البقرة · الآية 249

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

الجذر (ف ص ل): الفَصلُ بَدءُ الجِدِّ

وجَذرُ (ف ص ل) يَدُلُّ عَلى القَطعِ الذي يُفَرِّقُ بَينَ مُتَّصِلَين، و«فَصَلَ طالوتُ بِالجُنود» خُروجُه بِمَن بَقِيَ مِنَ المُلتَزِمينَ مَعَه مِن ساحةِ الكَلامِ إلى ساحةِ التَّنفيذ. والفَصلُ يَفضَحُ مَن كانَ يُماحِكُ بِالقَولِ دونَ أن يَلتَزِمَ بِالفِعل، والخُروجُ ذاتُه أوَّلُ تَصفيةٍ، وما بَعدَه تَصفياتٌ في تَصفية.

الجذر (ب ل و): الابتِلاءُ اختِبارُ إخراجِ المَكنونِ لا إيلامٌ

وأصلُ (ب ل و) استِخراجُ ما في باطِنِ الشَّيءِ بِالاختِبارِ، ومِنهُ «بَلِيَ الثَّوبُ» إذا أخلَقَ وظَهَرَ ما فيه مِن وَهَنٍ بَعدَ طُولِ استِعمالٍ. و«إنَّ اللهَ مُبتَليكُم» إخراجٌ لِما في القَلبِ تَحتَ ضَغطِ الظَّرف، والابتِلاءُ إظهارٌ وليسَ عُقوبةً، والنَّهرُ وَسيلةٌ لا المَعركةُ ذاتُها.

الجذر (ن ه ر) و(ش ر ب) و(ط ع م): تَدَرُّجُ الشَّهوةِ

وتُفَرِّقُ الآيةُ بَينَ ثَلاثِ دَرَجاتٍ مَعَ النَّهر: «شَرِبَ» (الارتِواء)، و«لَم يَطعَمهُ» (التَّرك الكامِل)، و«اغتَرَفَ غُرفةً بِيَدِه» (الوَسَط). وجَذرُ (ش ر ب) الارتِواءُ المُسرِف، و(ط ع م) أخذُ أدنى قَدرٍ بِالذَّوقِ لِتَنفِيَةِ الحاجَةِ دونَ الارتِواء، و(غ ر ف) أخذُ قَدرٍ بَسيطٍ بِيَدٍ واحِدَةٍ. والأمرُ الإلهيُّ يَسمَحُ بِالمُحَدَّدِ (الغُرفة) ويَمنَعُ المُفرِط، وهذا فِقهُ الضَّبطِ لا الحِرمان: يُؤخَذُ بِه ما يَقومُ بِالحاجةِ لا ما تَستَلِذُّه النَّفسُ.

الجذر (غ ر ف): المِقدارُ المَسموحُ حُدودُه اليَدُ

و«غُرفةً بِيَده» تَحديدٌ كَمِّيٌّ دَقيقٌ، وعُدِلَ فيه عَن «قَليلًا» (مَفهومٌ نِسبِيٌّ) وعَن «بِقَدرِ الحاجة» (مَفهومٌ شَخصِيٌّ) إلى «غُرفة» مَوزونةٍ بِسَعةِ كَفِّ اليَدِ. وهذا هو فِقهُ الضَّبطِ في السَّفَرِ والحَرب: حَدٌّ مَوضوعِيٌّ لا يَحتَمِلُ التَّأويل. والبِناءُ «مَنِ اغتَرَفَ» صيغةُ افتِعالٍ تُشيرُ إلى قَصدِ الفاعِلِ لِلضَّبط، لا إلى الصُّدفة.

الجذر (ج و ز) و(ط و ق): عَبرَ النَّهرَ ثُمَّ انكَسَرَ مَن عَبَرَ

و«جاوَزَه» مِن (ج و ز) تَخَطٍّ لِحاجِزٍ مادِّيٍّ، غَيرَ أنَّ العُبورَ الجَسَدِيَّ لا يُساوي النَّجاحَ في الامتِحان، والآيةُ تَفضَحُ أنَّ قَومًا عَبَروا النَّهرَ (فَنَجَحوا في تَصفيةِ الشَّهوة) لَكِنَّهم انكَسَروا أمامَ رُؤيةِ الجَيشِ (فَسَقَطوا في تَصفيةِ اليَقين). و«لا طاقةَ لَنا» مِن جَذرِ (ط و ق) يَدُلُّ عَلى تَجاوُزِ الشَّيءِ لِحَدِّ قُدرةِ الطَّوق، والطَّوقُ هُنا دُنيَوِيٌّ (كَثرةُ الخَصم)، وهذا مَوضِعُ الزَّلَل.

الجذر (ظ ن ن) و(ل ق ي): الظَّنُّ هُنا يَقينٌ لا تَرَدُّد

و«يَظُنّونَ أنَّهُم مُلاقو الله» يَستَعمِلُ (ظ ن ن) بِمَعنى اليَقينِ الرّاسِخ، و(ظ ن ن) في العَرَبِيّةِ يَحتَمِلُ الشَّكَّ واليَقين، وقَرينةُ السِّياقِ هُنا لِليَقين. والفَرقُ بَينَ مَن «قالَ لا طاقةَ لَنا» ومَن رَدَّ عَلَيه فَرقٌ في مَرجِعِيّةِ الحِساب، وليسَ في العَدَدِ ولا في الشَّجاعة: الأوَّلُ يَحسِبُ بِجَيشِ العَدُوِّ، والثّاني يَحسِبُ بِلَحظةِ اللِّقاءِ الإلهيِّ الأُخرَويِّ الذي يَجعَلُ مَوازينَ الدُّنيا أخَفَّ.

الجذر (ف أ ي) و(غ ل ب) و(أ ذ ن): «كَم مِن فِئةٍ قَليلةٍ»

و«فِئة» مِن (ف أ ي) جَماعةٌ مُجتَمِعةٌ لِغَرَضٍ، و(غ ل ب) الانتِصارُ بِقُوَّةٍ في مُقابِلٍ، و(أ ذ ن) الإعلانُ بِالسَّماحِ. والجُملةُ «كَم مِن فِئةٍ قَليلةٍ غَلَبَت فِئةً كَثيرةً بِإذنِ الله» مَبدأٌ كَونِيٌّ يَكسِرُ مُعادَلةَ العَدَد، والإذنُ هو ما يُؤَذِّنُ لِلغَلَبَةِ أن تَقَعَ. وليسَ كُلُّ قَليلٍ يَغلِبُ، لَكِنَّ كُلَّ غَلَبةِ قَليلٍ لِكَثيرٍ لا تَحدُثُ إلّا بِإذنٍ إلهيٍّ، والصَّبرُ هو الشَّرطُ البَشَريُّ المُقابِلُ: «واللهُ مَعَ الصّابِرين».

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فَدَورُ ضَبطِ الشَّهوةِ عِندَ النَّهرِ يَسبِقُ دَورَ حَملِ السِّلاح، ودَورُ يَقينِ لِقاءِ اللهِ يَسبِقُ دَورَ عَدِّ الجُنودِ في الحَرب.


حَصيلة

ثَلاثُ تَصفياتٍ مُتَعاقِبةٌ في آيةٍ واحِدة. الأولى «فَصَلَ طالوتُ بِالجُنود» مِن (ف-ص-ل)، وهو قَطعٌ يَنتَقِلُ مِن ساحةِ الكَلامِ إلى ساحةِ التَّنفيذ، فَالخُروجُ ذاتُه أوَّلُ تَصفية. والثّانية عِندَ النَّهَرِ، مِن (ن-ه-ر)، وهو جَريانٌ ظاهِرٌ مُستَمِرٌّ، وأداةُ الابتِلاءِ مِن (ب-ل-و): إخراجُ ما في باطِنِ النَّفسِ بِضَغطِ الظَّرف لا إيلامٌ. وتُمَيِّزُ الآيةُ ثَلاثَ دَرَجاتٍ: «شَرِبَ» (ش-ر-ب) ارتِواءٌ مُسرِف، و«لَم يَطعَمهُ» (ط-ع-م) تَركٌ كامِل، و«اغتَرَفَ غُرفةً بِيَدِه» (غ-ر-ف) قَدرٌ مَضبوطٌ بِسَعةِ الكَفِّ، وهو حَدٌّ مَوضوعِيٌّ لا يَحتَمِلُ التَّأويل، يُؤخَذُ بِه ما يَقومُ بِالحاجةِ لا ما تَستَلِذُّه النَّفس. فَشَرِبَ أكثَرُهم وتَساقَطوا. والثّالثة بَعدَ عُبورِ النَّهرِ مِن (ج-و-ز)، والعُبورُ الجَسَديُّ لا يَعني اجتِيازَ الامتِحانِ كُلِّه، و«لا طاقةَ لَنا» مِن (ط-و-ق) حِسابٌ بِالمَقاييسِ الدُّنيَويَّة. وجاءَ الجَوابُ مِن «الَّذينَ يَظُنّونَ أنَّهُم مُلاقو الله»، و(ظ-ن-ن) هُنا يَقينٌ راسِخٌ بِحَسَبِ السِّياق، فَمَن جَعَلَ لِقاءَ اللهِ مَرجِعَ حِسابِه خَفَّت عِندَه مَوازينُ الدُّنيا: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. والإذنُ مِن (أ-ذ-ن) هو ما يُؤَذِّنُ لِلغَلَبةِ أن تَقَع، والشَّرطُ البَشَريُّ المُقابِلُ هو الصَّبرُ: «واللهُ مَعَ الصّابِرين».