الغَلَبة

ghalaba جذر · غ-ل-ب 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**إحاطةٌ كَثيفةٌ تَعلو الشَّيءَ فتَحوزُه ويَبقى تَحتَها مُمسَكاً**. لَيسَتِ الغَلَبةُ في الجَذرِ ضَرباً يَكسِرُ ولا عَدَداً يَرجَح، بَل **كَثافةً تُطبِقُ من فَوق**. ومن هُنا سُمِّيَ غِلَظُ الرَّقَبةِ **غَلَباً**، والحَديقةُ المُلتَفُّ شَجَرُها **غَلْباء**، ولا خُصومةَ في واحِدٍ منهُما. ولِذلك انفَكَّتِ الغَلَبةُ عَنِ العَدَدِ في المُسَجَّلِ من أوَّلِ مَوضِعٍ لَها: الكَثافةُ لَيسَت كَثرة.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • غ: غَؤورٌ في أقصى الحَلقِ يَعقِدُ غِطاءً رَخواً كَثيفاً يَستُرُ

المَجرى ولا يَقطَعُه، والنَّفَسُ المَجهورُ يَجري من خَلفِه مُحتَكّاً نافِذاً من الغَورِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: سِترٌ كَثيفٌ يَعلو من غَورٍ ولا يَسُدّ.

  • ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأُصولِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ

جَرَيانِ الصَّوتِ مُنساباً مُمتَدّاً من جانِبَيِ اللِّسانِ فيَمضي مُستَقِلّاً لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يَحوزُ ثُمَّ يَمتَدّ.

  • ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبَساً ثُمَّ

يَنفَتِحُ عنه خارِجاً. شِحنَتُه: إمساكٌ يَحبِسُ ما تَحتَه.

النَّواةُ غَل (غ + ل) = سِترٌ كَثيفٌ يَجيءُ من غَورٍ فيَتَعَلَّقُ بِما بَلَغَه ويَحوزُه: لا يَقطَعُه ولا يُخالِطُه، بَل يَعلوهُ ويَشتَمِلُ عليه ويَمتَدُّ مَعَه. والإغلاقُ بِـب يُمسِكُ هذا السِّترَ على مَحَلِّه فيَبقى المَستورُ مُحتَبَساً تَحتَه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: إحاطةٌ كَثيفةٌ تَعلو فتَحوزُ وتُمسِك.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • الغَلَب: غِلَظُ الرَّقَبةِ وامتِلاؤُها، ومنه الأغلَب لِلأسَد.

ولَيسَ في اللَّفظِ خَصمٌ ولا مُنازَعة، إنَّما كَثافةٌ تَشتَمِلُ على ما تَحتَها.

  • حَديقةٌ غَلْباء: مُلتَفّةٌ قد أطبَقَ شَجَرُها بَعضُه على بَعضٍ حتّى

غَطّى ما تَحتَه. وهذا الوَجهُ وَحدَه يَكفي شاهِداً أنَّ أصلَ المادّةِ الكَثافةُ المُطبِقةُ لا القَهر.

  • القَبيلةُ الغَلْباء: المُمتَنِعةُ التي لا تُنال، والوَصفُ مَأخوذٌ

من التِفافِ بَعضِها على بَعضٍ لا من كَثرَتِها.

  • تَغَلَّبَ على البَلَد: عَلاهُ فحازَه. والمَحَلُّ باقٍ تَحتَه لم

يَفنَ، وهذا ما يُفَرِّقُ المادّةَ عن الإفناءِ والإهلاك.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ غ-ل-ب: إحاطةٌ كَثيفةٌ تَعلو فتَحوز.

وما تَدفَعُه هذه القِراءةُ ولا يُعطيهِ ظاهِرُ اللَّفظِ ثَلاثةُ أشياء:

  • التَّعدِيَةُ بِلا حَرف. الفِعلُ في ٢:٢٤٩ يَقَعُ على مَفعولِه

مُباشَرةً («غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً») كما تَقَعُ الغِطاءةُ على المُغَطّى، ولَو كانَ أصلُ المادّةِ مُنازَعةً بَينَ طَرَفَينِ لَاقتَضَت «على» كما تَقتَضيها كُلُّ مُغالَبة.

  • انفِكاكُها عَنِ العَدَد. الكَثافةُ لَيسَت كَثرة: جِرمٌ صَغيرٌ

مُتَراصٌّ أكثَفُ من جِرمٍ كَبيرٍ مُنفَرِط. فقَولُ القائِلينَ في ٢:٢٤٩ إنَّ قَليلاً غَلَبَ كَثيراً لا يُخالِفُ الجَذرَ بَل هو مُقتَضاهُ.

  • اشتِراطُ النَّصرِ لا القُوّة. النَّصرُ في المُدَوَّنِ اختِراقُ

حِصارٍ وإطلاقُ مَن كانَ مَحصوراً (nasr). فمَنِ اختُرِقَ الحِصارُ عنه لم يَبقَ تَحتَ إحاطة، ولِذلك جاءَت الغَلَبةُ في ٣:١٦٠ مَنفِيّةً بِشَرطِ النَّصرِ لا بِشَرطِ عُدّةٍ ولا عَدَد. الجَذرانِ يَتَقابَلانِ في الاتِّجاه: هذا يُطبِقُ من فَوق، وذاكَ يَخرِقُ من خارِج.

الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن

ثَلاثةُ مَواضِعَ في المُسَجَّل، وثَلاثُ صِيَغٍ لا تَتَكَرَّرُ واحِدةٌ منها:

  • غَلَبَتْ (ماضٍ مَبنيٌّ لِلفاعِلِ مُتَعَدٍّ بِنَفسِه، والتّاءُ

لِتَأنيثِ «فِئة»): مَوضِعٌ واحِد. وفاعِلُه نَكِرةٌ مُبهَمةٌ في سِياقِ «كَم» الخَبَريّة، فلا يُعَيَّنُ الغالِبُ ولا يُحَدُّ زَمانُه.

  • سَتُغْلَبُونَ (مُضارِعٌ مَبنيٌّ لِلمَفعولِ داخِلَتُه سينُ

الاستِقبال): مَوضِعٌ واحِد. والبِناءُ لِلمَفعولِ يَحذِفُ الفاعِلَ رَأساً، والسّينُ تُقَدِّمُ الخَبَرَ على وُقوعِه.

  • غَالِبَ (اسمُ فاعِلٍ مَبنيٌّ على الفَتحِ اسماً لِـ«لا» النّافِيةِ

لِلجِنس): مَوضِعٌ واحِد، وهو الوَجهُ الوَحيدُ الذي يُسَمّي الفاعِلَ، ومَوقِعُه نَفيُ جِنسِه كُلِّه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الثَّلاثةِ واحِدة (إحاطةٌ تَعلو

فتَحوز)، والذي تُبَدِّلُه الصِّيَغُ مَوقِعُ الفاعِلِ منها لا مَعناها.

والمُطَّرِدُ عَبرَها كُلِّها أنَّ **المُسَجَّلَ لا يُثبِتُ غالِباً

مُعَيَّناً البَتّة**: الأوَّلُ فاعِلُه نَكِرةٌ في العُموم، والثّاني

لا فاعِلَ لَه في اللَّفظ، والثّالِثُ مَنفيٌّ بِنَفيِ الجِنس. ثَلاثةُ

مَواضِعَ وثَلاثُ طُرُقٍ مُختَلِفةٍ لِمَنعِ التَّعيين، ولا رابِعَ

يُخالِفُها.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • qahr (القَهر، ق-ه-ر): مَفهومُه يُعَرِّفُه بِالغَلَبةِ نَفسِها،

«غَلَبةٌ كامِلةٌ تُلغي إرادةَ المَغلوب»، فهذا المَفهومُ يُقيمُ لَه الجِنسَ الذي استَعارَه. والفَرقُ في المَحَلّ: القَهرُ يَقَعُ على الإرادةِ فيُلغيها، والغَلَبةُ تَقَعُ على المَوضِعِ فتَحوزُه ويَبقى مَن فيه. ولِذلك جازَ أن يُنهى الإنسانُ عَنِ القَهرِ في ٩٣:٩ ولم يَرِد في المُسَجَّلِ أمرٌ ولا نَهيٌ بِالغَلَبةِ مَرّةً واحِدة: القَهرُ فِعلُ فاعِلٍ مُعَيَّن، والغَلَبةُ حالٌ تَعلو.

  • nasr (النَّصر، ن-ص-ر): نَفاذٌ يَخرِقُ الحِصارَ ويُطلِقُ مَن كانَ

مَحصوراً. والجَذرانِ مُتَقابِلانِ في الاتِّجاه، ولِذلك وَقَعا في ٣:١٦٠ شَرطاً وجَواباً لا نَظيرَين. وأدَقُّ ما في المُقابَلةِ أنَّ النَّصرَ يُسَمّى لَه فاعِلٌ في عامّةِ مَواضِعِه، وقد يُبنى لِلمَفعولِ كَما في ١٧:٣٣ «إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا»، والغَلَبةَ لا يُسَمّى لَها فاعِلٌ في المُسَجَّلِ ولا مَرّةً واحِدة.

  • izza (العِزّة، ع-ز-ز): اشتِدادٌ مُكتَنِزٌ يَمنَعُ أن يُنالَ

الشَّيءُ أو يُثلَم. والفَرقُ في الجِهة: العِزّةُ تُقرَأُ من داخِلِ المَوصوفِ فتَرُدُّ ما يَرِدُ عليه، والغَلَبةُ تُقرَأُ من خارِجِه فتَشتَمِلُ عليه. ولِذلك صارَ «العَزيز» وَصفاً لازِماً يُنعَتُ بِه، ولم يَصِرْ «غالِب» وَصفاً لِأحَدٍ في المُسَجَّل.

  • quwwa (القُوّة، ق-و-ي): مَذخورٌ مَعقودٌ يَمتَدُّ بِه صاحِبُه.

ومَفهومُها يُقَرِّرُ أنَّ المُسَجَّلَ لا يُخبِرُ عن إنسانٍ بِأنَّ لَه قُوّة. وهذا الجَذرُ يَشهَدُ لَه من بابٍ آخَر: العُدّةُ لا يُنسَبُ مِلكُها، والإحاطةُ لا يُسَمّى فاعِلُها. فما امتَنَعَ في العَينِ المَذخورةِ امتَنَعَ في الحالِ الواقِعة.

  • shidda (الشِّدّة، ش-د-د): إحكامٌ يَمنَعُ الانفِلات، وهو وَصفٌ

يَتَوَزَّعُ على المَوصوفينَ ويَقبَلُ التَّفاضُل. والغَلَبةُ واقِعةٌ تَقَعُ ولا تُنعَتُ بِها ذاتٌ ولا يُقالُ فيها «أغلَب» تَفضيلاً في المُسَجَّل.

  • tawq (الطّاقة، ط-و-ق): حَلقةٌ لَها مُحيطٌ لا يُتَجاوَز، وهي حَدٌّ

يُقاسُ بِه ما يُحمَلُ على المَرء. والآيةُ الواحِدةُ في ٢:٢٤٩ تَجمَعُ الجَذرَين: الدَّعوى بِالطّاقةِ والجَوابُ بِالغَلَبة. فتُبَيِّنُ بِنَفسِها أنَّهُما لا يُوضَعانِ في مِيزانٍ واحِد، ولِذلك لم يُكَذَّبِ الاعتِراضُ بَل نُقِلَ إلى بابٍ آخَر.

  • hawn (الهَون، هـ-و-ن): خِفّةٌ تَستَقِرُّ في الشَّيءِ فتَظهَرُ

عَلَيه. وهُما طَرَفا حَدَثٍ واحِد: هذا ما يَنزِلُ بِالمَحَلِّ من فَوقِه، وذاكَ ما يَصيرُ إليه المَحَلُّ في نَفسِه. والفَرقُ العَمَليُّ أنَّ الغَلَبةَ تَقتَضي طَرَفَينِ والهَونَ لا يَقتَضي إلّا واحِداً.

المَواضع: مَواقعُ الغَلَبةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٤٩ ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ في مَقولِ قَولٍ لا في خَبَرِ الوَحي، وقائِلُها «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ»، وهي جَوابٌ عن دَعوى قيلَت قَبلَها في الآيةِ نَفسِها: «لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ». فأوَّلُ ما تُعرَفُ بِه الغَلَبةُ أنَّها ما يُنقَضُ بِه حِسابُ الطّاقة. وتَدخُلُ مُعَمَّمةً لا مُعَيَّنة: «كَم» الخَبَريّةُ تُكَثِّرُ الوَقائِعَ ولا تُسَمّي واحِدةً منها ولا فاعِلاً فيها، والفِعلُ يَتَعَدّى إلى مَفعولِه بِلا واسِطةٍ كما تَقَعُ الإحاطةُ على مَحَلِّها. والقَيدُ «بِإِذْنِ اللَّهِ» يَلحَقُها في أوَّلِ مَوضِعٍ لَها فلا تُقرَأُ بَعدَهُ حَدَثاً قائِماً بِنَفسِه. ثُمَّ يُختَمُ بِـ«وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» ولم يُقَلْ «مَعَ الغالِبين»، فالمَعِيّةُ تُنسَبُ إلى الصَّبرِ في الآيةِ التي أنشَأَتِ الغَلَبةَ نَفسَها. انظُر tawq وjund وsabr وidhn.
  • ٣:١٢ ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾: البِناءُ لِلمَفعول. الجَديدُ: الجَذرُ يَنقَلِبُ من فِعلٍ وَقَعَ إلى حالٍ تُستَقبَل، ويُحذَفُ الفاعِلُ رَأساً فلا يُسَمّى مَن يُحيط. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُخاطَبُ فيه المَغلوبُ نَفسُه، ويُؤمَرُ النَّبيُّ بِإبلاغِه، فتَصيرُ الغَلَبةُ خَبَراً يُقالُ قَبلَ وُقوعِه لا نَتيجةً تُروى بَعدَه، وهذا عَكسُ مَوضِعِ الافتِتاحِ في الزَّمَنِ وفي جِهَةِ الخِطابِ مَعاً. وقِرانُها بِـ«وَتُحْشَرُونَ» يَجمَعُ مَبنِيَّينِ لِلمَفعولِ في نَفَسٍ واحِد، وهُما وَجهانِ لِلإحاطة: هذه تُطبِقُ من فَوقٍ وتِلكَ تَجمَعُ إلى مَوضِع. ويُختَمُ بِـ«وَبِئْسَ الْمِهَادُ»، والمِهادُ ما يُوَطَّأُ تَحت، فيَجتَمِعُ عليهِم أن يَكونوا تَحتَ شَيءٍ وأن يَكونَ تَحتَهُم بِئسَ ما يُفرَش. انظُر hashr وkufr وhawn.
  • ٣:١٦٠ ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: اسمُ الفاعِلِ مَنفيّاً بِنَفيِ الجِنس. الجَديدُ: يُسَمّى الفاعِلُ لِأوَّلِ مَرّةٍ ويُنفى في اللَّحظةِ نَفسِها، فلا يَبقى في المُسَجَّلِ غالِبٌ مُثبَتٌ لِأحَد. والشَّرطُ الذي عُلِّقَ عليه هذا النَّفيُ نَصرٌ لا عَدَدٌ ولا عُدّة، فتَخرُجُ المَسأَلةُ من بابِ المُوازَنةِ بَينَ طَرَفَينِ إلى بابِ ما يَرِدُ على أحَدِهِما من خارِجِهِما. وأوضَحُ ما في الآيةِ أنَّ قَسيمَ الشَّرطِ لم يُبنَ على هذا الجَذرِ أصلاً: لم يُقَلْ «وإن يَخذُلكُم فلَكُم غالِب» بَل «وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ»، فالمُقابَلةُ نَصرٌ وخِذلانٌ لا غَلَبةٌ ومَغلوبِيّة، والغَلَبةُ ظِلٌّ يَقَعُ عِندَ انقِطاعِ النَّصرِ لا طَرَفٌ يُقابِلُه. وجاءَتِ اللّامُ («لَكُم») ولم تَجِئِ «على»، فالمَنفيُّ مَن تَثبُتُ لَه هذه الإحاطةُ عليكُم لا مُجَرَّدُ وُقوعِها. ويُختَمُ بِـ«وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ»، فالعَمَلُ المُستَخلَصُ من نَفيِ الغالِبِ تَوَكُّلٌ لا استِعداد. انظُر nasr وtawakkul.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ tawq وjund في ٢:٢٤٩: الآيةُ تَضَعُ الدَّعوى والجَوابَ في

مِيزانَينِ مُختَلِفَين. الدَّعوى بِالطّاقةِ وهي حَلقةٌ لَها مُحيطٌ يُقاسُ ويُقابَلُ بِجُنودِ جالوت، والجَوابُ بِالغَلَبةِ وهي إحاطةٌ لا تُقاسُ بِعَدَد. فالرَّدُّ لَيسَ تَكذيباً لِلحِسابِ بَل إخراجاً لِلمَسأَلةِ من مِيزانِه.

  • مَعَ sabr وidhn في ٢:٢٤٩: الغَلَبةُ مُقَيَّدةٌ بِالإذنِ في

آخِرِ الجُملةِ ومَعقودةٌ بِالصَّبرِ في خِتامِ الآية، فأُحيطَ بِها من طَرَفَيها بِما لَيسَ منها. وهذا يُفَسِّرُ لِمَ لم تُذكَرْ بَعدَها في المُسَجَّلِ إلّا مَنفِيَّةً أو مَحذوفةَ الفاعِل.

  • مَعَ nasr في ٣:١٢ و٣:١٦٠: السّورةُ الواحِدةُ تَبني القِسمةَ على

مَرحَلَتَين. في ٣:١٢ غَلَبةٌ مَوعودةٌ بِلا فاعِلٍ مُسَمّى، وفي ٣:١٦٠ يُجعَلُ النَّصرُ شَرطاً لِنَفيِ الغالِب. فالسّورةُ تُخفي فاعِلَ الغَلَبةِ أوَّلاً ثُمَّ تَرُدُّ الأمرَ كُلَّه إلى فاعِلِ النَّصر. وnasr يُسَجِّلُ ٣:١٦٠ في مَواضِعِه، فالآيةُ مَقروءةٌ من الجِهَتَين.

  • مَعَ hawn في ٣:١٢ و٣:١٧٨: المَفهومانِ يَقرَآنِ طَرَفَي حَدَثٍ

واحِدٍ في سورةٍ واحِدةٍ وعلى مُخاطَبٍ واحِد. الأولى تُخبِرُ الذينَ كَفَروا بِما سَيَعلوهُم، والثّانِيَةُ تُخبِرُهُم بِما يَصيرونَ إليه: إحاطةٌ تَعلو، ثُمَّ خِفّةٌ تَحُلُّ مَحَلَّ الوَزن. ولا يَجتَمِعُ الجَذرانِ في آيةٍ واحِدةٍ في المُسَجَّلِ كُلِّه.

  • مَعَ quwwa في ٢:١٦٥ و٨٦:١٠: «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا»

تَحصُرُ العُدّةَ في مالِكٍ واحِد، و«فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ» تَنفيها عَنِ الإنسانِ بِالكُلِّيّة. وهذا المَفهومُ يُضيفُ البابَ الثّالِث: لا يُسَمّى غالِبٌ أصلاً. فالمُسَجَّلُ يَمنَعُ نِسبةَ العُدّةِ ونِسبةَ الإحاطةِ مَعاً، وهُما ما يُبنى عليه ادِّعاءُ الغَلَبةِ عادةً.

  • مَعَ qahr في ٩٣:٩: القَهرُ يُنهى عنه بَينَ البَشَرِ نَهياً

صَريحاً، والغَلَبةُ لا يَرِدُ فيها أمرٌ ولا نَهيٌ في المُسَجَّل. فالأوَّلُ فِعلٌ يُطلَبُ تَركُه، والثّاني حالٌ يُخبَرُ عنها. وهذا فارِقٌ عَمَليٌّ لا لَفظِيّ.

  • مَعَ dhilla في ٣:١٢٣: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ

وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ» تَضَعُ الذِّلّةَ حالاً لِلمَنصورينَ لا لِلمَغلوبين. فيَنكَشِفُ أنَّ ما يُظَنُّ عَلامةَ الغَلَبةِ (ذِلّةُ الحالِ وقِلّةُ العَدَد) لا يَدُلُّ عليها، وهو المَعنى نَفسُه الذي أنشَأَتهُ ٢:٢٤٩ من الجِهةِ المُقابِلة.

الإشكالات المَفتوحة

  • أقوى شاهِدٍ لُغَويٍّ على القِراءةِ خارِجَ المَنشور. «حَدائِقَ

غُلْباً» تَرِدُ في سورةٍ لم تُنشَر بَعد، فلَم يُبنَ عليها هُنا شَيء، وبُنِيَتِ القِراءةُ على «الغَلَب» في غِلَظِ الرَّقَبةِ و«الغَلْباء» في الحَديقةِ المُلتَفّةِ من كَلامِ العَرَب. ومَتى نُشِرَتِ السّورةُ وَجَبَ اختِبارُ الدَّعوى عليها، فإن صَحَّت ثَبَتَ لِلجَذرِ مَوضِعٌ قُرآنيٌّ لا خُصومةَ فيه أصلاً، وهو ما يَحسِمُ القِسمَ الأوَّلَ حَسماً لا يَحتاجُ مَعَه إلى المُعجَم.

  • اللّامُ في ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: أهي لِتَقوِيَةِ عَمَلِ اسمِ

الفاعِلِ فيَكونُ المَعنى «لا أحَدَ يَغلِبُكُم»، أم لِلاختِصاصِ فيَكونُ «لا غالِبَ تَثبُتُ لَه هذه الإحاطةُ عَلَيكُم»؟ الأوَّلُ أشهَرُ في الصِّناعة، والثّاني أقرَبُ إلى شِحنةِ الجَذرِ لِأنَّ الحَوزَ فيه مِلكٌ لِلمُحيطِ لا مُجَرَّدُ فِعل. والمَوضِعُ واحِدٌ ولا نَظيرَ لَه في المُسَجَّلِ يُقاسُ عليه. مَفتوح.

  • **امتِناعُ الفاعِلِ المُعَيَّنِ: حُكمٌ في الجَذرِ أم أثَرُ السُّوَرِ

المَنشورة؟** الاطِّرادُ تامٌّ في المُسَجَّلِ وبِثَلاثِ طُرُقٍ مُختَلِفة، وهذا أقوى مِمّا لَو تَكَرَّرَت صيغةٌ واحِدةٌ ثَلاثاً. لكنَّ ثَلاثةَ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عليها حُكمُ غِياب. وقد أُعيدَ المَسحُ بَعدَ نَشرِ الإسراءِ وطه على المُدَوَّنِ كُلِّه (سِتٌّ وثَلاثونَ سورةً، تِسعٌ وأربَعونَ ومِئةٌ وألفُ آية) فلَم يَزِدِ الجَذرُ مَوضِعاً واحِداً، فالمَواضِعُ ثَلاثةٌ كما كانَت والاطِّرادُ قائِم. ويُعادُ الاختِبارُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة.

  • غ-ل-ل وغ-ل-ب: نَواةٌ واحِدةٌ أم تَجاوُرٌ في الرَّسم؟ «وَمَن

يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» تَلي ٣:١٦٠ بِآيةٍ واحِدة، والغُلولُ إخفاءُ الشَّيءِ في الحَوز، وهو نَواةُ غَل بِعَينِها مَختومةً بِتَضعيفِ اللّامِ بَدَلَ الباء. ولَيسَ في المُسَجَّلِ ما يَحسِمُ الأمرَ، ولا يَتَوَقَّفُ على حَسمِه شَيءٌ في هذا المَفهوم. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن