الأُخُوّة

ukhuwwa جذر · أ-خ-و 9 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**قَطعٌ من أصلٍ يُنقِصُه، ثُمَّ رِباطٌ يُعقَدُ عَلَيه**. لَيسَتِ الأُخُوّةُ في الجَذرِ نَسَباً سابِقاً يُوجَدُ فيُوصَف، بَل **حَلقةٌ تُشَدُّ بَعدَ قَطع**: هَمزةٌ تَقطَعُ (ء)، وخاءٌ تَخترِقُ فتُنقِص (خ)، وواوٌ تُحيطُ فتَصِل (و)، والرِّباطُ آخِرُ الحُروفِ لا أوَّلُها. ولِذلك تَجيءُ في المُسَجَّلِ حَيثُ الصِّلةُ مَقطوعة: بَينَ وَليِّ دَمٍ وقاتِل، ومَعَ اليَتامى، وفي قَومٍ كانوا أعداءً فأصبَحوا إخواناً. **وحَيثُ تَجيءُ لِأخٍ من نَسَبٍ تَجيءُ في مَوطِنِ انقِطاعٍ أيضاً**: أخٌ يُطلَبُ وَزيراً بَعدَ عُقدةِ لِسان، وأُختٌ تَمشي وَراءَ رَضيعٍ أُلقِيَ في اليَمّ.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ء: انطِباقٌ تامٌّ لِلوتَرَينِ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه،

فيَحتَبِسُ مَضغوطاً خَلفَ الحَنجَرة، ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مُفاجِئاً يُطلِقُ الصَّوتَ دَفعةً واحِدة. وصِفَتُه في القانونِ «التَّوكيدُ والتَّقوِية». شِحنَتُه: قَطعٌ من الأصلِ يَعقُبُه إطلاق.

  • خ: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ أقصى اللِّسانِ وأقصى الحَنَك، يَختَرِقُه

النَّفَسُ جَرَياناً مُحتَكّاً خَشِناً، يُخَلخِلُ ما يَمُرُّ فيه ويُنقِصُه. شِحنَتُه: نُفوذٌ في مَضيقٍ يَترُكُ ما مَرَّ بِه ناقِصاً.

  • و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَسِ من

غَيرِ سَدّ، فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه. شِحنَتُه: إحاطةٌ تَعقِدُ وتَصِل.

النَّواةُ أَخ (ء + خ) = قَطعٌ من أصلٍ واحِدٍ يَنفُذُ فيَترُكُ الأصلَ ناقِصاً. فما اقتُطِعَ اثنانِ من مادّةٍ واحِدةٍ إلّا وقد نَقَصَت بِهِما. والإغلاقُ بِـو هو المَوضِعُ الحاسِم: بَعدَ القَطعِ والنَّقصِ تُعقَدُ حَلقةٌ تَصِلُ المُنقَطِعَينِ. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ما فُصِلَ من أصلٍ فنَقَصَ بِه، ثُمَّ رُبِطَ بِمَن فُصِلَ مَعَه.

ومنه في كلامِ العَرَب: الأَخ لِلمُشارِكِ في الأصل، وآخى و تآخى لِعَقدِ هذه الصِّلةِ بِلا أصلٍ مُشتَرَك، والأُخِيّة وهي العُروةُ تُشَدُّ في الأرضِ تُربَطُ بِها الدّابّة. وهذا الأخيرُ شاهِدٌ عَلى أنَّ آخِرَ الجَذرِ رِباطٌ لا نَسَب: سُمِّيَتِ العُروةُ من هذا البابِ لِأنَّها الحَلقةُ التي تُمسِك.

الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ أ-خ-و: انفِصالٌ يُعقَدُ عَلَيه وَصل.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة أمرانِ لا يُعطيهِما ظاهِرُ اللَّفظ:

الأوَّل، تَرتيبُ الحُروف. الرِّباطُ آخِرُ الجَذرِ لا أوَّلُه، والقَطعُ أوَّلُه. فالأُخُوّةُ بِبِنيَتِها حَلقةٌ تَلي نَقصاً، وقيمَتُها في الرِّباطِ لا في الأصلِ المُشتَرَك. وهذا بِعَينِه ما تَقولُه ٣:١٠٣ بِتَرتيبِها: ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ثُمَّ ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. عَداوةٌ، فتَأليف، فأُخُوّة: الحُروفُ الثَّلاثةُ بِتَرتيبِها في آيةٍ واحِدة. وحَيثُ يَسبِقُ النَّسَبُ (٢٠:٣٠ و٢٠:٤٢) لا يَنكَسِرُ التَّرتيب، لِأنَّ الأخَ لا يُذكَرُ هُناكَ لِيُوصَفَ بَل لِيُطلَبَ عَوناً في نَقصٍ قائِمٍ ثُمَّ لِيُشرَكَ في تَكليف: الحَلقةُ تُشَدُّ بَعدَ العُقدةِ لا قَبلَها، وإن كانَ الطَّرَفانِ من أصلٍ واحِد.

الثّاني، أنَّ خ نَقصٌ ونُفوذ، فما يَمُرُّ بِالأخِ يَخرُجُ من يَدِ صاحِبِه. ولِذلك يَغلِبُ في المُسَجَّلِ ألّا يُذكَرَ أخٌ إلّا ومَعَه انتِقالُ شَيءٍ عَنِ المُخاطَب: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ في ٢:١٧٨، والمُخالَطةُ في المالِ في ٢:٢٢٠، وحَملُ الرِّسالةِ مَعاً في ٢٠:٤٢. فالأُخُوّةُ في هذا الجَذرِ تُكَلِّفُ مَن يَعقِدُها، ولَيسَت اسماً يُطلَقُ بِلا مَؤونة.

الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن

تِسعةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، ثَلاثةُ مُفرَداتٍ مُذَكَّرةٍ ومُفرَدةٌ مُؤَنَّثةٌ وخَمسةُ جُموع:

  • المُفرَدُ مُضافاً إلى ضَميرٍ «أَخِيهِ» (٢:١٧٨): مَجرورٌ بِـ«من»،

والمُضافُ إليه غائِبٌ لم يُصَرَّحْ بِتَعيينِه.

  • المُفرَدُ مُضافاً إلى ياءِ المُتَكَلِّم «أَخِي» (٢٠:٣٠): بَدَلٌ من

«وَزيراً» المَطلوبِ قَبلَه، والقائِلُ يُسَمّي أخاهُ بِاسمِه ثُمَّ يُلحِقُ الوَصف.

  • المُفرَدُ مُضافاً إلى كافِ الخِطاب «وَأَخُوكَ» (٢٠:٤٢): مَعطوفٌ على

ضَميرِ المُخاطَبِ المُنفَصِلِ في فاعِلِ الأمر.

  • المُؤَنَّثُ مُضافاً إلى كافِ الخِطاب «أُخْتُكَ» (٢٠:٤٠): فاعِلٌ

لِفِعلِ المَشيِ في جُملةٍ مُصَدَّرةٍ بِـ«إذْ».

  • الجَمعُ مُضافاً إلى ضَميرِ المُخاطَبين «فَإِخْوَانُكُمْ» (٢:٢٢٠):

في جَوابِ شَرط.

  • الجَمعُ نَكِرةً مَنصوباً «إِخْوَانًا» (٣:١٠٣): خَبَرُ «أصبَحَ»،

وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي تَقَعُ فيه الكَلِمةُ خَبَراً لِفِعلِ صَيرورة.

  • الجَمعُ مُضافاً إلى ضَميرِ الغائِبينَ مَجروراً بِاللّام

«لِإِخْوَانِهِمْ» (٣:١٥٦ و٣:١٦٨): بِلَفظٍ واحِدٍ في المَوضِعَين.

  • الجَمعُ مُضافاً إلى اسمٍ ظاهِر «إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ» (١٧:٢٧):

خَبَرُ «كانَ»، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي لا يَكونُ المُضافُ إليه فيه ضَميراً.

وأربَعةُ أشياءَ تُقرَأُ من هذا الجَدوَلِ وَحدَه:

أوَّلاً: لا فِعلَ من الجَذرِ البَتّة. لا «آخى» ولا «تآخى» ولا مَصدَرٌ لَهُما، في التِّسعةِ كُلِّها. فالأُخُوّةُ لا تُذكَرُ عَمَلاً يَعمَلُه أحَد، وإنَّما يُذكَرُ الفاعِلُ بِفِعلٍ من جَذرٍ آخَر: «فألَّفَ» في ٣:١٠٣.

ثانياً: الجَمعُ «إخوان» خَمساً من خَمس، ولا يَرِدُ «إخوة» مَرّةً واحِدة. والعَرَبُ تُفَرِّقُ بَينَ الجَمعَينِ فتَجعَلُ «الإخوة» لِأخوّةِ النَّسَبِ و«الإخوان» لِأخوّةِ الصُّحبةِ والمُواصَلة. فالذي يَكتُبُه المُصحَفُ في المَنشورِ جَمعاً هو جَمعُ الرِّباطِ وَحدَه، وإن كَتَبَ النَّسَبَ في المُفرَد.

ثالِثاً: لا تَقومُ الكَلِمةُ بِنَفسِها في مَوضِعٍ واحِد. كُلُّها مُضافٌ (إلى ضَميرٍ في ثَمانِيَةٍ وإلى اسمٍ ظاهِرٍ في ١٧:٢٧) أو خَبَرُ صَيرورة، فهي أبَداً بَينَ طَرَفَين. وهذا مُقتَضى و: الحَلقةُ حَلقةٌ على شَيء.

رابِعاً: المَواضِعُ كُلُّها في مَوطِنِ انقِطاعٍ أو نَقص. قَتلٌ (٢:١٧٨)، ويُتمٌ (٢:٢٢٠)، وعَداوةٌ سابِقة (٣:١٠٣)، ومَوتٌ (٣:١٥٦ و٣:١٦٨)، وتَبذيرٌ يُفَرِّقُ المال (١٧:٢٧)، وعُقدةُ لِسانٍ يُطلَبُ لَها عَونٌ (٢٠:٣٠ و٢٠:٤٢)، ورَضيعٌ أُلقِيَ في اليَمِّ تَتبَعُه أُختُه (٢٠:٤٠). فالمَوطِنُ واحِدٌ سَواءٌ أكانَتِ الصِّلةُ نَسَباً أم عَقداً، وهذا هو الذي تَقولُه الحُروف: قَطعٌ يَنفُذُ فيُنقِص، ثُمَّ حَلقةٌ تُشَدُّ عَلَيه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصِّيَغِ كُلِّها

(انفِصالٌ يُعقَدُ عَلَيه وَصل)، والمُفرَدُ والجَمعُ يَختَلِفانِ في

عَدَدِ أطرافِ الحَلقةِ لا في طَبيعَتِها.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • akhira (الآخِرة، أ-خ-ر) وakhdh (الأَخذ، أ-خ-ذ): الجُذورُ

الثَّلاثةُ تَشتَرِكُ في نَواةِ أَخ وتَفتَرِقُ بِالحَرفِ الثّالِثِ وَحدَه، والفَرقُ يُقرَأُ منه قِراءةً مُنضَبِطة. النَّواةُ في الثَّلاثةِ قَطعٌ يَنفُذُ فيُنقِص، ثُمَّ: ر جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَمضي، فالآخِرُ ما انتَهى إليه المَضيّ؛ وذ نُفوذٌ جارٍ في غِلَظ، فالأخذُ تَناوُلٌ نافِذ؛ وو حَلقةٌ تَعقِدُ وتَصِل، فالأُخُوّةُ رِباطٌ يُشَدُّ على القَطع. ثَلاثُ نِهاياتٍ لِبِدايةٍ واحِدة. ومن هُنا وَقَعَ الالتِباسُ في الأداةِ (انظُر القِسمِ السّابِع): المُشتَرَكُ حَرفانِ من ثَلاثة، والمُصحَفُ المَنشورُ يَكتُبُ أ-خ-ر خَمساً وخَمسينَ وأ-خ-ذ تِسعةَ عَشَرَ وهذا الجَذرَ تِسعاً.

  • 3adawa (العَداوة، ع-د-و): المُقابَلةُ مَنصوصةٌ في ٣:١٠٣ لا

مُستَنبَطة، والجَذرانِ يَشتَرِكانِ في واوٍ آخِرَهُما. والفَرقُ في صَدرِهِما: العَداوةُ تَجاوُزٌ لِلحَدِّ إلى الإضرار، والأُخُوّةُ قَطعٌ يُشَدُّ عَلَيه رِباط. فهُما حالانِ لِطَرَفَينِ مُتَباعِدَين: أحَدُهُما يَعدو على الآخَر، والثّاني تُعقَدُ عَلَيهِما حَلقة. والآيةُ تَنقُلُ القَومَ من الأولى إلى الثّانِيَةِ بِفاءٍ واحِدة.

  • qisas (القِصاص، ق-ص-ص): يَلتَقِيانِ في ٢:١٧٨. القِصاصُ تَتَبُّعُ

الأثَرِ حتّى يُستَوفى المِثلُ بِمِثلِه، والأُخُوّةُ ما يُدخِلُ على هذا الاستيفاءِ بابَ التَّرك. والآيةُ تَبني الأوَّلَ بِالمُقابَلةِ («الحُرُّ بِالحُرِّ») ثُمَّ تُدخِلُ الثّانِيَ بِكَلِمةٍ واحِدة («من أخيه»)، فتَنتَقِلُ العِبارةُ من لُغةِ المُوازَنةِ إلى لُغةِ الصِّلة.

  • walidayn وaqrabun: المُسَجَّلُ يَذكُرُ القَرابةَ

ويُسَمّيها، فيَقولُ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢:١٨٠). فغِيابُ «الأخِ» عن بابِ الوَصِيَّةِ وَحدَه لَيسَ غِيابَ حَديثٍ عَنِ النَّسَبِ أصلاً، بَل اختِيارُ لَفظٍ آخَرَ لَه هُناك. ولا يُبنى عَلَيه أنَّ الجَذرَ لا يُقالُ لِلنَّسَب، فقَد قيلَ لَه في ٢٠:٣٠ و٢٠:٤٠ و٢٠:٤٢؛ وإنَّما يُبنى عَلَيه أنَّ بابَ المالِ المَوروثِ يَختارُ لَفظَ القُربى لا لَفظَ الأُخُوّة.

  • النَّسَبُ والقَرابةُ والصُّحبة: لا مَفهومَ لِواحِدٍ منها في

المُدَوَّنِ بَعد، فتُذكَرُ هُنا نَثراً. ويُنَبَّهُ أنَّ nasab في المُدَوَّنِ هو ن-ص-ب لا النَّسَبُ الذي يُظَنُّ من رَسمِه.

المَواضع: مَواقعُ الأُخُوّةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:١٧٨ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: تَدخُلُ الكَلِمةُ المُصحَفَ المَنشورَ داخِلَ حُكمٍ في القَتلى، أي عِندَ أشَدِّ ما تَنقَطِعُ بِه صِلةٌ بَينَ اثنَين. وسِياقُ الآيةِ قَبلَها لُغةُ مُوازَنةٍ خالِصة: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ﴾، مِثلٌ بِمِثلٍ ثَلاثَ مَرّات. ثُمَّ تُبَدَّلُ المُوازَنةُ بِالصِّلةِ في كَلِمَتَين، فيُسَمّى الطَّرَفُ الآخَرُ أخاً لا خَصماً ولا مَقصوصاً منه. والأُخُوّةُ هُنا لا يَجِدُها الحُكمُ قائِمةً فيَبني عَلَيها، بَل يُنشِئُها الحُكمُ بِالتَّسمِية، وعَلَيها يَنبَني ما بَعدَها: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. ولِذلك خُتِمَت بِـ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: التَّخفيفُ مَحمولٌ على الكَلِمة. انظُر qisas وafw وqatl.
  • ٢:٢٢٠ ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾: الأُخُوّةُ جَوابُ شَرطٍ لا وَصفٌ سابِق. الجَديدُ: أوَّلُ جَمع، وأوَّلُ مَوضِعٍ تُذكَرُ فيه الأُخُوّةُ مُرَتَّبةً على فِعلٍ يَفعَلُه المُخاطَب: لا يُقالُ هُم إخوانُكُم فخالِطوهُم، بَل إن خالَطتُموهُم فهُم إخوانُكُم. فالعَمَلُ سابِقٌ والاسمُ لاحِق. والمَوصوفونَ اليَتامى، أي مَن انقَطَعَت بِهِمُ الصِّلةُ الأولى، فيُعطيهِم الجَذرُ صِلةً ثانِيَةً مَعقودة. والآيةُ تَعرِضُ البَديلَ أوَّلاً ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾، وهو قِيامٌ على مالِهِم من خارِج؛ فإذا اختيرَتِ المُخالَطةُ تَغَيَّرَتِ الصِّفةُ من قَيِّمٍ إلى أخ. ثُمَّ يُوضَعُ الضّامِنُ في الحالِ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، لِئَلّا يَصيرَ الاسمُ رُخصة. انظُر yatim وmal وislah.
  • ٣:١٠٣ ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: أُخُوّةٌ مَصنوعةٌ لَها صانِعٌ ووَقت. الجَديدُ: المَوضِعُ الوَحيدُ الذي تُذكَرُ فيه الأُخُوّةُ بِفِعلِ صَيرورةٍ، فيُصَرَّحُ فيه بِالحالِ قَبلَها ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً﴾، وبِالفِعلِ الذي أحدَثَها ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، وبِالسَّبَبِ «بِنِعمَتِه»، وبِاللَّحظةِ «فأصبَحتُم». أربَعةُ أشياءَ لا يَجتَمِعُ منها في المَواضِعِ الأُخَرِ شَيء. ومَحَلُّ الرِّباطِ مَنصوصٌ: القُلوب، لا الأرحام. ويُعادُ المَعنى في صَدرِ الآيةِ بِصورةٍ أُخرى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فالحَبلُ والتَّأليفُ والإخوانُ ثَلاثُ صُوَرٍ لِحَلقةٍ واحِدة، اثنَتانِ منها تُشَدّانِ وواحِدةٌ تُشَدُّ بِها. انظُر 3adawa وni3ma وqalb.
  • ٣:١٥٦ ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾: الكَلِمةُ في فَمِ مَن يُنكِرُ مُقتَضاها. الجَديدُ: أوَّلُ مَوضِعٍ تَقَعُ فيه الكَلِمةُ داخِلَ قَولٍ مَحكِيٍّ، والقائِلُ مَن يُنهى المُؤمِنونَ أن يَكونوا كَمِثلِه. والمَنهيُّ عنه لَيسَ اللَّفظَ بَل ما حُمِّلَ عَلَيه: ﴿لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، فتُجعَلُ الصِّلةُ ذَريعةً إلى دَعوى في القَدَر. والأثَرُ مَذكورٌ في مَوضِعِ الرِّباطِ نَفسِه: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾. فالقُلوبُ التي أُلِّفَ بَينَها في ٣:١٠٣ هي القُلوبُ التي تُودَعُ فيها الحَسرةُ هُنا: عُضوٌ واحِدٌ وإيداعانِ مُتَقابِلان، في سورةٍ واحِدة. انظُر mawt وhasrah وqalb.
  • ٣:١٦٨ ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾: القَولُ نَفسُه ومَعَه القُعود. الجَديدُ: اللَّفظُ هو اللَّفظُ، والزّائِدُ حالٌ واحِدةٌ تَقلِبُ الحُكم: «وقَعَدوا». فمُدَّعي الرِّباطِ هُنا هو مَن تَخَلَّفَ عن الأمرِ الذي ماتَ فيه مَن سَمّاهُم إخوانَه، وقد قيلَ لَهُم قَبلَها ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾. والآيةُ التي قَبلَها تُعطي التَّشخيصَ صَريحاً ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، فيَستَقيمُ مَحَلّانِ لِلكَلِمةِ في هذه السّورةِ وَحدَها: أُخُوّةٌ في القَلبِ صَنَعَها اللهُ (٣:١٠٣)، وأُخُوّةٌ في الفَمِ ادَّعاها القاعِدون. ويُرَدُّ عَلَيهِم بِرَدِّهِم إلى أنفُسِهِم ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾: مَن جَعَلَ الصِّلةَ حُجّةً في مَوتِ غَيرِه سُئِلَ عنها في مَوتِ نَفسِه. انظُر nifaq وqatl وmawt.
  • ١٧:٢٧ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أُخُوّةٌ تُنسَبُ إلى غَيرِ الآدَمِيّين. الجَديدُ: المُضافُ إليه اسمٌ ظاهِرٌ لِأوَّلِ مَرّة، ولَيسَ بَشَراً. فتَنكَشِفُ الحَلقةُ على سَعَتِها: الرِّباطُ في هذا الجَذرِ يُعقَدُ على مَن يُشبِهُ الفِعلَ لا على مَن يُشارِكُ في الأصل، ولِذلك صَحَّ أن يُقالَ لِمُبَذِّرٍ إنَّه أخُ شَيطان. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ تَقَعُ فيه الأُخُوّةُ في مَقامِ ذَمٍّ صَريح، بَعدَ أن كانَت في مَقامِ تَخفيفٍ (٢:١٧٨) أو نِعمةٍ (٣:١٠٣) أو دَعوى (٣:١٥٦ و٣:١٦٨). والفِعلُ الذي عَقَدَ الحَلقةَ مَذكورٌ في الاسمِ نَفسِه: التَّبذيرُ تَفريقُ ما جُمِعَ، والخاءُ في الجَذرِ نُفوذٌ يُنقِص. انظُر mal.
  • ٢٠:٣٠ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾: أوَّلُ أخٍ من نَسَبٍ في المُسَجَّل. الجَديدُ: يَسقُطُ بِهذا المَوضِعِ ما كانَ يُكتَبُ في هذه الوَرَقةِ من أنَّ الجَذرَ لا يَرِدُ لِأخٍ من نَسَبٍ في المَنشور. والآيةُ آيةٌ بِكامِلِها كَلِمَتان: اسمٌ عَلَمٌ ووَصفُ الصِّلة، فيُقَدَّمُ المُسَمّى وتُلحَقُ بِه الأُخُوّة. ومَوقِعُها بَدَلٌ من ﴿وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾، أي أنَّ الأخَ يُطلَبُ لِوَظيفةٍ لا يُخبَرُ عنه بِنَسَب: القِراءةُ الجَذريَّةُ تَستَقيمُ على حالِها، فالطَّلَبُ واقِعٌ بَعدَ عُقدةٍ في اللِّسانِ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾، أي بَعدَ نَقصٍ يُطلَبُ لَه ما يَسُدُّه. فالنَّسَبُ هُنا لا يُغني عن مَوطِنِ الانقِطاع، بَل يَقَعُ فيه.
  • ٢٠:٤٠ ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾: أوَّلُ مُؤَنَّثٍ من الجَذر. الجَديدُ: تَدخُلُ صيغةُ التَّأنيثِ المُصحَفَ المَنشورَ هُنا، فيَسقُطُ ما كانَ يُكتَبُ من نَفيِها. والصِّلةُ تَقَعُ في أشَدِّ مَواطِنِ الانقِطاع: رَضيعٌ قُذِفَ في التّابوتِ ثُمَّ في اليَمّ، والأُختُ هي الخَيطُ الباقي الذي يَمشي وَراءَه. وفِعلُها دَلالةٌ على مَن يَكفُل، أي إعادةُ وَصلِ ما انقَطَع، وهو نَفسُ ما تَقولُه الواوُ في آخِرِ الجَذر. ولا يُذكَرُ لَها اسمٌ ولا نَسَبٌ إلّا الإضافةُ إلى المُخاطَب: الصِّلةُ هي التَّعريفُ كُلُّه.
  • ٢٠:٤٢ ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾: الأخُ مُسنَداً إلَيه في التَّكليف. الجَديدُ: يُعطَفُ الأخُ على المُخاطَبِ في فاعِلِ الأمر، فيَصيرُ طَرَفاً في تَكليفٍ واحِدٍ لا مَذكوراً في خَبَر. ويُجابُ بِه طَلَبُ ٢٠:٣٠، فتَنعَقِدُ الحَلقةُ التي طُلِبَت. والمَحمولُ ﴿بِآيَاتِي﴾ يَنتَقِلُ إلَيهِما مَعاً، فيَتِمُّ ما قَرَّرَه القِسمُ الأوَّلُ من أنَّ الأُخُوّةَ في هذا الجَذرِ تُكَلِّفُ صاحِبَها: هُنا التَّكليفُ مَنصوصٌ بِصيغةِ الأمرِ لا مُستَنبَط. ثُمَّ ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ بِصيغةِ التَّثنِيَة، فيُخاطَبانِ خِطاباً واحِداً.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ qisas وafw في ٢:١٧٨: ثَلاثةُ مَفاهيمَ في آيةٍ واحِدة.

يَقرَأُ qisas تَتَبُّعَ المِثلِ حتّى يُستَوفى، ويَقرَأُ afw مَحوَ الأثَرِ عن آخِرِه، ويَقرَأُ هذا المَفهومُ الاسمَ الذي نَقَلَ الآيةَ من الأوَّلِ إلى الثّاني. ولا يُفهَمُ انتِقالُ الآيةِ من القِصاصِ إلى الأداءِ بِإحسانٍ بِغَيرِ كَلِمةِ «أخيه».

  • مَعَ yatim وmal وislah في ٢:٢٢٠: المَسأَلةُ مالِيّةٌ في

ظاهِرِها، وجَوابُها تَغييرُ صِفةِ الرَّجُلِ لا تَفصيلُ الحِساب. فيُقرَأُ المَوضِعُ من ثَلاثِ جِهات: مَن هُوَ اليَتيم، وما حُكمُ مالِه، وماذا يَصيرُ المُخالِطُ إذا خالَط.

  • مَعَ 3adawa وni3ma في ٣:١٠٣: 3adawa يَملِكُ «أَعْدَاءً» في

الآيةِ نَفسِها، فالمَفهومانِ يَقتَسِمانِ جُملةً واحِدةً بِطَرَفَيها: هذا يَقرَأُ ما كانوا، وهذا يَقرَأُ ما أصبَحوا، والفاءُ بَينَهُما هي النِّعمة.

  • مَعَ nifaq في ٣:١٦٧-١٦٨: تَشخيصُ النِّفاقِ في الآيةِ الأولى

(قَولٌ بِالفَمِ لَيسَ في القَلب) هو نَفسُه ما يُصَحِّحُ قِراءةَ الأُخُوّةِ في الثّانِية. فالمَفهومانِ يَقرَآنِ الجُملةَ نَفسَها: أحَدُهُما يُسَمّي الحالَ والآخَرُ يُسَمّي الكَلِمةَ التي قيلَت بِها.

  • مَعَ irth في ٢:٢٢٠ و٢:٢٣٣ و٨٩:١٩: المَفهومانِ يَقرَآنِ صِلَتَينِ

لا يَختارُهُما صاحِبُهُما، وحُكمُهُما مُتَعاكِس. الوِراثةُ تَجعَلُ القَريبَ مَسؤولاً، والأُخُوّةُ تَجعَلُ المَسؤولَ قَريباً. واليَتيمُ هو المَوضِعُ الذي يَلتَقِيانِ عِندَه: مالُه تُراثٌ يُؤكَلُ لَمّاً في ٨٩:١٩، وهو نَفسُه المُخالَطُ الذي تُسَمّيه ٢:٢٢٠ أخاً.

الإشكالات المَفتوحة

  • غِيابُ أخِ النَّسَبِ: أُجيبَ، وهذا نَصُّ الجَواب. كانَ السُّؤالُ

مَبنِيّاً على خَمسةِ مَواضِعَ في أربَعٍ وثَلاثينَ سورةً وتِسعِ مِئةٍ وثَلاثِ آيات، ولَيسَ فيها أخٌ لِأبٍ ولا لِأُمّ، ولا «أُخت». ونَشرُ طه رَدَّ الثَّلاثةَ جَميعاً في سورةٍ واحِدة: ٢٠:٣٠ و٢٠:٤٢ لِأخِ النَّسَب، و٢٠:٤٠ لِلمُؤَنَّث. فالغِيابُ كانَ حُكماً على المُدَوَّنِ لا على المُصحَف، وهو أوضَحُ شاهِدٍ في هذه الوَرَقةِ على أنَّ العَدَدَ القَليلَ لا يَحمِلُ حُكمَ غِياب. وما بَقِيَ غائِباً بَعدَ التِّسعةِ اثنانِ: «إخوة» جَمعاً، والفِعلُ من الجَذر.

  • «إخوان» دونَ «إخوة»: اختيارٌ أم أثَرُ المَقامات؟ المَقاماتُ

الخَمسةُ كُلُّها في صُحبةٍ أو مُخالَطةٍ أو صَفٍّ أو مُشابَهةٍ في فِعل، وهي المَقاماتُ التي يُنتَظَرُ فيها «إخوان» على كُلِّ حال، حتّى ١٧:٢٧ فإنَّ الإضافةَ فيها إلى الشَّياطينِ مُشابَهةٌ لا وِلادة. فلا يُدرى أهُوَ وَضعٌ في اللَّفظِ أم اقتِضاءُ السِّياق. ويَزيدُ السُّؤالَ قُوّةً أنَّ المُفرَدَ قد وَقَعَ لِلنَّسَبِ (٢٠:٣٠ و٢٠:٤٢) ولم يَقَعْ جَمعُ النَّسَبِ مَعَه. ولَو وَرَدَت «إخوة» في مَقامِ صُحبةٍ لَسَقَطَ الفَرق. مَفتوح.

  • مَن «أخوه» في ٢:١٧٨؟ الآيةُ لا تُعَيِّنُ المُضافَ إليه، فيَحتَمِلُ

أن يَكونَ وَليُّ الدَّمِ أخا القاتِلِ ويَحتَمِلُ العَكس. والذي يَقومُ عَلَيه هذا المَفهومُ لا يَتَغَيَّرُ بِالوَجهَين: أنَّ الكَلِمةَ وُضِعَت في مَوضِعِ الانقِطاعِ وأنَّ الحُكمَ انتَقَلَ بِها. مَفتوح.

  • أُخُوّةُ ٢:٢٢٠ وأُخُوّةُ ٣:١٠٣: واحِدةٌ أم اثنَتان؟ الأولى

حُكمٌ عَمَليٌّ في مُخالَطةِ مال، والثّانِيَةُ حالٌ في القُلوب. قَرَأَهُما المَفهومُ على أصلٍ واحِد (رِباطٌ يُعقَدُ بَعدَ انقِطاع). وقَد دَخَلَت جِهةٌ ثالِثةٌ بِنَشرِ طه، وهي الأُخُوّةُ التي لا تُصنَعُ بَل تُوجَدُ (٢٠:٣٠ و٢٠:٤٠ و٢٠:٤٢)، وهي التي تُجَرِّبُ القِراءةَ حَقّاً: أيَستَوعِبُ «الرِّباطُ بَعدَ الانقِطاع» صِلةً سابِقةً على كُلِّ عَقد؟ الجَوابُ في هذه الوَرَقةِ أنَّ المَوطِنَ واحِدٌ في الجِهاتِ الثَّلاث (نَقصٌ يُطلَبُ لَه سَدّ)، والمَسأَلةُ باقِيَةٌ حتّى يَنضَمَّ إلَيها شاهِدٌ رابِع. مَفتوح.

  • لِمَ لم يَرِدْ من الجَذرِ فِعل؟ الغِيابُ مُطَّرِدٌ في تِسعةٍ من

تِسعة، ويُوافِقُ القِراءةَ (الرِّباطُ يُشَدُّ بِفِعلِ غَيرِه، ولِذلك قيلَ «فألَّفَ» ولم يُقَلْ «فآخى»). وقَد زادَت أربَعةُ مَواضِعَ بَعدَ كِتابةِ هذا السُّؤالِ فلَم تَأتِ بِفِعل، فاتَّسَعَتِ القاعِدةُ ولم يَنكَسِرِ الحُكم. لكنَّ تِسعةَ مَواضِعَ ما زالَت أقَلَّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب. يُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن