آل عمران · الآية 160

﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

«إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ»: النَّصرُ من اللهِ يُغلِقُ بابَ الغَلَبة

«إن» تَفتحُ شرطاً فعلُه المضارعُ «ينصركم». والنصرُ من ن-ص-ر، وأصلُه احتواءٌ جوفيٌّ يَدخُلُ إطباقاً صُلباً ثمّ يَجري نافذاً، فيَحمِلُ عَوناً يَجمعُ القوّةَ ويُطلِقُها إلى صاحبِها. وضميرُ المخاطَبينَ مفعولٌ، واسمُ الله فاعلٌ مؤخّرٌ مصرَّحٌ به، فلا يُنسَبُ النصرُ في هذه الجملةِ إلى تدبيرِهم أو عددِهم. والمضارعُ يَفتحُ إمكانَ تجدّدِ العَون، والشرطُ يَربطُ به جواباً قاطعاً، فتَقومُ العبارةُ على طرفَينِ اثنَين: مَن يَنصُر، ومَن يُنصَر، ويُعَلَّقُ ما بعدَها على الأوّلِ وحدَه.

«فَلَا غَالِبَ لَكُمْ»: الجوابُ يَنفي جنسَ الغلبة

والفاءُ تَصلُ جوابَ الشرط، و«لا» النافيةُ للجنسِ داخلةٌ على «غالب». والغلبةُ من غ-ل-ب، ومعناها غَورٌ يَتعلّقُ ويتَّصلُ ثمّ يَثبُتُ على المَغلوب، فيَحمِلُ استيلاءً يَعلو قوّةً أخرى. و«غالب» اسمُ فاعلٍ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الغلبة، غيرَ أنّ النفيَ يَستغرقُ كلَّ حاملٍ محتملٍ لها، واللامُ في «لكم» تَربِطُ انعدامَ الغالبِ بالمخاطَبينَ عندَ تحقّقِ الشرط. وقوّةُ الجوابِ باقيةٌ معلَّقةً بنصرِ الله في صدرِه، ولا يَعني الجوابُ أنّهم صاروا مصدرَ العَون.

«وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ»: الخِذلانُ يَكشِفُ فَراغَ ما بَعدَه

وعُطِفَ بالواوِ شرطٌ مقابل: إن يخذلْكم. والخذلانُ من خ-ذ-ل، وأصلُه اختراقٌ يَنفُذُ متّصلاً ثمّ يَتعلّقُ بالمَخذولِ مع تركِ العَون، فيَحمِلُ انقطاعَ الإسناد. وجوابُه استفهامٌ: فمن ذا الذي ينصركم، واجتماعُ «مَن» و«ذا» والموصولِ يَطلبُ فاعلاً لا يُقدِّمُه النصّ، ثمّ يَعودُ فعلُ النصرِ بالمضارع. و«من بعده» تَجعلُ الضميرَ عائداً إلى الله، وتُغلقُ جهةَ العَونِ بعدَ خذلانِه. والسؤالُ نفسُه هو الجواب: صيغةُ «من ذا الذي» تَطلبُ مَن يَقومُ بالفعل، فيَبقى الموضعُ خالياً في اللفظ، ويُقرأُ الفراغُ من بِنيةِ السؤالِ دونَ خبرٍ يُزادُ عليه.

«وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ»: الاعتِمادُ يَتَّجِهُ إلى الله

والواوُ تَستأنفُ الخاتمة، وقُدِّمَ فيها «على الله» على الفعل، فصارت جهةُ الاعتمادِ بؤرةَ الأمر. والفاءُ تَربِطُ النتيجةَ بالشرطين، ولامُ الأمرِ داخلةٌ على «يتوكّل»، والتوكّلُ من و-ك-ل، ومعناه عقدٌ يَدخُلُ امتساكاً ثمّ يَتعلّقُ بجهة، وصيغةُ التفعّلِ تُدخِلُ صاحبَها عامداً في الاعتماد. والفاعلُ «المؤمنون» اسمُ فاعلٍ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الإيمان. وتَقديمُ «على الله» على فعلِ الأمرِ يَجعلُ الجملةَ حاسمةً في الجهةِ التي يَتعلّقُ بها الاعتماد، وهي جهةٌ واحدةٌ سبقَ الشرطانِ إلى تعيينِها.


حَصيلة

تَبني الآيةُ شرطينِ متقابلينِ حولَ فاعلٍ واحد: إن يَنصرِ اللهُ المخاطَبينَ فلا غالبَ لهم، والنفيُ يَستغرقُ جنسَ الغالب، وإن يَخذلْهم يَأتِ السؤالُ فلا يَجدُ ناصراً بعدَه. والجملتانِ معاً تَكشفانِ تَبَعيّةَ الغَلَبةِ للعَون: موضعُ الغالبِ يَخلو حينَ يَحضُرُ النصر، وموضعُ الناصرِ يَخلو حينَ يَقعُ الخِذلان، ولذلك تُقدَّمُ جهةُ الاعتمادِ في الخاتمة: على الله، ثمّ يُؤمَرُ المؤمنونَ بالتوكّلِ بوصفِه طبيعةً فاعلةً مستمرّةً متعلّقةً به وحدَه.