آل عمران · الآية 12

﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا»: خِطابٌ يَبلُغُ أصحابَ الفِعل

تَبدأُ الآيةُ بأمرِ القول: «قُل»، فالمَضمونُ الذي يَليه قَولٌ مُوَجَّهٌ إلى مَن عَرَّفَتهم صِلتُهم: «الذين كفروا»، وليس خَطَراً مُبهَماً يَتَناقلُه الناس. والكُفرُ من ك-ف-ر، وهو فِعلُ سِترٍ يَكتُمُ ما تَحتَه ويُبعِدُه عن مَجالِ الظُّهور، والاسمُ الموصولُ يُبقي التعريفَ مُعلَّقاً بالفعل، لا بنَسَبٍ ولا جِنس.

واللامُ في «للذين» تَجعَلُ القولَ واصِلاً إلى المَقصودين، والآيةُ تُثبِتُ أنَّ الخِطابَ قد بَلَغ قبلَ أن تَذكُرَ ما سيَقَع. فالمَشهَدُ يُؤخَذُ على أنَّه كلمةٌ سَبَقَت الطريقَ وسمَّت نهايتَه، ولا يُؤخَذُ على أنَّه مُفاجأةٌ بلا إنذار.

«سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ»: فِعلانِ مَبنيّانِ للمَفعول

وتَدخُلُ السينُ على «تُغلبون» فتَفتَحُ المُستَقبَلَ القريبَ في الجُملة. والغَلَبةُ من غ-ل-ب، ومَعناها غَورٌ ساترٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَلتَصِقُ بالمَغلوب، حتّى يَصيرَ تَحتَ سَطوةٍ تَعلوه. والبناءُ للمَفعولِ يَنقُلُ أصحابَ السِّترِ من وَهمِ السَّيطرةِ إلى مَوقِعِ مَن يَقَعُ عليه الفِعل.

ثُمَّ عُطِفَ عليه «وتُحشرون»، والحَشرُ من ح-ش-ر: جَمعُ مُتَفَرِّقٍ في حَرَكةٍ تَجري به إلى مَجمَع. والغَلَبةُ تَنزِعُ وَهمَ الاستقلال، والحَشرُ يَنزِعُ وَهمَ التَّفَرُّقِ الذي يَمنَحُ كُلَّ واحِدٍ مَخبَأً، والفِعلانِ يَصفانِ انتقالاً من انكِشافِ السَّطوةِ إلى جَمعِ الأطراف، وليسا وَصفاً لضَربةٍ واحدة.

«إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ»: وِجهةٌ وفِراشٌ يَستَقِرّ

وحَرفُ «إلى» يَجعَلُ للحَشرِ غايةً مَذكورة هي جَهَنَّم، ثُمَّ تَصِفُ الآيةُ هذه الوِجهةَ بـ«المِهاد» بعدَ تَسميتِها. والمِهادُ من م-ه-د، وهو مَحلٌّ يَجتَمِعُ ويَتنفَّسُ تَحتَ صاحِبِه ثُمَّ يَثبُت، أي ما يُبسطُ للاستقرار. ومَوضِعُ المُفارَقةِ أنَّ ما يُنتَظَرُ منه الرَّاحةُ صارَ في الجُملةِ موضعَ ذَمّ.

وصيغةُ «بِئس» تُخرِجُ الوَصفَ عن الحِياد، فالغايةُ مِهادٌ يَستَقِرُّ تَحتَ مَن يُحشَرُ إليه، وليست مَعبَراً يُجازُ سريعاً. ومَن ظَنَّ السِّترَ فراشاً يَحميه يَجِدُ في آخِرِ الحَرَكةِ فِراشاً من جِنسِ النَّتيجة.


حَصيلة

يَسبِقُ القولُ المَشهَدَ فيَبلُغُ أصحابَ السِّترِ قبلَ أن يَصيروا مَفعولاً بهم. ثمَّ تَفتَحُ السينُ ما سيَأتي: غَلَبةٌ تَضَعُهم تَحتَ ما يَعلوهم، وحَشرٌ يَضمُّ ما تَفَرَّقَ منهم، ووِجهةٌ يَبلُغُها الجَمع. وعندَ الغايةِ يَصيرُ المَكانُ مِهاداً يُبسطُ تَحتَهم، بعدَ أن كانَ اسماً بَعيداً، والغِطاءُ الذي استُخدِمَ في البِدايةِ لا يَمنَعُ انكشافَ النِّهاية.