آل عمران · الآية 177

﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

«إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا»: الصَّفقةُ تُعَرِّفُ أَصحابَها

تَفتَحُ «إنّ» جملةً مؤكَّدةً اسمُها الموصول، وصلتُه فعلٌ ماضٍ مسندٌ إلى الجماعة: اشتروا. والشراءُ من ش-ر-ي، وأصلُه حصرٌ يَجري نافذاً ثمّ يَمتَدُّ سارياً، وصيغةُ الافتعالِ تُدخِلُ الفاعلينَ في مبادلةٍ مقصودة. ويَجمعُ الموصولُ مَن تحقّقَ فيهم الفعلُ الذي ستُسمّي الآيةُ طرفَيْه، فصلتُه هي تعريفُه كلُّه. والماضي يُثبِتُ وقوعَ الاختيار، ولا يَقفُ به عندَ خاطرٍ عابر.

«الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ»: الحَجبُ يُشتَرى بالثِّقة

والمفعولُ المباشرُ «الكفر» هو المُشترى، والباءُ تُدخِلُ «الإيمان» ثمناً له أو مقابلاً. والكفرُ من ك-ف-ر، ومادّتُه التقاءٌ غائرٌ يَفتحُ شقّاً ثمّ يَجري ساتراً المَحل، فيَحمِلُ تغطيةً فاعلة، وأمّا الإيمانُ فهو الشيءُ المدفوعُ في تركيبِ الباء. وصورةُ المبادلةِ تجعلُ الكفرَ مأخوذاً والإيمانَ مبذولاً، فتَكشفُ اختياراً يَستبدلُ جهةَ السترِ بجهةِ الأمنِ والائتمان.

«لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا»: نفيُ المستقبلِ يَحدُّ أثرَ الصفقة

و«لن» تَنصبُ المضارعَ وتَنفي الضررَ مستقبلاً. والضررُ من ض-ر-ر، وهو ضمٌّ ثقيلٌ يَجري نافذاً ثمّ يُكثِّفُ تكرارُ الراءِ سريانَه، غيرَ أنّ المفعولَ «الله» يَبقى منزَّهاً عن بلوغِه، و«شيئاً» نكرةٌ في سياقِ النفي، فتَستغرقُ أقلَّ قدرٍ متصوَّر. وصفقتُهم تَرتدُّ على أصحابِها وحدَهم: جهةُ اللهِ مصونةٌ من أثرِها، ثمّ تنتقلُ الجملةُ إلى عاقبتِهم هم.

«وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: المقابلُ يَرجعُ على أصحابِ الفعل

والواوُ تَعطفُ جملةً اسميّةً يتقدّمُ فيها «لهم»، فيَعودُ الضميرُ إلى الذين اشتروا، والمبتدأُ «عذاب» نكرةٌ موصوفةٌ بـ«أليم». وأصلُ أ-ل-م انبِثاقٌ حادٌّ يَقَعُ فيَتعلّقُ ويَحوز، ثمّ تَضُمُّ الميمُ ما عَلِقَ وتُطبِقُ عليه، فهو حَدٌّ يَقَعُ فيَعلَقُ ثمّ يُطبِق، وَصفٌ للآخِذِ لا للمَأخوذ. و«أليم» على فَعيل، وهو صِفةٌ ثابِتةٌ تَلزَمُ المَوصوف، غيرُ حالٍ تَعرِضُ له. وتقدُّمُ «لهم» يَخصُّهم بالمآل، والنَّعتُ مع ذلك جارٍ على «عذاب» لا عليهم، فيوصَفُ العَذابُ بِأنَّه يُمسِكُ ولا يُفلِت.


حَصيلة

تُؤكِّدُ الآيةُ حكمَ الذين عرّفَهم شراءُ الكفرِ بالإيمان. والمفعولُ يَضبطُ ما أخذوا، والباءُ تَضبطُ ما جعلوه في المقابل، فتَقومُ الصفقةُ على طرفَيها الملفوظَين: كفرٌ مأخوذٌ وإيمانٌ مبذول. ثمّ يَقطعُ نفيُ المستقبلِ أن يَضرّوا اللهَ شيئاً، فلا تَنتقلُ نتيجةُ صفقتِهم إليه. والمقابلةُ بينَ «لن يضرّوا» و«لهم عذاب» تَمنعُ أن يُقرأَ عجزُهم عن الضررِ نجاةً لهم: النتيجةُ راجعةٌ إليهم بنصِّ اللامِ نفسِها في «لهم»، والضميرُ في الخاتمةِ يَرجعُ إليهم: لهم عذابٌ أليم. وبذلك تَبقى الحركةُ في أصحابِ الاختيار، ويَظلُّ وصفُ العذابِ قائماً على ما نطقَ به اللفظ: كثافةُ الألمِ واستمرارُه.