البقرة · الآية 10

﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

«فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ»: المرضُ (م ر ض) انحرافٌ عن الحالة الطبيعيّة

المَرَضُ في جذرِه (م ر ض) انحرافٌ عن الحالة الطبيعيّة التي فُطرَ الجهازُ عليها، زيادةً على الداءِ العُضويّ. والقلبُ الذي حَمَلَ هذا المَرَضَ لم يَعُد يَعملُ على وَحدةٍ واحدة، فَوقَعَ في اختلالٍ بنيويٍّ يَتراكمُ على نفسِه. والمرضُ المذكورُ هنا اختلالُ منظومة، وليس عارِضاً يَزول، وهو فسادُ اعتقادٍ من شكٍّ أو نفاقٍ أو جحودٍ أو تكذيب. وهذا وصفٌ لما يَجري داخلَ الذاتِ حين يُطلَبُ منها أن تَحملَ صورتَين متناقضَتَين في آنٍ واحد، فتَنكَسِرُ وحدتُها وتَصيرُ مريضة، وليس وَصمةً أخلاقيّةً تُلصَقُ من خارج.

«فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا»: فاءُ السببيّة، وسُنّةُ تضاعفِ الاختلال

والفاءُ في قوله فَزَادَهُمُ﴾ للسببيّة، لا للابتداء، والمعنى أنّ الله زادَهم مرضاً بسببِ ما في قلوبهم من مرضٍ سابق. فالزيادةُ إتمامُ سُنّةٍ كونيّةٍ تتفاعلُ مع اختيار العبد حتى تُوصِلَه إلى نهاية اختيارِه، وليست عقوبةً مستورَدة. ومَثَلُه مَثَلُ المعلّم يَمتحنُ تلميذَه، فمَن رَسَب «رسَّبه المعلّم»، والمرادُ توثيقُ نتيجة اختيار التلميذ، لا إجبارُه. والمرضُ، حين لا يُقاوَم، يُنتِجُ شُروطَ مَزيدِه من داخلِه، فكلُّ انحرافٍ يُمهِّدُ لانحرافٍ أعمَق، ويَتراكمُ الاختلالُ على نفسِه حتى يَستقِرَّ ثِقَلُه.

«عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ»: الكذبُ (ك ذ ب) نمطُ حياةٍ يُحاسَبُ عليه

والكذبُ في جذره (ك ذ ب) القولُ المُخالفُ للواقع، وقد جاء الفعلُ في الآية بصيغة المضارع يَكْذِبُونَ﴾ الدالّةِ على الاستمرار، دون صيغة الماضي الدالّةِ على حَدَثٍ معزول. فالمحاسَبةُ على نَمَطِ حياةٍ كاملٍ يقومُ على القول بخلافِ الفعل، وليست على كذبةٍ واحدة. والعذابُ الأليمُ بِمَا﴾، أي بسبب هذا الكذب المتراكم، نتيجةٌ طبيعيّةٌ تسبقُها مقدِّمَتُها الدنيوية، وليس انتقاماً مستورَداً من خارج، فمَن عاشَ كاذباً عاشَ في اختلالٍ داخليٍّ يمنعُه الاستساغةَ، والعذابُ الأخرويُّ إتمامٌ لِما بَدأه في نفسِه. وبهذا يَبقى النفاقُ اسمَ بِنيةٍ تتَشكَّلُ بالفعل، لا اسمَ وَصمةٍ تُلصَقُ بالذاتِ منذ البدء، والكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

المَرَضُ (م-ر-ض) انحرافٌ عن الحالةِ الطَّبيعيّةِ التي فُطِرَ عليها الجِهاز، وليسَ داءً عُضويّاً فحَسب، والقلبُ الذي حَمَلَ هذا المَرَضَ لم يَعُد يَعملُ على وَحدةٍ واحدة، فَوَقَعَ في اختِلالٍ بِنيويٍّ يَتَراكَمُ على نَفسِه. ثمَّ تأتي فاءُ السَّببيَّةِ في فَزَادَهُمُ﴾، وزيادةُ المَرَضِ إتمامُ سُنَّةٍ كَونيَّةٍ تَتَفاعَلُ مع اختيارِ العبد، وليست عُقوبةً مُستورَدة، فالمَرَضُ، حين لا يُقاوَم، يُنتِجُ شُروطَ مَزيدِه من داخلِه ولا يَرتدُّ بِلا بَذلٍ مُضادّ. والكَذِبُ (ك-ذ-ب) جاءَ في صيغةِ المُضارعِ الدَّالِّ على الاستِمرار: يَكْذِبُونَ﴾، فالمُحاسَبةُ على نَمَطِ حَياةٍ يَقومُ على القَولِ بِخِلافِ الفِعل، لا على لَحظةٍ مَعزولة، والكَذِبُ يَطلُبُ من النَّفسِ أن تَحمِلَ صُورَتَين في آنٍ واحد حتّى تَنكَسِرَ وَحدَتُها وتَختَلَّ طاقَتُها على استِساغةِ شَيء. فيَكونُ العَذابُ الأليمُ (ع-ذ-ب: ما يَمنَعُ الاستِساغة؛ أ-ل-م: حَدٌّ يَقَعُ فيَعلَقُ فيُطبِق، وَصفٌ لِلآخِذِ لا لِلمَأخوذ) امتِداداً طبيعيّاً للضِّيقِ الدُّنيَويِّ الذي بَدأه المُنافِقُ في نَفسِه، والمَشهَدُ تَطَوُّرُ خَلَلٍ بَدَأ بِالقَولِ وانتَهى بِتَفَتُّتِ الوَحدة، وليسَ وَصمَةً تُلصَق.