آل عمران · الآية 188

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

«لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا»: النهيُ يَحرسُ الحُكمَ من ظاهرِ الفرح

تَبدأُ «لا» بنهيٍ يَتوجّهُ إلى مخاطَبٍ مفرد، ويَحملُ الفعلُ نونَ التوكيد: لا تحسبنّ. ومفعولُ الحسبانِ موصولٌ تَتوالى صلاتُه، فأصحابُه يُعرَفونَ بفعلَين، دونَ اسمٍ أو نسب. وأوّلُهما «يفرحون بما أتوا»، وهو مضارعٌ جمعيٌّ يَربطُ الفرحَ بالباءِ و«ما» التي تُجمِلُ ما أتوا به. والفرحُ من ف-ر-ح انفتاحٌ ضيّقٌ يَجري ثمّ يَحتوي أثرَه في الباطن، فيَظهرُ انبساطاً متحرّكاً. ويَنصبُّ النهيُ على التركيبِ الكاملِ الآتي، أي فرحٍ بما أُتي ومحبّةِ حَمدٍ على ما لم يُفعَل، مجتمعَينِ في موصوفٍ واحد.

«وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا»: المحبّةُ تَطلبُ حمداً منفصلاً عن الفعل

وتَعطفُ الواوُ الصلةَ الثانية: ويحبّون. ومفعولُ المحبّةِ مصدرٌ مؤوَّلٌ من «أن يُحمدوا»، والفعلُ مبنيٌّ للمجهول، فمَوضِعُ الرغبةِ وُقوعُ الحَمدِ نفسُه من أيِّ جهةٍ وقع. والحمدُ من ح-م-د تضييقٌ يَحتوي ثمّ يُمسِكُ في الباطنِ ويَثبُتُ بضغط، فيَحملُ ثناءً مربوطاً بالمحمود. غيرَ أنّ الباءَ التاليةَ تَكشفُ موضعَ الانفصال: بما لم يفعلوا. و«لم» تَنفي الفعلَ وتقلبُ المضارعَ إلى جزمٍ ماضويّ الدلالة. والفعلُ من ف-ع-ل نفاذٌ يَفتحُ مجرى إلى ظهورٍ من العمقِ ثمّ يَتعلّقُ بالمَحل، والنفيُ يَقطعُ وقوعَه مع بقاءِ طلبِ الحمدِ عليه.

«فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ»: التكرارُ يَسدُّ طريقَ النجاةِ المتوهَّمة

وتأتي الفاءُ بعدَ تمامِ صلتَي الموصول، وتُعيدُ النهيَ نفسَه مؤكَّداً: فلا تحسبنّهم. والهاءُ والميمُ تَجمعانِ الفئةَ الموصوفة، والباءُ تُدخِلُهم في «مفازة من العذاب» على جهةِ الحسبانِ المنهيِّ عنه. والمفازةُ من ف-و-ز عُبورٌ نافِذٌ يَمضي حتّى يُجاوِزَ ما يَعتَرِضُه ويَبلُغَ مَطلوبَه، فتَحملُ موضعَ فوزٍ أو نجاة. والنفيُ هنا هو الحكمُ الذي اكتملَ بعدَ فرحِهم بما أتوا وحبِّهم الحمدَ بما لم يفعلوا، وليس خبراً منفصلاً عن الصلتَين. وهو واقعٌ على المفازةِ نفسِها، فيُسقِطُ الحُسبانَ من أصلِه، لا من طرَفِه.

«وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: العَذابُ الأَليمُ يَحُلُّ مَكانَ النَّجاةِ المُتَوَهَّمة

وتَعطفُ الواوُ جارّاً ومجروراً مقدَّماً: ولهم. والضميرُ يعودُ إلى الموصوفينَ أنفسِهم، والمبتدأُ المؤخَّرُ «عذاب» نكرةٌ موصوفةٌ بـ«أليم». فبعدَ أن نَهى الخطابُ عن حسبانِهم في مفازةٍ من العذاب، يُثبِتُ لهم عذاباً ذا ألم. والوصفُ وحدَه يَحمِلُ ثِقلَ العذاب: حَدٌّ يَقَعُ فيَعلَقُ فيُطبِق، يَصِفُ العذابَ الآخِذَ دونَ المأخوذِ بِه. والتكرارُ بينَ «العذاب» ثمّ «عذاب» لا يُلغيه ضميرٌ أو استعارة، والأوّلُ فيه متعلَّقُ النجاةِ المنفيّة، والثانيُ ثابتٌ لهم ومقيَّدٌ بصفةِ الألم.


حَصيلة

تَبني الآيةُ فئتَها من علاقتَين دقيقتَين: يَفرحون بما أتوا، ويُحبّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، والصلتانِ وحدَهما تَحمِلانِ التعريف، أي الفرحَ ومحبّةَ الحَمد. ويَحيطُ بهما نهيٌ مؤكَّدٌ عن الحسبان، ثمّ يُعادُ بعدَ اكتمالِ الصلةِ ليَمنعَ عدَّهم في نجاةٍ من العذاب. ويَختمُ الإثباتُ الاسميُّ المسارَ بعذابٍ أليمٍ لهم. وتتقابلُ داخلَ الألفاظِ ثلاثةُ موازين: فرحٌ بما أُتي، وحمدٌ مطلوبٌ على ما لم يُفعَل، ومفازةٌ منفيّةٌ يَحلُّ محلَّها عذابٌ ثابتٌ موصوفٌ بالألم.