الغَفلة

ghafla جذر · غ-ف-ل 7 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**غُؤورٌ يَشُقُّ الانتِباهَ فيُبعِدُه، فيَبقى الشَّيءُ حاضِراً ولا يُلتَفَتُ إليه**. لَيسَتِ الغَفلةُ جَهلاً بِالشَّيء، بَل ذُهولاً عنه مَعَ إمكانِ عِلمِه. ولِذلك سُمِّيَتِ الأرضُ التي لا عَلامةَ فيها **غُفْلاً**، وسُمِّيَ الكِتابُ الذي لا نُقطةَ عليه **غُفلاً**: حاضِرٌ ولَيسَ فيه ما يَستَوقِف.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • غ: غَؤورٌ في الباطِنِ وسَترٌ وتَغطِيَةٌ بِكَثافة، ثُمَّ نَفاذٌ جارٍ

من الغَور. شِحنَتُه: غُؤورٌ يَستُرُ ثُمَّ يَنفُذ.

  • ف: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا يَشُقُّ مَجرىً

ضَيِّقاً يَنفُذُ منه النَّفَسُ ثُمَّ يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. شِحنَتُه: شَقٌّ يَنفُذُ ثُمَّ يُبعِد.

  • ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا، مَعَ جَرَيانِ

الصَّوتِ مُنسابِاً من جانِبَيه فيَمضي مُستَقِلاًّ. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ ثُمَّ امتِدادٌ مُستَقِلّ.

النَّواةُ غَف (غ + ف) = غُؤورٌ مَستورٌ يَشُقُّ فيُبعِد: نَزَلَ الشَّيءُ عن مَوضِعِ الانتِباهِ ثُمَّ فُرِّقَ عنه. والإغلاقُ بِـل يُمضي هذا المُبعَدَ مُستَقِلاًّ فيَنقَطِعُ ما بَينَه وبَينَ صاحِبِه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: انقِطاعُ الالتِفاتِ عن شَيءٍ لم يَغِبْ.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • أرضٌ غُفْل: لا عَلامةَ فيها ولا أثَر. حاضِرةٌ لِلعَينِ ولَيسَ فيها

ما يَستَوقِف.

  • كِتابٌ غُفْل: لا شَكلَ عليه ولا نُقَط، فيُقرَأُ ولا يُتَبَيَّن.
  • دابّةٌ غُفْل: لا سِمةَ عليها تُمَيِّزُها.
  • أغفَلَه: تَرَكَه إهمالاً مَعَ إمكانِ الأخذِ بِه.
  • تَغافَلَ: تَكَلَّفَ الغَفلةَ وهو مُنتَبِه، وهي أدَقُّ شاهِدٍ على

أنَّ الشَّيءَ لم يَغِبْ.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ غ-ف-ل: حُضورٌ بِلا التِفات. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويُفَسِّرُ أخَصَّ ما في هذا المَفهوم: سِتّةٌ من سَبعةِ مَواضِعَ في المُسَجَّلِ نَفيٌ لَها عن الله، بِتَركيبٍ واحِدٍ لا يَتَبَدَّلُ إلّا في ضَميرِ مُتَعَلَّقِه: «وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلون» في خَمسةٍ، و«عَمّا يَعمَلون» في ٢:١٤٤ وَحدَها. ونَفيُ الغَفلةِ أخَصُّ من إثباتِ العِلم: العِلمُ يَنفي الجَهل، ونَفيُ الغَفلةِ يَسُدُّ ما وَراءَ العِلمِ من ذُهولٍ يُتَوَهَّمُ مَعَه.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • بِغافِلٍ (اسمُ الفاعِلِ مَجروراً بِباءٍ زائِدةٍ في خَبَرِ «ما»):

سِتّةُ مَواضِعَ، كُلُّها نَفيٌ عن اللهِ في خِتامِ الآية، وكُلُّها مُتَعَلِّقةٌ بِالعَمَل: خَمسةٌ بِـ«ما تَعمَلون» على الخِطاب، وواحِدٌ بِـ«ما يَعمَلون» على الغَيبة (٢:١٤٤).

  • غافِلون (اسمُ الفاعِلِ مَرفوعاً خَبَراً): مَوضِعٌ واحِد، وهو

الوَحيدُ الذي يُثبَتُ فيه الوَصفُ لا يُنفى، ومَوصوفُه قَومٌ لم يُنذَرْ آباؤُهُم.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الصّيغةُ واحِدةٌ في المُسَجَّلِ كُلِّه (اسمُ

الفاعِل)، والفارِقُ نَفيٌ وإثبات. فالغَفلةُ في هذا المُعجَمِ لا

تُوصَفُ بِها الأفعالُ بَل الذَّوات: هي حالٌ يُوصَفُ بِها مَن هو

عليها، لا حَدَثٌ يَقَعُ منه.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • الجَهل (ج-هـ-ل): انتِفاءُ العِلمِ بِالشَّيء. والغَفلةُ انتِفاءُ

الالتِفاتِ مَعَ إمكانِ العِلم. فالجاهِلُ لا يَملِكُ والغافِلُ يَملِكُ ولا يَستَعمِل.

  • النِّسيان (ن-س-ي): ذَهابُ الشَّيءِ عن الحِفظِ بَعدَ حُضورِه.

والغَفلةُ لا تَقتَضي سَبقَ حُضورٍ في الذِّهن، بَل عَدَمَ التِفاتٍ إليه وهو قائِم.

  • ilm (العِلم، ع-ل-م): إدراكُ الشَّيءِ على ما هو عليه. ونَفيُ

الغَفلةِ أخَصُّ من إثباتِ العِلم، ولِذلك اختيرَ في هذه المَواضِعِ السِّتّة: يُسَدُّ بِه ما لا يَسُدُّه إثباتُ العِلمِ وَحدَه.

  • ghayb (الغَيب، غ-ي-ب): ما استَتَرَ عن الإدراك. والغَفلةُ تَقَعُ

على الحاضِرِ لا على الغائِب، فهُما مُتَقابِلانِ في المَحَلّ: الغَيبُ غائِبٌ لا يُدرَك، والمَغفولُ عنه حاضِرٌ لا يُلتَفَتُ إليه.

المَواضع: مَواقعُ الغَفلة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٧٤ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ مَنفِيّةً لا مُثبَتة، وعن اللهِ لا عن النّاس، وفي خِتامِ آيةِ قَسوةِ القُلوبِ بَعدَ ذِكرِ الحِجارةِ التي يَتَفَجَّرُ منها الماء. فيُقابَلُ جُمودُ القَلبِ بِنَفيِ الجُمودِ عن جِهَةِ المُراقَبة: قَسا القَلبُ ولم تَقَعْ غَفلةٌ عَمّا يَصدُرُ عنه. وتُختارُ الباءُ الزّائِدةُ في «بِغافِلٍ» فتُؤَكِّدُ النَّفيَ تَوكيداً لا يَحتَمِلُ الاستِثناء. انظُر القَلب.
  • ٢:٨٥ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: تَعودُ الصّيغةُ بِنَصِّها. الجَديدُ: يَتَكَرَّرُ الخِتامُ بَعدَ سِياقٍ آخَرَ بِتَمامِه: قَتلٌ وإخراجٌ وتَظاهُرٌ بِالإثمِ ثُمَّ فِداءٌ لِلأسرى، أي إيمانٌ بِبَعضِ الكِتابِ وكُفرٌ بِبَعض. فيُقرَأُ التَّكرارُ حَصراً لِلتَّبعيضِ نَفسِه: مَن قَسَّمَ الكِتابَ قِسمَينِ لم يَنقَسِمْ عليه النَّظَر. انظُر الكِتاب.
  • ٢:١٤٠ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: بَعدَ كِتمانِ شَهادةٍ عِندَ صاحِبِها. الجَديدُ: يُذكَرُ قَبلَه «ومَن أظلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهادةً عِندَه مِنَ الله»، فيَقَعُ نَفيُ الغَفلةِ على ما لا يَطَّلِعُ عليه غَيرُ الكاتِمِ نَفسِه. فيَتَبَيَّنُ أنَّ المَنفيَّ عنه الغَفلةُ يُلتَفَتُ إلى المَستورِ كَما يُلتَفَتُ إلى الظّاهِر. انظُر السِّرّ / السُّرور.
  • ٢:١٤٤ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾: تَتَبَدَّلُ صيغةُ المُتَعَلَّق. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الضَّميرُ من الخِطابِ («تَعمَلون») إلى الغَيبة («يَعمَلون») لِلمَرّةِ الأولى، لِأنَّ المُتَحَدَّثَ عنهُم أهلُ الكِتابِ لا المُخاطَبون. ومَوقِعُه بَعدَ الإخبارِ بِأنَّهُم يَعلَمونَ أنَّه الحَقُّ من رَبِّهِم، فيَجتَمِعُ في الآيةِ عِلمُهُم بِالحَقِّ وعَدَمُ الغَفلةِ عَمّا يَعمَلون: عَلِموا ولم يُلتَفَتْ عنهُم.
  • ٢:١٤٩ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: رابِعُ التَّكرارِ في سورةٍ واحِدة. الجَديدُ: يَقَعُ بَعدَ أمرِ التَّولِيَةِ شَطرَ المَسجِدِ الحَرام، وهو حُكمٌ ظاهِرٌ يُرى امتِثالُه. فيُقرَأُ نَفيُ الغَفلةِ عن الظّاهِرِ بَعدَ أن قُرِئَ عن الباطِنِ في ٢:١٤٠، فيَستَوعِبُ التَّكرارُ في البَقَرةِ وَجهَي العَمَل. انظُر الصَّلاة.
  • ٣:٩٩ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: الصّيغةُ تَخرُجُ من البَقَرة. الجَديدُ: تَنتَقِلُ العِبارةُ بِنَصِّها، وعلى الخِطابِ كَما في أربَعةٍ من مَواضِعِ البَقَرةِ الخَمسة، إلى سورةٍ أُخرى، ومَوقِعُها بَعدَ «تَصُدّونَ عن سَبيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبغونَها عِوَجاً». فيُقرَأُ نَفيُ الغَفلةِ عن فِعلٍ يُوَجَّهُ إلى غَيرِ فاعِلِه: لا يُلتَفَتُ عَمّا يَصنَعُه المَرءُ بِطَريقِ سِواه. انظُر الكُفر.
  • ٣٦:٦ ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾: الوَصفُ يُثبَتُ لِلنّاسِ لا يُنفى عن الله. الجَديدُ: يَنقَلِبُ الجَذرُ إلى الإثباتِ لِلمَرّةِ الأولى والوَحيدةِ في المُسَجَّل، ويُعَلَّلُ بِـ«ما أُنذِرَ آباؤُهُم»: غَفلةٌ سَبَبُها انقِطاعُ الإنذارِ لا إعراضٌ عنه. فتُقرَأُ عُذراً يَقتَضي الإرسالَ لا جُرماً يَقتَضي الأخذ، وتُجعَلُ الفاءُ رابِطةً بَينَ انقِطاعِ النَّذيرِ ووُقوعِ الغَفلة. وبِه يَتِمُّ المَفهومُ من طَرَفَيه: مَنفيّاً عمَّن لا يَذهَلُ، مُثبَتاً لِمَن لم يُنَبَّه. انظُر النَّذير.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ العَمَل في المَواضِعِ السِّتّة: عِبارةُ «بِغافِلٍ عَمّا

تَعمَلون» تُلازِمُ العَمَلَ مُلازَمةً تامّة، فلا تُنفى الغَفلةُ في المُسَجَّلِ عن شَيءٍ سِواه. فيُقرَأُ المَفهومانِ مَعاً: العَمَلُ عَينٌ مُتَمَيِّزةٌ، ولا يُذهَلُ عن الأعيان.

  • مَعَ العِلم: اختِيارُ نَفيِ الغَفلةِ في هذه المَواضِعِ بَدَلَ

إثباتِ العِلمِ مَقصود، لِأنَّه يَسُدُّ ما وَراءَ العِلمِ من ذُهول.

  • مَعَ النَّذير في ٣٦:٦: تَعليلُ الغَفلةِ بِانقِطاعِ الإنذارِ

يَجعَلُ الإرسالَ رَفعاً لَها، فيَتَّصِلُ المَفهومانِ اتِّصالَ الدّاءِ بِالدَّواء.

شَهادةٍ يَجعَلُ المَستورَ داخِلاً فيما لا يُذهَلُ عنه.

الإشكالات المَفتوحة

  • «ما أُنذِرَ آباؤُهُم» في ٣٦:٦: أ«ما» نافِيةٌ أم مَوصولة؟ على

الأولى: قَومٌ لم يُنذَرْ آباؤُهُم فهُم غافِلون. وعلى الثّانية: أُنذِروا ما أُنذِرَ بِه آباؤُهُم. والقِراءةُ هُنا على الأولى لِأنَّ الفاءَ تُرَتِّبُ الغَفلةَ على ما قَبلَها. مَفتوح.

  • الباءُ الزّائِدةُ في «بِغافِلٍ»: أهي لِمُجَرَّدِ التَّوكيدِ أم

تُفيدُ استِغراقَ النَّفي؟ اطِّرادُها في المَواضِعِ السِّتّةِ كُلِّها يُرَجِّحُ الثّاني. مَفتوح.

  • هل الغَفلةُ في ٣٦:٦ عُذرٌ رافِعٌ لِلمَلامِ أم وَصفٌ لِلحال؟

السّياقُ يَقتَضي الإنذارَ بَعدَها، فيَحتَمِلُ أن تَكونَ سَبَبَ الإرسالِ لا عُذراً بَعدَه. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن