الهَون

hawn جذر · هـ-و-ن 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**خِفّةٌ تَستَقِرُّ في الشَّيءِ فتَظهَرُ عَلَيه**. لَيسَتِ الإهانةُ في الجَذرِ كَسراً بِقُوّةٍ ولا إخضاعاً بِغَلَبة، بَل **تَفريغاً من الوَزن**. ومن هُنا أعطى الجَذرُ الواحِدُ مَمدوحاً ومَذموماً لا يَفرُقُ بَينَهُما إلّا حَرَكةُ الفاء: **الهَون** خِفّةُ الوَطءِ ورِفقُ المَشي، و**الهُون** سُقوطُ القَدر. أن تَخِفَّ وَطأَتُكَ حَمد، وأن يَخِفَّ وَزنُكَ ذَمّ، والنَّقصُ في الحالَينِ واحِد.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ه: مَجرىً يَنفَتِحُ كُلُّه خالِياً، يَجري فيه النَّفَسُ من الجَوفِ

جَرَياناً مُتَّصِلاً مَهموساً، ثُمَّ يَخفُتُ مُتَلاشِياً. شِحنَتُه: خَلاءٌ يَجري فيَرِقُّ ويَخفُت.

  • و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَسِ من

غَيرِ سَدّ، فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً، ثُمَّ تَنفَرِجُ الحَلقةُ فتُفضي بِه إلى ما يَليه. شِحنَتُه: إحاطةٌ تَحتَوي ثُمَّ تُفضي.

  • ن: انطِباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ في الجَوفِ

فيَمتَلِئُ رَنيناً لَطيفاً، ويَنفُذُ في الآنِ نَفسِه من مَنفَذِ الأنفِ الضَّيِّقِ نَفاذاً مُتَّصِلاً لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: احتِباسٌ جَوفيٌّ يَنبَعِثُ لَطيفاً إلى الظّاهِر.

النَّواةُ هَو (ه + و) = خَلاءٌ تُحيطُ بِه حَلقة: فَراغٌ لا يَتَبَدَّدُ ولا يَنتَشِر، بَل يُحتَوى فيَصيرُ شَيئاً يُحمَلُ ويُنقَل. والإغلاقُ بِـن يَحبِسُ هذا الخَلاءَ في جَوفٍ ويَبعَثُه إلى الظّاهِرِ رَنيناً لَطيفاً، فلا يَبقى فَراغاً في نَفسِه بَل يَصيرُ حالاً تُعرَفُ من صاحِبِها. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: خِفّةٌ تَستَقِرُّ في الشَّيءِ فتَظهَرُ عَلَيه.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • هانَ الأمرُ يَهونُ: خَفَّ ولم يَثقُل. وأهوَنُ: أخَفّ.

والهَيِّن: ما لا مَؤونةَ فيه.

  • الهَون بِفَتحِ الهاء: الرِّفقُ والسَّكينةُ وخِفّةُ الوَطء.
  • الهُون بِضَمِّها: سُقوطُ القَدرِ وذَهابُ المَنزِلة.
  • أهانَه: صَيَّرَه خَفيفاً لا وَزنَ لَه. واستَهانَ بِه:

عَدَّهُ خَفيفاً.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ هـ-و-ن: نُقصانُ وَزنٍ يَستَقِرُّ فيَظهَر.

وما تَدفَعُه هذه القِراءةُ ولا يُعطيهِ ظاهِرُ اللَّفظ:

  • تُفَسِّرُ الوَجهَينِ المُتَعاكِسَينِ في المادّةِ الواحِدة. لا

تَستَقيمُ على مَعنى القَهرِ ولا الكَسرِ أن يَكونَ «هَوناً» في المَشيِ فَضيلةً و«الهُونُ» في المَنزِلةِ رَذيلة، ويَستَقيمُ ذلك على مَعنى الخِفّةِ استِقامةً تامّة. فالشِّحنةُ واحِدة، والمَحمودُ منها والمَذمومُ يَختَلِفانِ بِما نَقَصَ وَزنُه لا بِالنَّقصِ نَفسِه.

  • **وتُفَسِّرُ لِمَ جازَ أن يَكونَ الفاعِلُ في المُسَجَّلِ هو العَذابَ

نَفسَه**. «عَذابٌ مُهين» يَجعَلُ العَذابَ فاعِلَ الإهانة، وهذا لا يَستَقيمُ على مَعنى الإذلالِ لِأنَّ الإذلالَ يَقتَضي قاصِداً. أمّا نُقصانُ الوَزنِ فيَقَعُ بِما لا إرادةَ لَه: ما يُنقِصُ الثِّقلَ لا يَلزَمُ أن يَكونَ ذا قَصد.

  • **وتُفَسِّرُ اقتِصارَ المُسَجَّلِ على وَصفِ العَذابِ دونَ وَصفِ

المُعَذَّب**. لَيسَ في السُّوَرِ المَنشورةِ «مُهان» ولا «هَوان» خَبَراً عن أحَد، وإنَّما الوَصفُ لِلواقِعِ لا لِلواقِعِ عَلَيه. والخِفّةُ حالٌ تُقرَأُ من جِهَةِ ما أزالَ الوَزنَ لا من جِهَةِ مَن زالَ وَزنُه.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

ثَلاثةُ مَواضِعَ في المُسَجَّل، وصيغَتانِ لا ثالِثَ لَهُما:

  • مُهِينٌ ومُّهِينٌ (اسمُ فاعِلٍ من «أَهانَ» على أَفعَل، نَكِرةً

مَرفوعةً نَعتاً لِـ«عَذاب»): مَوضِعان، وهُما الوَجهُ الغالِب. ويُكتَبُ في ٢:٩٠ بِميمٍ خَفيفةٍ وفي ٣:١٧٨ بِميمٍ مُشَدَّدةٍ لِإدغامِ التَّنوينِ الذي قَبلَها، فهُما رَسمانِ لِكَلِمةٍ واحِدة. والمَوصوفُ بِهِما في المَوضِعَينِ العَذابُ لا الإنسان.

  • أَهَانَنِ (ماضٍ على أَفعَل، ومَعَه نونُ الوِقايةِ وقد حُذِفَت

ياءُ المُتَكَلِّمِ رَسماً): مَوضِعٌ واحِد، وهو الوَجهُ الوَحيدُ الذي يُسَمّى فيه الفاعِل، وهو في مَقولِ قَولِ إنسانٍ لا في خَبَرٍ عَنِ اللهِ بِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصّيغَتَينِ (نُقصانُ

وَزنٍ يَظهَر)، ووَزنُ أَفعَل يُخرِجُها عن أن تَقومَ بِصاحِبِها

فيَجعَلُها واقِعةً على غَيرِه: لا يَرِدُ في المُسَجَّلِ «هانَ فُلان»

بَل «أهانَني» و«عَذابٌ مُهين». ولَيسَ فيه من الجَذرِ اسمُ مَفعولٍ ولا

مَصدَرٌ ولا الوَجهُ المَحمودُ الذي في «الهَون» و«الهَيِّن»، فالمَنشورُ

لا يَحمِلُ من المادّةِ إلّا جِهةَ الإيقاعِ وَحدَها. وهذا غِيابٌ

مُطَّرِدٌ في ثَلاثةٍ من ثَلاثة، وهو قَليلٌ يُذكَرُ ولا يُبنى عليه.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • dhilla (الذِّلّة، ذ-ل-ل): مَفهومُها يَفتَتِحُ بِأنَّها «هَوانٌ

يَنفُذُ إلى النَّفسِ ويَلتَصِقُ بِها لا يَنفَكّ»، فالهَوانُ عِندَه الجِنسُ والالتِصاقُ هو الفَصل، وهذا المَفهومُ يُحَقِّقُ الجِنس. والفَرقُ أنَّ الذِّلّةَ نَفاذٌ حادٌّ يُقيمُ في مَحَلِّه، والهَونَ نُقصانُ وَزنٍ لا مَحَلَّ لَه يُقيمُ فيه. والمُسَجَّلُ يُوافِق: الذِّلّةُ جاءَت «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ» مَضروبةً عَلَيهِم كما تُضرَبُ الخِيام، والهَونُ لم يُضرَبْ على أحَدٍ قَطّ، وإنَّما وُصِفَ بِه العَذابُ نَفسُه.

  • maskana (المَسكَنة، س-ك-ن): تُشِلُّ الحَرَكة. والفَرقُ في

المَسلوب: المَسكَنةُ تَسلُبُ الحَرَكةَ ويَبقى الوَزن، والهَونُ يَسلُبُ الوَزنَ وتَبقى الحَرَكة. ولِذلك اقتَرَنَتِ المَسكَنةُ بِالذِّلّةِ في مَوضِعٍ واحِدٍ ولم يَقتَرِنْ بِهِما الهَونُ في المُسَجَّلِ مَرّةً.

  • khizy (الخِزي، خ-ز-ي): خَواءٌ في الباطِنِ يُدفَعُ إلى الظّاهِرِ

فيَمتَدُّ في العُيون. والجَذرانِ يَشتَرِكانِ في الخَواءِ ويَفتَرِقانِ في اشتِراطِ النّاظِر: الخِزيُ يَطلُبُ مَوضِعاً فيه مَن يَرى، والهَونُ يَتِمُّ وإن لم يَرَهُ أحَد، لِأنَّ نُقصانَ الوَزنِ حالٌ في الشَّيءِ لا عَرضٌ يُعرَض. ولِذلك قُسِمَ لِلخِزيِ في المُدَوَّنِ ظَرفٌ يُذكَر، ولم يُقسَمْ لِلهَونِ ظَرفٌ في المُسَجَّلِ أصلاً.

  • qahr (القَهر، ق-ه-ر): غَلَبةٌ حاسِمةٌ تُلغي إرادةَ المَغلوب.

والفَرقُ أنَّ القَهرَ يَمَسُّ الإرادةَ ويُبقي القَدر، والهَونَ يَمَسُّ القَدرَ ولا تُذكَرُ مَعَه إرادة.

  • ghalaba (الغَلَبة، غ-ل-ب): إحاطةٌ كَثيفةٌ تَعلو فتَحوز. وهُما

طَرَفا حَدَثٍ واحِد: الغَلَبةُ ما يَنزِلُ بِالمَحَلِّ من فَوقِه، والهَونُ ما يَصيرُ إليه المَحَلُّ في نَفسِه. والفَرقُ العَمَليُّ أنَّ الغَلَبةَ تَقتَضي طَرَفَينِ والهَونَ لا يَقتَضي إلّا واحِداً، ولِذلك صَحَّ أن يُنسَبَ الهَونُ إلى عَذابٍ لا فاعِلَ مَعَه ولم يَصِحَّ ذلك في الغَلَبة.

  • hawa (الهَوى، هـ-و-ي): يُشارِكُه في النَّواةِ هَو ويُفارِقُه

في الخاتِمة. الهَوى يُختَمُ بِـي فيَنسابُ الخَلاءُ مُطلَقاً بِلا حابِس، فيَكونُ سُقوطاً في الحَرَكة، والهَونُ يُختَمُ بِـن فيَحتَبِسُ الخَلاءُ جَوفاً، فيَكونُ خِفّةً في الوَزن. فذاكَ يَنحَدِرُ بِصاحِبِه وهذا يُخِفُّه في مَوضِعِه.

  • ikram وakram (ك-ر-م): المُقابَلةُ مَنصوصةٌ في ٨٩:١٥

و٨٩:١٦، والكَرَمُ في مَفهومِه شَرَفٌ يَتَجَمَّعُ ويَنضَغِطُ في الذّاتِ حتّى يَفيض. فالمُقابِلُ لِلجَمعِ والامتِلاءِ خَواءٌ وخِفّة، وهي مُقابَلةٌ في الوَزنِ لا في القُوّة، وهذا ما يَجعَلُ اللَّفظَينِ يَستَقيمانِ في نَسَقٍ واحِدٍ على لِسانٍ واحِد.

  • و-ه-ن: لا مَفهومَ لَه في المُدَوَّنِ بَعد، وحُروفُه حُروفُ هذا

الجَذرِ مَقلوبة. والمُسَجَّلُ يَفصِلُ بَينَهُما فَصلاً تامّاً: الوَهنُ ضَعفٌ يَقَعُ بِصاحِبِه من نَفسِه فيُنهى عنه المُؤمِنونَ («وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ») ويُنفى عَنِ الرِّبِّيّينَ («فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا»)، والهَونُ يَقَعُ بِالمَرءِ من غَيرِه فيُوصَفُ بِه عَذابُ الكافِرين. والمَواضِعُ الثَّلاثةُ في سورةٍ واحِدة، ولا يَلتَقي الجَذرانِ في مَوصوفٍ واحِدٍ مَرّةً. ومَتى كُتِبَ مَفهومُ و-ه-ن وَجَبَ تَحقيقُ هذا الفَصلِ المُعلَنِ هُنا.

المَواضع: مَواقعُ الهَونِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٩٠ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ نَعتاً لِلعَذابِ لا خَبَراً عن إنسان، فالمَوصوفُ بِالإهانةِ هو الواقِعُ لا الواقِعُ عَلَيه، ويُوصَفُ بِها فاعِلاً («مُهين») لا مَفعولاً. والمَوصوفونَ جِنسٌ («لِلكافِرين») لا أشخاصٌ مُعَيَّنون، فالحُكمُ يَلحَقُ الوَصفَ لا الأعيان. وما قَبلَها في الآيةِ نَفسِها يُقيمُ المِيزانَ الذي يُقرَأُ بِه الجَذر: «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ»، فقد جَعَلوا أنفُسَهُم ثَمَناً، أي أخرَجوها من مَوضِعِ ما يوزَنُ إلى مَوضِعِ ما يُدفَع. ثُمَّ «فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ»، وهو حَملٌ مُضاعَف، فيَجتَمِعُ في الآيةِ ثِقَلٌ يُحمَلُ وخِفّةٌ تُنالُ بِه. والمُوجِبُ مَنصوصٌ: «بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ»، فمَن ضاقَ بِأن يُرفَعَ قَدرُ غَيرِه لَقِيَ ما يُنقِصُ قَدرَه هو، والجَزاءُ من جِنسِ البَغيِ في المِيزانِ نَفسِه. انظُر 3adhab وbagy وghadab وkufr.
  • ٣:١٧٨ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: العِبارةُ تُعادُ بِلَفظِها فيُنظَرُ إلى ما تَبَدَّلَ حَولَها. الجَديدُ: المُصحَفُ يَضَعُ في الآيةِ التي قَبلَها «وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» ثُمَّ يَضَعُ هُنا «وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ»، فتَجتَمِعُ الصِّفَتانِ في نَسَقٍ واحِدٍ على مَسافةِ آيةٍ واحِدة، وهذا أضبَطُ شاهِدٍ في المُسَجَّلِ على أنَّ اختِلافَهُما مَقصود: «أليم» يَصِفُ العَذابَ في نَفسِه، و«مُهين» يَصِفُ ما يَفعَلُه بِمَن هو عَلَيه. فالوَصفُ الأوَّلُ يُضيفُ إلى العَذابِ والثّاني يَطرَحُ من صاحِبِه. والمُوجِبانِ مُختَلِفانِ كَذلك: الأليمُ لِمَنِ اشتَرى الكُفرَ بِالإيمانِ صَفقةً تَمَّت، والمُهينُ لِمَن حَسِبَ الإمهالَ خَيراً لَه، «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا». فالإهانةُ هُنا مُعَلَّقةٌ بِقِراءةٍ خاطِئةٍ لِلنِّعمة: حُسِبَ الإمهالُ رَفعاً في القَدرِ فكانَ زِيادةً في الوِزر. انظُر 3adhab وimla2 وithm.
  • ٨٩:١٦ ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: الجَذرُ يُنسَبُ إلى اللهِ لِأوَّلِ مَرّةٍ وآخِرِها. الجَديدُ: النِّسبةُ واقِعةٌ في مَقولِ قَولٍ لا في خَبَرِ الوَحي، وقائِلُها «الإنسان» على إطلاقِه، والفِعلُ مُسنَدٌ إلى «رَبِّي» بِياءِ الإضافةِ لا إلى لَفظِ الجَلالة، فهي نِسبةٌ يَقولُها العَبدُ عن رَبِّه لا يُخبِرُ بِها الرَّبُّ عن نَفسِه. والمُوجِبُ الذي بَنى عَلَيه قَولَه «فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ»، وهو تَضييقٌ بِمِقدارٍ لا سَلبٌ ولا مَنع، فسَمّى التَّقديرَ إهانةً، وهذه تَسمِيةُ الجازِعِ لا تَسمِيةُ الآية. وقَرينةُ ذلك في الشَّطرِ الأوَّلِ من المُقابَلةِ في ٨٩:١٥: «فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» بِالبِناءِ نَفسِه ونونِ الوِقايةِ نَفسِها وحَذفِ الياءِ نَفسِه، فالرَّجُلُ يَبني مِن رِزقِه مِيزاناً ذا كِفَّتَينِ ويَزِنُ بِه رَبَّه. والجَذرُ يُطابِقُ هذا تَمامَ المُطابَقة: الإهانةُ نُقصانُ وَزن، فمَن جَعَلَ الرِّزقَ هو المِيزانَ لَزِمَه أن يَقرَأَ ضيقَه نُقصاناً في قَدرِه هو. وما بَعدَ هذا المَوضِعِ يَرُدُّ عَلَيه، ومَوضِعُ ذلك القِسمِ الخامِس. انظُر ikram وrizq وbala وinsan.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ 3adhab في ٢:٩٠ و٣:١٧٨: العَذابُ يُوصَفُ في المُسَجَّلِ

نَكِرةً بِأربَعةِ أوصافٍ لا خامِسَ لَها: عَظيمٌ وأليمٌ وشَديدٌ ومُهين. (وفي التَّعريفِ وَصفٌ واحِدٌ زائِدٌ عَلَيها، ﴿الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ في ٨٨:٢٤، وهو من بابِ القَدرِ كَـ«عَظيم» لا من بابٍ خامِس.) والثَّلاثةُ الأُوَلُ تَصِفُ العَذابَ في نَفسِه (قَدراً وألَماً وإحكاماً) والرّابِعُ وَحدَه يَصِفُ ما يَفعَلُه بِمَن هو عَلَيه. وهو أيضاً الوَحيدُ الذي يَطرَحُ بَدَلَ أن يُضيف. و3adhab يُسَجِّلُ الثَّلاثةَ الأُوَلَ في صِيَغِه ولا يُسَجِّلُ الرّابِع، فهذا المَفهومُ يُكمِلُ القِسمةَ من الجِهةِ التي تَخُصُّه.

  • مَعَ ikram في ٨٩:١٥ إلى ٨٩:١٧: النَّظمُ واحِدٌ في الشَّطرَينِ

(«فَأَمَّا... فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» ثُمَّ «وَأَمَّا... فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ») وكِلاهُما مَقولُ قَولِ الإنسانِ لا خَبَرُ الوَحي. ثُمَّ يَجيءُ «كَلَّا» فيَرُدُّهُما مَعاً، وهذا هو مَوضِعُ الجَوابِ عن سُؤالِ المَفهوم: هَل يُقِرُّ المُصحَفُ نِسبةَ الإهانةِ إلى اللهِ؟ لا يُقِرُّها، ولا يُنازِعُ فيها كَذلك. فلَم يُقَلْ «ما أهانَك»، بَل قيلَ «بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ»، فنُقِلَ الوَزنُ كُلُّه من مِيزانِ الرِّزقِ إلى مِيزانِ العَمَل، وصارَ المَردودُ طَريقةَ القِياسِ لا أحَدَ طَرَفَيها. ومِن هُنا يُقرَأُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ كُلِّه: الإهانةُ الثّابِتةُ فيه وَصفٌ لِلعَذاب، والإهانةُ المُدَّعاةُ عَلَيه سُبحانَه قَولُ إنسانٍ مَردود.

  • مَعَ ghalaba في ٣:١٢ و٣:١٧٨: سورةٌ واحِدةٌ ومُخاطَبٌ واحِد

(«الَّذِينَ كَفَرُوا»). في الأولى يُخبَرونَ بِما سَيَعلوهُم («سَتُغْلَبُونَ»، إحاطةٌ تُطبِقُ من فَوق)، وفي الثّانِيَةِ يُخبَرونَ بِما يَصيرونَ إليه («عَذَابٌ مُّهِينٌ»، خِفّةٌ تَحُلُّ مَحَلَّ الوَزن). فالمَفهومانِ طَرَفا حَدَثٍ واحِد، ولا يَجتَمِعُ الجَذرانِ في آيةٍ واحِدةٍ في المُسَجَّلِ كُلِّه.

  • مَعَ dhilla وmaskana في ٢:٦١: المَوضِعُ يَجمَعُ الجَذرَينِ

الآخَرَينِ ولا يَذكُرُ هذا. وهو مُفيدٌ بِالسَّلب: حينَ أرادَ المُصحَفُ حالاً تُضرَبُ على قَومٍ فتَثبُتُ فيهِم، لم يَستَعمِلْ هذا الجَذرَ بَل جَذرَي اللُّصوقِ والسُّكون. فالهَونُ لا يُثَبَّتُ على أحَد، وإنَّما يُوصَفُ بِه ما يَقَعُ بِه.

  • مَعَ imla2 في ٣:١٧٨: الإملاءُ في مَفهومِه مَدُّ الزَّمَنِ

وإمهالٌ يَنتَشِرُ شَيئاً بَعدَ شَيء. والآيةُ تَجعَلُ هذا المَدَّ نَفسَه مُوجِبَ الإهانة، فيَلتَقي مَدٌّ في الزَّمَنِ بِنَقصٍ في الوَزن. وهذا يُبَيِّنُ أنَّ الهَونَ لا يَحتاجُ إلى فِعلٍ شَديدٍ يُنشِئُه: يَكفي أن يُترَكَ صاحِبُه يَزيد.

  • مَعَ rizq وbala في ٨٩:١٦: الابتِلاءُ واحِدٌ في الشَّطرَينِ

(«إِذَا مَا ابْتَلَاهُ» في كِلَيهِما) والرِّزقُ هو المُتَبَدِّل. فالآيةُ تَعرِضُ رَجُلاً يَقيسُ قَدرَه عِندَ رَبِّه بِمِقدارِ ما يُبسَطُ لَه، وهو قِياسٌ يَجعَلُ البَلاءَ الواحِدَ حُكمَينِ مُتَناقِضَين. وهذا المَفهومُ يُبَيِّنُ لِمَ اختيرَ هذا الجَذرُ بِعَينِه في مَقولِ قَولِه: الرِّزقُ يوزَن، والإهانةُ نُقصانُ وَزن، فالخَطَأُ في المِيزانِ لا في اللَّفظ.

الإشكالات المَفتوحة

  • الوَجهُ المَحمودُ من المادّةِ غائِبٌ عَنِ المَنشورِ كُلِّه.

«الهَون» في خِفّةِ الوَطءِ و«الهَيِّن» فيما لا مَؤونةَ فيه لا يَرِدُ منهُما شَيءٌ في السُّوَرِ السِّتِّ والثَّلاثين، فالمَفهومُ يَقرَأُ جِهةً واحِدةً من جِهَتَين. وهذا في نَفسِه مُعطىً لا يُهمَل: مادّةٌ ذاتُ وَجهَينِ لم يَظهَر منها في المَنشورِ إلّا وَجهُ الإيقاع. أهُوَ حُكمٌ أم أثَرُ السُّوَرِ التي نُشِرَت؟ ثَلاثةُ مَواضِعَ أقَلُّ من أن تَحسِم. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة.

  • «مُهين»: أفاعِلٌ حَقيقةً أم وَصفٌ بِالأثَر؟ على الأوَّلِ يَكونُ

العَذابُ هو الذي يُنقِصُ الوَزن، وعلى الثّاني يَكونُ الوَصفُ لِلعاقِبةِ لا لِلفِعل. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ لا تَحتاجُ الإهانةُ إلى قاصِدٍ أصلاً وهو ما تَقتَضيهِ قِراءةُ الجَذرِ هُنا، وعلى الثّاني يَبقى القاصِدُ مُضمَراً. والمَوضِعانِ لا يَحسِمان. مَفتوح.

  • مَدى «كَلَّا» في ٨٩:١٧: أتَرُدُّ الشَّطرَينِ أم الثّاني وَحدَه؟

القِراءةُ هُنا تَحمِلُها على الاثنَينِ، لِأنَّ الجَوابَ الذي بَعدَها لا يُصَحِّحُ حُكمَ أحَدِ الشَّطرَينِ بَل يَنقُلُ المِيزانَ كُلَّه إلى العَمَل، ولِأنَّ النَّظمَ واحِدٌ فيهِما فيَبعُدُ رَدُّ أحَدِهِما وإقرارُ الآخَر. ولَو حُمِلَت على الثّاني وَحدَه لَبَقِيَ حُكمُ هذا المَفهومِ قائِماً (النِّسبةُ مَقولُ قَولٍ مَردود) ولَسَقَطَ ما زِيدَ عَلَيه من أنَّ المَردودَ طَريقةُ القِياس. أُعلِنَ التَّرجيحُ وتُرِكَ الأمرُ مَفتوحاً.

  • هَل هـ-و-ن وو-هـ-ن أصلٌ واحِدٌ اختَلَفَ تَرتيبُ حُروفِه؟

المَعنَيانِ مُتَقارِبانِ (خِفّةٌ وضَعف) والحُروفُ هي هي، والمُسَجَّلُ يَفصِلُ بَينَهُما فَصلاً عَمَلِيّاً تامّاً في جِهَةِ الفاعِلِ والمَوصوف. ولا يُوجَدُ في السُّوَرِ المَنشورةِ ما يَحسِمُ أهُوَ اشتِقاقٌ واحِدٌ أم أصلانِ. مَفتوح، ولا يَتَوَقَّفُ عليه شَيءٌ في هذا المَفهوم.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن