آل عمران · الآية 103

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا»: إمساكٌ واحدٌ يَجمَعُ الحامِلين

تَصلُ الواوُ هذا الأمرَ بما قبله، ويُدخلُ الافتعالُ الجماعةَ عامدةً في الاعتصام. والعصمةُ من ع-ص-م ظهورٌ من العمقِ يَلتقي بإمساكٍ صلبٍ ثمّ يَجتمعُ في احتواءٍ يَمنعُ الانفلات، والحبلُ من ح-ب-ل احتواءٌ باطنٌ يتصلُ ويمتدُّ في تعلّقٍ صالحٍ للإمساك. وإضافتُه إلى الله تُعيّنُ الرابطة، و«جميعاً» تَجمعُ أصحابَها في اعتصامٍ واحد.

«وَلَا تَفَرَّقُوا»: النَّهيُ يَمنَعُ خُروجَ الأجزاء

ويأتي النَّهيُ مُقابِلاً للأمر، فالمطلوبُ اعتصامٌ جَماعيٌّ لا تَفَرُّق. والفَرقُ من ف-ر-ق شَقٌّ يَفتَحُ مَنفذاً ثمّ يَجري ويَمتَدُّ حتى يَنعَقِدَ في العُمقِ حَدّاً فاصِلاً، وصيغةُ التَّفعُّل تُصوِّرُ دُخولَ الجماعةِ في صَيرورةِ الانقِسام، فيَنهى عنها قبلَ أن تَستقِرَّ فِرَقاً. فالنَّظمُ يُقيمُ الوَحدةَ على تَعَلُّقٍ بحَبلٍ واحدٍ وعلى نَهيٍ عن الحَرَكةِ التي تَفصِلُ الحامِلين، فهي وَحدةُ إمساكٍ مُشتَرَكٍ قبلَ أن تكونَ وَحدةَ تَجاوُرٍ في مَكان.

«وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ... فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ»: الذِّكرُ يَستَحضِرُ انقلابَ العَداوة

ويَفتحُ الأمرُ الثانيُ بابَ الذِّكرِ لنِعمةٍ مضافةٍ إلى الله وواقعةٍ عليهم. والذِّكرُ من ذ-ك-ر إبرازٌ يَنفُذُ في اتِّصالٍ حادٍّ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً، فيُحضِرُ ما لا يَنبغي أن يَغيب. وتَشرحُ «إذ» وجهَ النِّعمة، فقد كانوا أعداء، ثمّ جاءت الفاءُ بانقِلابٍ ألَّفَه الله بين قلوبهم. والتَّشديدُ في «ألّف» شُحنةٌ مُستدامةٌ متكرِّرةٌ من الوصلِ والتَّجميع، و«بين» يَحفَظُ تعدُّدَ القلوبِ مع قيامِ الرابطةِ في الفَضاءِ الذي يَصِلُها.

«فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا... فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا»: النِّعمَةُ تَنقُلُ العَداوةَ إلى إخوَة

وتَتبعُ الفاءُ أثرَ التأليف، فقد صاروا بنعمته إخواناً، فتُعيدُ الأخوّةَ إلى النعمةِ التي أحدثتْها. ثمّ يُستحضرُ مشهدُهم الملفوظ، وهو أنّهم كانوا على شفا حفرةٍ من النار. و«شفا» يَضعُهم على الحافة، والحفرةُ تَفتحُ خللاً غائراً، والإنقاذُ من ن-ق-ذ احتواءٌ يُطلقُ من باطنه قطعاً نافذاً فيَنقلُهم من قربِ السقوط، والضميرُ في «منها» يَردُّ حركةَ الإنقاذِ إلى الحفرةِ نفسها.

«كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»: البيانُ المُتَجَدِّدُ يَفتَحُ الهِداية

ويَعودُ «كذلك» إلى طَريقةِ الإظهارِ التي شَقَّت هذا السِّياقَ من الاعتصامِ إلى الإنقاذ. و«يبيّن» من ب-ي-ن، ومعناه انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، والتَّشديدُ فيه شُحنةٌ مُستدامةٌ متكرِّرةٌ تُظهِرُ الفَواصلَ والوُجوه. والفاعِلُ الله، والآياتُ آياتُه، والبيانُ لهم. وأمّا «لعلّكم» فتَفتَحُ الغايةَ، وهي أن يَهتَدوا، ولا تَنتَزِعُ حَرَكةَ المخاطَبين. فالوَحدةُ مَسارٌ يتلقّى البيانَ ويَمضي نحوَ الهِداية، وليست خِتاماً ساكناً.


حَصيلة

تَبني الآيةُ جَماعةً من اعتصامٍ واحدٍ بحَبلِ الله ومن نَهيٍ عن صَيرورةِ التَّفَرُّق، وتَجعَلُ الذِّكرَ حارِساً لهذه الحَرَكة: عَداوةٌ ألَّفَ الله بين قلوبِ أصحابِها، فصاروا بنِعمته إخواناً، وقُربٌ من حُفرةِ النار أعقَبَه إنقاذٌ منها. ثمّ يَصِلُ البيانُ كلَّ ذلك بغايَةِ الهِداية. ويُقامُ بين القلوبِ تأليفٌ مستمرّ لا يَمحوها في كتلة، وتَتَّجِهُ معاً إلى الحَبلِ الذي أضافَه النصُّ إلى الله.