الشِّدّة / الشَّديد
**حَصرٌ يَضُمُّ ثُمَّ يُثَبِّتُ حتّى لا يَنفَلِت**. لَيسَتِ الشِّدّةُ عُنفاً ولا كَثرةً في المِقدار، بَل إحكامَ الشَّدِّ على الشَّيءِ حتّى يَمتَنِعَ انحِلالُه. ولِذلك قيلَ **شَدَّ الوِثاقَ**، وقيلَ لِلإنسانِ إذا استَحكَمَت قُوّتُه **بَلَغَ أشُدَّه**.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والثّالِثُ تَكرارٌ لِلثّاني:
- ش: يَرتَفِعُ اللِّسانُ نَحوَ الحَنَكِ فيَحصُرُ النَّفَسَ في مَجرىً
ضَيِّقٍ عَريض، فيَجري فيه مُتَّصِلاً نافِذاً، ثُمَّ يَتَفَشّى مُنتَشِراً دَقيقاً. شِحنَتُه: حَصرٌ وضَمٌّ ثُمَّ تَفَشٍّ دَقيق.
- د: إطباقُ طَرَفِ اللِّسانِ على أُصولِ الثَّنايا يَحبِسُ النَّفَسَ
بِضَغطٍ ثابِتٍ ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه دَفعةً نافِذة. شِحنَتُه: احتِباسٌ وضَغطٌ وثَبات.
- د (مُكَرَّرة): تُضاعِفُ الثَّباتَ نَفسَه، فلا تُضيفُ مَعنىً جَديداً
بَل تَبلُغُ بِالإحكامِ غايَتَه.
النَّواةُ شَد (ش + د) = حَصرٌ يَضُمُّ ثُمَّ يَحتَبِسُ بِضَغطٍ ثابِت: جُمِعَ الشَّيءُ من أطرافِه ثُمَّ أُمسِكَ فلم يَنفَلِت. وتَكرارُ د يَبلُغُ بِهذا الإمساكِ حَدَّه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ضَمٌّ مُحكَمٌ يَمنَعُ الانحِلال.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- شَدَّ الوِثاقَ: أحكَمَ رَبطَه حتّى لا يَنحَلّ. وهي أصلُ الصّورة.
- الشِّدّة: خِلافُ الرَّخاوة، وأصلُها في الأجرامِ ثُمَّ نُقِلَت إلى
الأحوال.
- بَلَغَ أشُدَّه: استَحكَمَت قُوّتُه فلم تَعُد تَنحَلّ، وهو أدَقُّ
شاهِدٍ على أنَّ الشِّدّةَ إحكامٌ لا كَثرة.
- شَديدُ القُوى: مُحكَمُها.
- المُشادَّة: أن يُحكِمَ كُلٌّ على صاحِبِه.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ش-د-د: إحكامٌ يَمنَعُ الانفِلات. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: «شَديدُ العِقاب» لَيسَ إخباراً عن كَثرةِ العَذابِ بَل عن إحكامِه، أي أنَّه لا يُفلَتُ منه. والجَذرُ لا يَنفَرِدُ بِبابِ العِقاب: يُضافُ إليه في ثَلاثةِ مَواضِعَ من ثَمانِيَةَ عَشَرَ في المُسَجَّل، ويوصَفُ بِه في سائِرِها القَسوةُ والحُبُّ والذِّكرُ والبَأسُ وبُلوغُ الأشُدِّ وشَدُّ الأزر. ولم يُوصَفْ بِه المِقدارُ في مَوضِعٍ واحِدٍ منها، بَل الإحكامُ وَحدَه هو القَدرُ المُشتَرَك.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- شَديدُ العِقاب (صِفةً مُشَبَّهةً مُضافة): ثَلاثةُ مَواضِعَ في
المُسَجَّل، وتَقَعُ في خِتامِ الآيةِ بَعدَ حُكمٍ أو خَبَرٍ عن مُبَدِّلٍ أو مُكَذِّب. وقَريبٌ منها «شَديدُ العَذاب» مَوضِعاً واحِداً (٢:١٦٥).
- عَذابٌ شَديد / عَذاباً شَديداً (نَعتاً لِنَكِرة): يُنظَرُ فيها إلى
العَذابِ نَفسِه لا إلى صاحِبِه.
- أشَدُّ (اسمُ تَفضيل): يَنقُلُ الجَذرَ من الوَصفِ إلى المُوازَنة،
ويَقَعُ في المُسَجَّلِ على أوسَعِ ما يَقَعُ عليه الجَذر: في الحُبِّ (٢:١٦٥) وفي القَسوةِ (٢:٧٤) وفي العَذابِ (٢:٨٥ و٢٠:٧١ و٢٠:١٢٧) وفي الفِتنةِ (٢:١٩١) وفي الذِّكرِ (٢:٢٠٠). فالمُوازَنةُ لا تَختَصُّ بِمَحَلٍّ دونَ مَحَلّ.
- لَشَديد (نَكِرةً مُؤَكَّدةً بِاللّام): مَوضِعانِ، البَطشُ مَرّةً
وحُبُّ الخَيرِ مَرّة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدة، والصِّيَغُ تُوَزِّعُ جِهَةَ
النَّظَر. الإضافةُ تَنظُرُ إلى صاحِبِ الإحكام، والنَّعتُ إلى المُحكَم
نَفسِه، واسمُ التَّفضيلِ إلى مُوازَنَتِه بِغَيرِه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
izza(العِزّة، ع-ز-ز): اشتِدادٌ مُكتَنِزٌ يَمنَعُ أن يُنالَ.
والفَرقُ في الجِهة: العِزّةُ تَمنَعُ الوارِدَ أن يَدخُل، والشِّدّةُ تَمنَعُ الدّاخِلَ أن يَخرُج. فالأولى امتِناعٌ والثّانيةُ إمساك. وقد اجتَمَعا في ٣:٤ فقيلَ «عَذابٌ شَديد» ثُمَّ «واللهُ عَزيزٌ ذو انتِقام»، فجُعِلَ لِكُلٍّ مَوقِعُه.
- القُوّة (ق-و-ي): تَمَكُّنٌ من الفِعل. والشِّدّةُ إحكامٌ في البِنية.
فقد يَكونُ الشَّيءُ قَوِيّاً غَيرَ مُحكَم، ومُحكَماً غَيرَ قَوِيّ.
- الغِلَظ (غ-ل-ظ): كَثافةٌ في الجِرم. والشِّدّةُ لا تَقتَضي جِرماً،
بِدَليلِ وَصفِ الحُبِّ بِها في ٢:١٦٥ و١٠٠:٨.
sabr(الصَّبر، ص-ب-ر): حَبسُ النَّفسِ على المَكروه. وهو من
الشِّدّةِ في جِهَةِ الفاعِل: الصّابِرُ يَشُدُّ على نَفسِه. فالصَّبرُ شِدّةٌ يُحكِمُها المَرءُ على ذاتِه، والعِقابُ الشَّديدُ شِدّةٌ تُحكَمُ عليه.
المَواضع: مَواقعُ الشِّدّة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٧٤ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾: أوَّلُ وُرودٍ لِلجَذرِ في المُصحَف. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ في القَسوة، وفي صيغةِ تَفضيلٍ تُوازِنُ قَلباً بِحَجَر. فيَثبُتُ من المَوضِعِ الأوَّلِ أنَّ الشِّدّةَ إحكامٌ في البِنيةِ لا عُنفٌ في المُعامَلة: القَلبُ القاسي مُحكَمٌ لا يَنفَذُ إليه شَيء، وهو المَعنى نَفسُه الذي يُمدَحُ بِه في ٢:١٦٥ ويُذَمُّ هُنا. فالجَذرُ لا يَحمِلُ حُكماً، والمَحَلُّ هو الذي يَحمِلُه.
- ٢:٨٥ ﴿يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: التَّفضيلُ في العَذابِ لا في الحُبّ. الجَديدُ: تُضافُ صيغةُ التَّفضيلِ إلى العَذابِ مُعَرَّفاً، فيَبطُلُ أن يُقصَرَ «أشَدُّ» على مَقامِ المَدح. والمَوضِعُ يَقَعُ بَعدَ إيمانٍ بِبَعضِ الكِتابِ وكُفرٍ بِبَعض، فيُوازَنُ العَذابُ بِعَذابٍ كَما وُوزِنَ الحُبُّ بِحُبٍّ: المُوازَنةُ صيغةُ الجَذرِ حَيثُ وَقَع.
- ٢:١٦٥ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: يَقَعُ الجَذرُ على الحُبِّ، وهو أرَقُّ ما يوصَفُ بِه، وفي الآيةِ نَفسِها «شَديدُ العَذاب». فيَجتَمِعُ الطَّرَفانِ في مَوضِعٍ واحِد، ويُقرَأُ أنَّ الشِّدّةَ إحكامُ التَّعَلُّقِ لا عُنفُ المُعامَلة. والمُوازَنةُ تَقَعُ مَعَ مَن يُحِبُّ أنداداً «كَحُبِّ الله»، فالفارِقُ في إحكامِ التَّعَلُّقِ لا في وُجودِه. انظُر الحُبّ.
- ٢:١٩٦ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أوَّلُ إضافةٍ إلى العِقاب. الجَديدُ: تَقَعُ خِتاماً لِبابٍ فيه رُخَصٌ وفِديَةٌ وتَيسير، فيُجعَلُ الإحكامُ حارِساً لِلرُّخصةِ لا نَقضاً لَها: ما خُفِّفَ لا يُتَجاوَزُ حَدُّه. ويُصَدَّرُ بِـ«واعلَموا» فيُطلَبُ عِلماً لا يُساقُ خَبَراً. انظُر التَّقوى.
- ٢:٢١١ ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: الإضافةُ مَعَ سَبَبٍ مَذكور. الجَديدُ: يُذكَرُ سَبَبُ الإحكامِ صَريحاً وهو تَبديلُ النِّعمةِ بَعدَ مَجيئِها، فيُعَلَّقُ الوَصفُ بِفِعلٍ بِعَينِه لا بِذَواتٍ. و«مِن بَعدِ ما جاءَته» تَجعَلُ العِلمَ شَرطاً، فلا يُشَدُّ على مَن لم يَبلُغْه.
- ٣:٤ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: النَّعتُ لِلنَّكِرة. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من صِفةِ المُعاقِبِ إلى صِفةِ العَذابِ نَفسِه، فيُنظَرُ إلى المُحكَمِ لا إلى المُحكِم. ويَليه «واللهُ عَزيزٌ ذو انتِقام»، فيَجتَمِعُ الإمساكُ والامتِناعُ في آيةٍ واحِدة. انظُر العِزّة / العَزيز.
- ٣:١١ ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: عَودُ الإضافةِ بَعدَ مِثال. الجَديدُ: تَعودُ الصّيغةُ بَعدَ ذِكرِ آلِ فِرعَونَ ومَن قَبلَهُم، فيُقَدَّمُ لِلوَصفِ شاهِدٌ واقِعٌ بَدَلَ الشَّرطِ المُفتَرَضِ في ٢:٢١١. والفِعلُ المُذكورُ «أخَذَهُم» وهو من الإمساكِ أيضاً، فيُوافِقُ الجَذرَ في صورَتِه.
- ٣:٥٦ ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: الشِّدّةُ في الدّارَين. الجَديدُ: يُنصَبُ «عَذاباً شَديداً» مَفعولاً مُطلَقاً مَوصوفاً، ويُمَدُّ في الدّارَينِ مَعاً، فيُرفَعُ عن الإحكامِ أن يَكونَ مُؤَقَّتاً بِدارٍ واحِدة. ويُختَمُ بِنَفيِ النّاصِر، فيَتِمُّ مَعنى الإمساك: لا يُفلَتُ منه ولا يُنتَزَعُ صاحِبُه.
- ١٧:٥ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الوَصفُ على البَأس، وهو مَحَلٌّ لَم يَقَع عَلَيه الجَذرُ في المُسَجَّلِ قَبلَ هذا وقَد وَقَعَ على العِقابِ والعَذابِ والبَطشِ والقَسوةِ والحُبّ. وأصحابُ البَأسِ عِبادٌ مَبعوثونَ مَنسوبون، فالإحكامُ هُنا في قُوَّةِ قَومٍ سُلِّطوا لا في جَزاءٍ يُنزَلُ من فَوق. و«فجاسوا خِلالَ الدِّيار» يُفَسِّرُ الشِّدَّةَ بِأثَرِها: دُخولٌ لا يَنفَلِتُ مِنه مَوضِع، وهو الشَّدُّ الذي يَمنَعُ الانحِلالَ في صورةِ إحاطةٍ بِالدِّيار.
- ١٧:٣٤ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ اسماً في العُمرِ لا في الجَزاء: «حتّى يَبلُغَ أشُدَّه»، وهو الوَجهُ الذي يَستَشهِدُ بِه §١ ولَم يَكُن لَه شاهِدٌ في المُسَجَّل. والمَعنى هو المَعنى: إحكامٌ يَمنَعُ الانحِلال، غَيرَ أنَّ المُحكَمَ قُوَّةُ الإنسانِ نَفسُه. ويُجعَلُ بُلوغُها حَدّاً يَنتَهي عِندَه حِفظُ مالِه بِيَدِ غَيرِه، فالبِنيَةُ إذا اشتَدَّت حَمَلَت ما كانَ يُحمَلُ عَنها. والجَذرُ يَحمِلُ هُنا مَدحاً لا وَعيداً، والمَحَلُّ هو الذي يَحمِلُ الجِهةَ كَما في §٢.
- ٢٠:٣١ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ فِعلَ أمرٍ في الطَّلَب، وهو الوَجهُ الفِعليُّ الذي لا نَظيرَ لَه في المُسَجَّل. والمَطلوبُ شَدُّ الأزرِ بِأخ، فيَقَعُ الإحكامُ في وَصلِ اثنَينِ لا في إمساكِ واحِدٍ عَن الانفِلات. وهو أبيَنُ ما يُقرَأُ بِه المَطلَع: ما يُشَدُّ هُنا ظَهرٌ يُخافُ وَهنُه لا وِثاقُ مَحبوس، والشَّدُّ يُطلَبُ لا يُتَوَعَّدُ بِه.
- ٢٠:٧١ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾: التَّفضيلُ في فَمِ المُتَوَعِّد. الجَديدُ: يُنطَقُ بِالجَذرِ على لِسانِ فِرعَونَ لا في خَبَرِ النَّصّ، ويُوازِنُ بِه نَفسَه بِغَيرِه: «أيُّنا». ثُمَّ يُقرَنُ الأشَدُّ بِـ«أبقى»، فيُفصَلُ الإحكامُ عن الدَّوام: هُما وَصفانِ لا وَصفٌ واحِد، ودَعوى الشِّدّةِ لا تَستَلزِمُ البَقاء. وهو ثاني مَوضِعٍ يَقَعُ فيه «أشَدُّ» على العَذابِ بَعدَ ٢:٨٥.
- ٢٠:١٢٧ ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ اسمُ التَّفضيلِ بِلا تَمييزٍ مَنصوب، وكانَ في المُسَجَّلِ مُمَيَّزاً («أشَدُّ قَسوةً»، «أشَدُّ حُبّاً»، «أشَدُّ عَذاباً») أو مُضافاً («أشَدِّ العَذاب»). والمُفَضَّلُ هُنا العَذابُ نَفسُه لا صاحِبُه. وهُما اللَّفظانِ اللَّذانِ تَوَعَّدَ بِهِما فِرعَونُ في ٢٠:٧١، فيَعودانِ في خِتامِ السّورةِ في الجِهةِ الأُخرى: مَن ادَّعى الشِّدَّةَ والبَقاءَ قيلا عَلَيه.
- ٨٥:١٢ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾: المَوصوفُ بَطشٌ لا عِقاب. الجَديدُ: يوصَفُ بِالجَذرِ فِعلُ الأخذِ نَفسُه لا الجَزاءُ المُرَتَّبُ عليه، ويُضافُ إلى الرُّبوبِيَّةِ لا إلى لَفظِ الجَلالة. ووُقوعُه بَعدَ قِصّةِ الأُخدودِ يَجعَلُه جَواباً لِمَن أحكَمَ على المُؤمِنينَ أُخدوداً: يُشَدُّ على مَن شَدّ. انظُر الرَّبّ.
- ١٠٠:٨ ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾: الشِّدّةُ في النَّفسِ لا في الجَزاء. الجَديدُ: يُوصَفُ الإنسانُ نَفسُه بِالجَذرِ ويُعَدّى بِاللّامِ إلى حُبِّ الخَير، فيَعودُ المَفهومُ إلى الحُبِّ بَعدَ سَبعةِ مَواضِعَ مُسَجَّلةٍ في العَذابِ والبَطش. والفارِقُ أنَّ الأوَّلَ مَدحٌ لِإحكامِ التَّعَلُّقِ بِاللهِ وهذا ذَمٌّ لِإحكامِ التَّعَلُّقِ بِالمال، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الجَذرَ لا يَحمِلُ حُكماً في نَفسِه: الإحكامُ يُحمَدُ ويُذَمُّ بِحَسَبِ مَحَلِّه. انظُر النَّفس.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الحُبّ في ٢:١٦٥ و١٠٠:٨: المَوضِعانِ يَحمِلانِ الجَذرَ في
الحُبِّ لا في العَذاب، وبَينَهُما سَبعةُ مَواضِعَ مُسَجَّلةٍ في العِقابِ والبَطش. فيُقرَأُ الجَذرُ من طَرَفَيه لا من وَسَطِه.
- مَعَ العِزّة / العَزيز في ٣:٤: اجتِماعُ «عَذابٌ شَديد» و«عَزيزٌ ذو
انتِقام» في آيةٍ واحِدةٍ يُبَيِّنُ الفَرقَ بَينَ الجَذرَين: إمساكٌ لا يُفلَتُ منه، وامتِناعٌ لا يُنالُ صاحِبُه.
- مَعَ الصَّبر: الصَّبرُ إحكامٌ يَقَعُ من المَرءِ على نَفسِه،
والعِقابُ الشَّديدُ إحكامٌ يَقَعُ عليه. فالجَذرانِ يَلتَقِيانِ في الصّورةِ ويَفتَرِقانِ في الفاعِل.
- مَعَ الرَّبّ في ٨٥:١٢: إضافةُ البَطشِ إلى الرُّبوبِيَّةِ في
مَقامِ نُصرةِ المُستَضعَفينَ يَجعَلُ الشِّدّةَ من التَّربِيَةِ لا من القَهرِ المُجَرَّد.
الإشكالات المَفتوحة
- **«لِحُبِّ الخَيرِ لَشَديد» في ١٠٠:٨: أاللّامُ لِلتَّعليلِ أم
لِلتَّعدِيَة؟** على التَّعليلِ يَكونُ شَديداً بِسَبَبِ حُبِّه، وعلى التَّعدِيَةِ يَكونُ شَديدَ الحُبّ. والثّاني أقرَبُ إلى نَظيرِه في ٢:١٦٥. مَفتوح.
- هل «الخَير» في ١٠٠:٨ هو المالُ أم الخَيرُ المُطلَق؟ إن كانَ المالَ
فالذَّمُّ في المَحَلّ، وإن كانَ المُطلَقَ فالذَّمُّ في الإفراط. وقِراءةُ الجَذرِ تُرَجِّحُ الأوَّلَ لِأنَّ الإحكامَ لا يُذَمُّ لِذاتِه. مَفتوح.
- اطِّرادُ «شَديدُ العِقاب» في المُسَجَّل: ثَلاثةُ مَواضِعَ من
ثَمانِيَةَ عَشَرَ على صيغةٍ واحِدة، وهي في سورَتَينِ فَقَط. وقد كانَ الاطِّرادُ يُقَدَّرُ أعلى من ذلك قَبلَ إحصاءِ صِيَغِ التَّفضيلِ والفِعل، فسَقَطَت دَعوى الغَلَبة. والسُّؤالُ الباقي: هل تَظَلُّ الإضافةُ إلى العِقابِ صيغةً واحِدةً لا تَتَبَدَّلُ في سُوَرٍ لم تُنشَر؟ يُختَبَرُ لاحِقاً.