الفجر · الآية 19

﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا

«وتَأكُلونَ»: فِعلٌ مُتَّصِلٌ لا يَنقَطِع

والفِعلُ مُضارِعٌ «تَأكُلون»، وهي صيغةٌ تَحكي عَمَلاً قائِماً يَتَكَرَّرُ ولا يَقِف، لا حادِثةً مَضَت. والأكلُ في أصلِه إدخالُ الشَّيءِ في الجَوفِ حتّى يَفنى فيه فلا يَعودُ يُرى، فالعِبارةُ تُصَوِّرُ مالاً يُبتَلَعُ ابتِلاعاً، يَدخُلُ في الذّاتِ فيَصيرُ جُزءاً مِنها ويَزولُ عن صاحِبِه الأوَّل.

وجاءَ الخِطابُ جَمعاً في «تَأكُلون»، فالفِعلُ مَنسوبٌ إلى جَماعةٍ تَفعَلُه على هَيئةٍ واحِدة، لا إلى فَردٍ شاذّ، وبِهذا يَصيرُ الأكلُ عادةً مُستَقِرّةً في القَومِ لا زَلّةً عابِرة، وحالاً يَجري عليها السّامِعونَ جَميعاً فيُساءَلونَ عنها سَواء.

«التُّراث»: ما خَلَّفَه الذّاهِبونَ لِلباقين

والتُّراثُ من و-ر-ث، وهو ما يَنتَقِلُ مِن ذاهِبٍ إلى باقٍ، مالٌ خَلَّفَه صاحِبُه حينَ مَضى فآلَ إلى مَن بَعدَه. وفي اللَّفظِ نَفسِه تَذكيرٌ بِأنَّ المَأكولَ أمانةٌ عَبَرَت إلى الآكِلِ عَبرَ مَوتِ غَيرِه، ولم تَكسِبْها يَدُه، فهو مالٌ مَحفوفٌ بِالحَقِّ من جِهَتَين: حَقِّ مَن ذَهَب، وحَقِّ مَن يُشارِكُ في الإرث.

والتُّراثُ بِبِنائِه يَجمَعُ المَتروكَ كُلَّه في كَلِمةٍ واحِدة، فلا يُفَصِّلُ نَصيباً عن نَصيب، وحينَ يُؤكَلُ هكذا مَجموعاً يُؤكَلُ مَعَه نَصيبُ الضَّعيفِ الذي لا يُطالِب، أي اليَتيمِ الذي تَقَدَّمَ ذِكرُه، والمِسكينِ الذي لا يُحَضُّ على طَعامِه. وبِذلك يَحمِلُ اللَّفظُ في طَيِّه مَن غُيِّبَ حَقُّه.

«أَكلاً لَمّاً»: ضَمٌّ يَجرُفُ الحَقَّ مَعَ الباطِل

و«لَمّاً» من ل-م-م، وهو ضَمُّ الشَّيءِ إلى الشَّيءِ حتّى لا يُبقى مِنه شَيءٌ مُتَفَرِّق، يُقالُ «لَمَّ الشَّيءَ» إذا جَمَعَه مِن كُلِّ جانِبٍ فلم يُغادِر، و«اللَّمّةُ» الجَماعةُ المُجتَمِعة، والمَلمومُ المَكنوزُ المَضمومُ بَعضُه إلى بَعض. فالأكلُ اللَّمُّ أكلٌ يَكنُسُ الكُلَّ كَنساً، فلا يَنتَقي ولا يُمَيِّزُ نَصيبَه من نَصيبِ غَيرِه.

ويَشتَدُّ المَعنى بِتَكرارِ المَصدَرِ بَعدَ الفِعلِ في «تَأكُلونَ... أَكلاً»، فالتَّوكيدُ يَنقُلُ الأكلَ من مُجَرَّدِ فِعلٍ إلى وَصفٍ مُتَمَكِّن، ثُمَّ يَزيدُه «لَمّاً» شِدّةً على شِدّة. وتَنتَهي الصّورةُ إلى مالٍ مَوروثٍ يُجمَعُ بِلا تَمييزٍ ويُبتَلَعُ بِلا تَوَقُّف، يَدخُلُ فيه حَقُّ صاحِبِه وحَقُّ سِواه على سَواء.


حَصيلة

تُصَوِّرُ الآيةُ أكلاً قائِماً مُتَكَرِّراً في «تَأكُلون»، مَنسوباً إلى جَماعةٍ تَفعَلُه على هَيئةٍ واحِدة. والمَأكولُ «التُّراثُ» من و-ر-ث، أي مالٌ خَلَّفَه الذّاهِبونَ فآلَ إلى الباقين، يَجمَعُ المَتروكَ كُلَّه فيَدخُلُ فيه نَصيبُ الضَّعيفِ الذي لا يُطالِب. و«لَمّاً» من ل-م-م، وهو ضَمٌّ يَكنُسُ الشَّيءَ من كُلِّ جانِبٍ فلا يُمَيِّزُ حَلالاً من حَرام. وتَكرارُ المَصدَرِ «أَكلاً» يُثَبِّتُ الوَصفَ ويُشَدِّدُه. فالآيةُ تَعرِضُ صورةَ بَلعٍ لا يَنتَقي، يُجرَفُ فيه المالُ المَوروثُ مَجموعاً، ويَزولُ فيه الفَرقُ بَينَ نَصيبِ الآكِلِ ونَصيبِ مَن غُيِّبَ حَقُّه.