَشتَرِطُ الخِزيُ ناظِراً بِالفِعلِ أم يَكفيه الظُّهور؟ المَوضِعانِ
الأوَّلانِ يَضَعانِه في الدُّنيا حَيثُ النّاسُ، والثّالِثُ يَضَعُه عِندَ دُخولِ النّار. فإن كانَ الشَّرطُ النَّظَرَ فيَومُ القِيامةِ أوفى بِه من الدُّنيا، وإن كانَ الشَّرطُ الظُّهورَ وَحدَه فلا حاجةَ إلى ناظِر. مَفتوح.
- **هل بَينَ خِزيِ الدُّنيا وإخزاءِ الآخِرةِ تَرتيبٌ أم هُما جِنسٌ
واحِدٌ في دارَين؟** ٢:٨٥ و٢:١١٤ يَقصُرانِ اللَّفظَ على الدُّنيا ويُقابِلانِه بِالعَذاب، و٣:١٩٢ يُطلِقُه على الآخِرة. فإمّا أنَّ الخِزيَ جِنسٌ يَقَعُ في الدّارَينِ وإنَّما خُصَّ بِالدُّنيا في مَقامِ المُقابَلة، وإمّا أنَّ لَفظَ البَقَرةِ مَقصورٌ على ما يُقابِلُ العَذاب. والمَواضِعُ الخَمسةُ لا تَكفي لِلحَسم. مَفتوح.
- **لِمَ لا يَرِدُ الجَذرُ فِعلاً في المُسَجَّلِ إلّا في خِطابٍ
مُصَدَّرٍ بِـ«رَبَّنا»؟** كانَ السُّؤالُ قَبلَ نَشرِ طه: أفي الجَذرِ حُكمٌ يَقصُرُ فاعِلَه على اللهِ أم هو أثَرُ قِلّةِ المَواضِع؟ وقَد أجابَ ٢٠:١٣٤ عن شَطرِه: الفِعلُ يُسنَدُ إلى الإنسانِ إذا كانَ ثُلاثيّاً غَيرَ مُعَدّىً، فالقَصرُ على اللهِ إنَّما هو في المُعَدّى بِأَفعَلَ لا في الجَذر. وبَقِيَ شَطرُه الآخَرُ قائِماً بَل ازدادَ بِالمَوضِعِ الجَديد: المَواضِعُ الفِعليَّةُ الثَّلاثةُ كُلُّها تَقَعُ في خِطابٍ مُوَجَّهٍ إلى الرَّبِّ مُصَدَّرٍ بِـ«رَبَّنا»، ولا يَقَعُ الفِعلُ خَبَراً مُجَرَّداً. أحُكمٌ هو أم قِلّةُ مَواضِع؟ مَفتوح.