يس · الآية 23

﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ

«أأتَّخِذُ من دونِهِ آلِهَةً»: استِفهامُ إنكارٍ يَختَبِرُ البَديل

بَعدَ أن أثبَتَ عِبادةَ فاطِرِه، اختَبَرَ البَديلَ بِاستِفهامٍ إنكاريّ: «أأتَّخِذُ من دونِهِ آلِهَة». و«اتَّخَذَ» (أ خ ذ) جَعَلَ الشيءَ لِنَفسِه بِفِعلٍ مُتَعَمَّد، فَالأمرُ اختيارٌ لا اضطِرار. و«من دونِه» في مَوضِعٍ أدنى مِنه. فَالسُّؤالُ: هَل يَستَقيمُ أن أتَّخِذَ بِاختياري آلِهةً أقَلَّ مِمَّن فَطَرَني؟ الإنكارُ في صيغةِ السُّؤالِ يَدعو السامِعَ إلى أن يُجريَ المُقارَنةَ بِنَفسِه: ما الذي يُقَدِّمُه البَديلُ حتّى يُتَّخَذ؟

«إن يُرِدنِ الرَّحمنُ بِضُرٍّ لا تُغنِ شَفاعَتُهُم»: امتِحانُ القُدرةِ في لَحظةِ الحاجة

ثُمَّ وَضَعَ البَديلَ في امتِحانِ القُدرة: «إن يُرِدنِ الرَّحمنُ بِضُرٍّ لا تُغنِ عَنّي شَفاعَتُهُم شَيئاً». فَالمَيزانُ لَحظةُ الشِّدّة: لَو أرادَ الرَّحمنُ بي ضُرّاً، فَهَل تَنفَعُ شَفاعةُ هؤلاءِ شَيئاً؟ و«الشَّفاعة» (ش ف ع) ضَمُّ قُوّةٍ إلى أُخرى لِدَفعِ أمر، فَإن لم تَملِكْ هذِه الآلِهةُ قُوّةً تُضَمُّ فَشَفاعَتُها لا غَناءَ فيها. واختيارُ اسمِ «الرَّحمن» دَقيق: حتّى إرادةُ الضُّرِّ صادِرةٌ عَمَّن وَسِعَت رَحمَتُه، فَكَيفَ يُلتَمَسُ دَفعُها عِندَ مَن لا يَملِكُ شَيئاً؟

«ولا يُنقِذونِ»: عَجزٌ عن الإنقاذِ يَنفي الأُلوهيّة

خَتَمَ بِنَفيِ آخِرِ ما يُرجى منها: «ولا يُنقِذونِ». و«الإنقاذ» (ن ق ذ) تَخليصُ الواقِعِ في هَلَكةٍ منها. فَهؤلاءِ لا شَفاعَتُهُم تَنفَع، ولا هُم يَملِكونَ إنقاذاً مُباشِراً. وما لا يَملِكُ نَفعاً في لَحظةِ الحاجةِ لا يَستَحِقُّ أن يُتَّخَذَ إلهاً، فَالأُلوهيّةُ مَناطُها القُدرةُ والمَلجَأ، وقد انتَفَيا عن هذِه الآلِهة. وبِهذا تَكتَمِلُ حُجّتُه: عِبادةٌ لِلفاطِرِ القادِرِ المَرجِع، وإنكارٌ لِبَديلٍ عاجِزٍ لا يُغني ولا يُنقِذ.


حَصيلة

يَختَبِرُ الرَّجُلُ البَديلَ بِاستِفهامِ إنكار: «أأتَّخِذُ من دونِهِ آلِهَة». «اتَّخَذَ» (أ-خ-ذ) جَعلٌ مُتَعَمَّدٌ بِاختيار، و«من دونِه» في مَوضِعٍ أدنى: أيَستَقيمُ أن أختارَ آلِهةً أقَلَّ مِمَّن فَطَرَني؟ ثُمَّ يَضَعُها في امتِحانِ القُدرة: «إن يُرِدنِ الرَّحمنُ بِضُرٍّ لا تُغنِ عَنّي شَفاعَتُهُم شَيئاً». و«الشَّفاعة» (ش-ف-ع) ضَمُّ قُوّةٍ إلى قُوّة، فَمَن لا قُوّةَ له لا غَناءَ في شَفاعَتِه. واختيارُ «الرَّحمن» دَقيقٌ: حتّى الضُّرُّ صادِرٌ عَمَّن وَسِعَت رَحمَتُه. ثُمَّ «ولا يُنقِذونِ» (ن-ق-ذ = تَخليصُ الواقِعِ في هَلَكة): عَجزٌ عن الإنقاذِ المُباشِر. فَما لا يَنفَعُ في الشِّدّةِ لا يَستَحِقُّ أُلوهيّةً، إذ مَناطُها القُدرةُ والمَلجَأ، وقد انتَفَيا.