البقرة · الآية 178

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى: النداء الخاصّ + (ك ت ب) إلزام منقوش + «على» للإلزام + (ق ص ص) تتبّعٌ بمثل + «في» ظرفيّة الشأن

والنداءُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مخصوصٌ بالمؤمنين، ومجيء الصلة بالفعل دون الاسم يُفيد أنّ الخطاب ينزل على المتحقّقين بفعل الإيمان لا المنتسبين إليه باسمٍ موروث. وهذا اختيارٌ دقيق: تشريع القصاص عبءٌ لا يَحمله إلّا مَن صار دينُه فعلاً. والفعل كُتِبَ مبنيٌّ للمجهول، وهذا البناء يَرفع الحكم إلى مقام الإلزام الفوقيّ دون التصريح بالمُلزِم، إذ المُلزِم معلومٌ بالسياق. وجذر (ك ت ب) نواتُه (ك ت) إمساكٌ يَثبت، والباء ختامُ الإظهار، فالكَتبُ في تركيبه الجذريّ إمساكٌ مُظهَرٌ ثابت، ومن هنا صار الكتابُ كتاباً لأنّه يَحبس المعنى في رَسمٍ يَثبت. وقوله عَلَيْكُمُ باستعلاء «على» يُفيد الإلزامَ الواقع فوق الإرادة، فالكتابةُ هنا فرضٌ لا اختيار. والاسم المرفوع الْقِصَاصُ على وزن فِعال، وفِعال تُفيد المفاعلةَ بين طرفين. ومدار (ق ص ص) على النواة (ق ص)، وهي قطعٌ يُحكم، والصادُ المكرّرة تُضاعف الإحكام، والقِصاصُ في الجذر تتبّعُ الأثر بِمثله تتبّعاً محكماً، ومنه «اقتصَّ أثره» إذا تَبِعَه خطوةً بخطوة. فالقصاصُ تتبّعُ الفعل بمثله بدقّةٍ متوازنة، وليس ردَّ الفعل بأيّ ثمن. والحرف «في» من قوله فِي الْقَتْلَى للظرفيّة المعنويّة، والمراد في شأنِهم وقضيّتهم، لا في أجسادهم. و«القَتلى» جمع قتيل على وزن فَعلى، وهو الجمع الذي يَستعمله العرب للمصائب والأحوال (كالجرحى والمرضى)، فيُشير إلى اشتراك الحال، ولا يَقف عند تعدّد الأفراد.

الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ: الباء للمقابلة + بدلٌ من القِصاص + كسر عرف الثأر القبليّ

والأسماء الثلاثة الْحُرُّ... وَالْعَبْدُ... وَالْأُنْثَىٰ بدلٌ من الْقِصَاصُ أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوف، والمعنى: الحرّ يُقتصّ به الحرّ، والعبد يُقتصّ به العبد، والأنثى تُقتصّ بها الأنثى. والباء في كلٍّ منها باءُ المقابلة دون الإلصاق، تُوازي طرفاً بطرف، كما تقول «دفعتُ ديناراً بدينار» أي بإزائه. وعلّة هذا التفصيل أنّ المقابلةَ الثلاثيّة تَضع حدّاً أقصى للمُطالبة فتَقطع التصعيد: نفسٌ بنفس، لا أكثر. والذي يُفهم من هذا سدُّ ذرائع التصعيد، وليس إذناً بالتمييز الأخلاقيّ، والحدّ الأقصى للمُطالبة هو المثل، دون المثلين والأضعاف. فالباءُ المُقابِلة تُوازي طرفاً بطرف، فلا يُطلَب بالواحد أكثرُ من الواحد، أي أنّها تَحدّد السقف الأعلى للمُطالبة دون السقف الأدنى.

فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: الفاء الشرطيّة + (ع ف و) محوٌ يُطلق + تسمية الجاني «أخاً» تشريعٌ لُغويّ

والفاء في فَمَنْ فاءُ التفصيل والتفريع: بعد ذكر القاعدة تُذكر حالةُ الاستثناء. وعُفِيَ فعلٌ مبنيٌّ للمجهول من جذر (ع ف و)، ونواتُه (ع ف) ظهورٌ يَنفصل. والعفو في الجذر محوٌ يُطلق المُذنبَ من تبعة ذنبه، وليس تسامحاً شفهيّاً وحده، ومنه «عَفَت الرياحُ الآثار» إذا أذهبتها حتى لم يَبقَ منها شيء. واللام في لَهُ لام الاختصاص، أي أنّ العفو مختصٌّ بهذا الشخص دون غيره. ومِنْ أَخِيهِ موضعُ الدهشة: الجاني الذي قتل وَلِيَّ العافي سُمّي «أخاً» له. وهذا تشريعٌ لُغويّ عميق، وليس مجازاً ولا لطفَ عبارة: الأُخوّةُ الإيمانيّة لا تَنقطع بالدم، والعفوُ يُعيد الوَصلَ الذي قطعه الفعلُ الإجراميّ. ولو كانت الأُخوّةُ قد قُطعت بالقتل لَقيل «من صاحبه» أو «من خصمه». فاستعمالُ لفظة «أخيه» في هذا الموضع تحديداً يَكشف مقصداً ربّانيّاً، وهو أنّ العفوَ فعلُ استرجاعٍ للأُخوّة التي كَسرها القتل، وليس تسامحاً مع عدوّ. وشَيْءٌ نكرةٌ تُفيد العموم، أي أنّ أيّ قدرٍ من العفو، قليلاً كان أو كثيراً، يَنقل القضيّة من طور القصاص إلى طور التعويض.

فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ: افتعال (ت ب ع) ملاحقة تكلّفيّة + (ع ر ف) تعارفٌ معهود + (أ د ي) إيصال تامّ + (ح س ن) جمال يُلمع

وجوابُ الشرط فَاتِّبَاعٌ مصدرٌ مرفوعٌ على الخبر لمبتدأٍ محذوف، أي «فحكمُه اتّباع». واختيار المصدر دون الفعل يُثبّت المطلوبَ صفةً لازمة لا حدثاً عابراً. و«اتّباع» على وزن افتعال في (ت ب ع)، وصيغة الافتعال تُفيد التكلّفَ والسعيَ في الفعل. وجذر (ت ب ع) نواتُه (ت ب) إتمامٌ ملتصق، والعين ختامُ الظهور، فالاتّباعُ في الجذر لحاقٌ متكلَّفٌ يُتمّ الحركةَ بلا انقطاع. والمقصود هنا أنّ وليَّ الدم إذا عفا يَلتزم بالمتابعة في طلب الدية بالطريقة المتعارفة، فلا يَطلب فوقها ولا يَبتزّ. وبِالْمَعْرُوفِ من (ع ر ف)، ونواتُه (ع ر) ظهورٌ يَمتدّ، والفاء ختامُ الفصل، فالمعروفُ في الجذر ما تَعرّفت عليه الجماعةُ وتواضعت عليه، أي العُرفُ المُحكَم الذي لا يَظلم أحداً. ثمّ عُطف عليه وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ، وجذر (أ د ي) نواتُه (أ د) تأكيدٌ يَستقرّ، والياء اتّصالٌ بالغاية، فالأداءُ في الجذر إيصالٌ تامّ إلى المقصد من غير نقصان. وهذه المقابلة بين الطرفين بديعة: الأوّل (وليّ الدم) يَتّبع بالمعروف، والثاني (الجاني أو أهله) يُؤدّي بإحسان. فالاتّباعُ عُرفٌ لا يَزيد، والأداء إحسانٌ يَزيد في جَمال التنفيذ. ومادّة (ح س ن) في الإحسان جَمالٌ يَظهر ويَلمع، فيَلزم الجمالُ في الدفع ولا يَكفي الدفعُ وحده، والإحسانُ في الأداء يُوازي العفوَ في الطرف المقابل.

ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ: اسم الإشارة للحكم المُنجَز + (خ ف ف) رفع ثقل + افتعال (ع د و) تجاوز متكلَّف

وذَٰلِكَ إشارةٌ إلى فتحِ باب العفو والدية، لا إلى أصل القصاص. والخبر تَخْفِيفٌ من جذر (خ ف ف)، ونواتُه (خ ف) خروجٌ يَنفصل، والفاء المكرّرة تُضاعف الانفصال، فالتخفيفُ في الجذر إزالةُ ما يُثقل حتى يَنفصل عن صاحبه. و«من ربّكم» متعلّقٌ بتخفيف، والربوبيّة هنا مقصودةٌ بمعناها، وليست اسماً وحده: الربّ هو المربّي المُصلح، فالتخفيف جزءٌ من تربيةٍ تَرفع الثقل الذي كان سائداً في عرف الثأر. والعطف وَرَحْمَةٌ يُؤكّد المعنى بطبقةٍ ثانية: التخفيفُ من حيث الفعل، والرحمة من حيث المقصد. ثمّ جاءت الجملة الختاميّة فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، والفعل اعْتَدَىٰ على وزن افتعال من (ع د و)، وصيغة الافتعال تُفيد تكلّفَ التجاوز، أي السعيَ القصديَّ في اجتياز الحدّ. والمعنى أنّ من قبِل العفوَ والديةَ ثمّ عاد إلى طلب الدم، أو من استوفى القصاصَ ثمّ تعدّى إلى غير القاتل، فقد دَخل في العدوان على الحكم الإلهيّ ذاته، ولم يَقف عدوانُه عند الخصم. والعذاب الأليم هنا استئنافٌ للعذاب المذكور في الآية 174، ووزن فَعيل صفةٌ مشبّهةٌ تُفيد ثبوتَ الألم في العذاب نفسه، دون طَريانه عليه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، و«الأخ» دَوْرٌ يُعيده العفوُ بعد الكَسرة، وليس لَقَباً يُمنَح على وِفاق ويُسلَب على خلاف، وتَسميةُ الجاني «أخاً» في جُملةِ العَفو تَفتح بابَ الوَصلِ المَقطوع، وتَجعل القِصاصَ حَدّاً يَكسر الثأر، لا جَسَراً إلى ثأرٍ جديد.


حَصيلة

تَنقُلُ الآيةُ أَمرَ الدَّمِ من الثَّأرِ الجاهِليِّ اللّامحدودِ إلى مُعادَلَةٍ مَكتوبَةٍ بِإلزامٍ فَوقيٍّ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. والقِصاصُ (ق-ص-ص: تَتَبُّعٌ بِالمِثلِ بإحكام) يَضَعُ سَقفاً أَقصى للمُطالَبَة، ولا يَفتَحُ باباً للتَّصعيد: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ﴾. ثمَّ يُفتَحُ بابُ العَفو: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وتَسمِيَةُ الجاني «أَخاً» في جُملَةِ العَفو تَشريعٌ لُغَوِيٌّ عَميق: الأُخُوَّةُ الإيمانِيَّةُ لا تَنقَطِعُ بِالقَتل، والعَفوُ يُعيدُ الوَصلَ المَكسور. فإن عُفِيَ تَحَوَّلَت العَلاقَةُ إلى: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، ووَليُّ الدَّمِ يَتَّبِعُ بِالمَعروفِ لا يَزيدُ، والجاني يُؤَدِّي بِإحسانٍ لا يَنقُص. والخَتمُ يَحمي هذا الاتِّفاق: فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي أنَّ مَن تَجاوَزَ الحَدَّ بَعدَ العَفوِ والدِّيَةِ تَعَدَّى على الحُكمِ ذاتِه، ولم يَقِفْ تَعَدّيه عِندَ الخَصم. وهذا كُلُّه تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.