آل عمران · الآية 77

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

«يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا»: الرّابِطةُ تُوضَعُ في مُبادَلة

تُؤكّدُ «إنّ» الوصفَ قبلَ أن تَعرضَ مآلَه. والشراءُ من ش-ر-ي: ضمٌّ يَجري نافذاً ثمّ يمتدُّ في سريانِ المبادلة، والباءُ تَضعُ عهدَ اللهِ وأيمانَهم في جهةِ ما يُبذلُ لنيلِ الثمن. والعهدُ رابطةٌ ظاهرةٌ من العمقِ مضبوطةٌ بالثبات، أمّا الثمنُ فمِن ث-م-ن، وهو كثافةٌ تلتئمُ في مقدارٍ ممسوكٍ يَصفُه النصُّ هنا بـ«قليلاً».

«أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ»: المُبادَلةُ تَنتهي إلى نَفيِ النَّصيب

واسمُ الإشارةِ يَفصلُ النتيجةَ ويُثبّتها على أصحابِ الوصفِ السابق، و«لا خلاق لهم» يَستأصلُ نصيبَهم في الآخرة. والخلاقُ من خ-ل-ق، وأصلُه اختراقٌ يَنفذُ في المحلِّ ثمّ يلتصقُ به وينعقدُ في العمق، كأنّ النصيبَ شيءٌ مقدّرٌ يتصلُ بصاحبه، وهذا الاتصالُ هو الذي يُقطعُ هنا. فتقومُ مقابلةٌ صارمةٌ بين ثمنٍ قليلٍ أُخذَ في العاجل، وخلاقٍ منفيٍّ في الآخرة.

«وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: نَفيانِ يَتَتابَعان

ثمّ تَبدأُ سلسلةُ الواواتِ فتَزيدُ على نفيِ الخلاقِ نفيَ التكليم، ثمّ نفيَ النظرِ إليهم. والفاعلُ في الأولِ مصرحٌ به، وهو الله، والضميرُ يعودُ على الذينَ باعوا الرابطةَ بالثمنِ القليل. ثمّ يتعلّقُ النظرُ بـ«إليهم»، ويَجمعُ «يوم القيامة» النفيينِ في ظرفٍ واحد، وقوةُ البناءِ في تكرارِ «لا» وانتقالِه من انقطاعِ النصيبِ إلى انقطاعِ التوجّهِ إليهم.

«وَلَا يُزَكِّيهِمْ»: التَّطهيرُ والنَّماءُ مَنفيّان

ويَلحَقُ النَّفيُ الثّالثُ بالفعلِ «يزكّيهم». والزَّكاءُ من ز-ك-و: اكتِنازٌ يَجري نافِذاً بحِدّةٍ ثمّ تَلتَفُّ حولَه الواوُ في احتِواءٍ يَحفَظُ نَماءَه. وصيغةُ التَّفعيلِ في «يزكّي» تَحمِلُ شِحنةً مُلازِمةً ومُتَكَرِّرةً، غيرَ أنّ «لا» تَنفي وُقوعَ هذا الفِعلِ عليهم. وجاءَ الضَّميرُ نفسُه في الأفعالِ الثلاثة، فانتَظَمَ المَشهدُ من غيرِ تَشتيت: لا تكليمَ لهم، ولا نظرَ إليهم، ولا تَزكيةَ تَلحَقُهم.

«وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: الخِتامُ يُثبِتُ بعدَ النُّفاة

وبعدَ أربعِ جُملٍ من النَّفي تَعودُ الواوُ بجُملةٍ مُثبَتة: «ولهم عذاب أليم»، وتقديمُ «لهم» يَربِطُ العاقبةَ بهم رَبطاً مباشراً. والعَذابُ من ع-ذ-ب: ظُهورٌ من العُمقِ يَنفُذُ نفاذاً حادّاً ثمّ يَتَّصِلُ بالمَحلِّ ويَتمَسَّكُ به. والوصفُ «أليم» يَنقُلُ الألمَ من اسمِ المَعنى إلى صِفةٍ للعَذابِ نفسِه، فيَختِمُ السِّلسلةَ بإثباتِ ما يَلحَقُهم. والألمُ هو الوَصفُ الذي اختارَته الآيةُ لهذا العَذاب، فيُقابِلُ «ثمناً قليلاً» في صَدرِ الآية، أي مِقداراً صَغيراً قُبِضَ في المُبادَلة، يُقابِلُه عَذابٌ مَوصوفٌ بالألمِ يَلحَقُ مَن قَبَضَه.


حَصيلة

تَضعُ الآيةُ عهدَ الله والأيمانَ في مَشهدِ مُبادَلةٍ مُختَلّة، يُؤخَذُ بهما ثَمَنٌ قليل، فيُقابَلُ ذلك بنَفيِ الخَلاقِ في الآخرة. ثمّ تَتَوالى «لا» ثلاثَ مرّات: لا تكليم، ولا نظرَ إليهم يومَ القيامة، ولا تَزكية. ويَنقَلِبُ الإيقاعُ في الخِتامِ من النَّفي إلى الإثبات: لهم عذابٌ أليم. وهكذا يَكشفُ النَّظمُ أنَّ الثَّمَنَ الصَّغيرَ يَصِلُ فِعلَ المُبادَلةِ بسِلسلةٍ من الحِرمانِ ثمّ بعاقبةٍ مُثبَتة، ولا يَبقى صفقةً عابِرة.